التاريخ: آب ١٨, ٢٠١٣
المصدر: موقع المقر - الأردن
انقلاب أحجار الدومينو - طاهر العدوان
ما يجري في مصر انقلاب عسكري يقوده مغامر من نموذج جنرالات أمريكا اللاتينية في الستينات من طلاب السلطة المطلقة الذين عادة ما يلقون على انفسهم صفة المنقذين للوطن والشعب في مهمة يصبغون عليها ( صفات مقدسة ) من اجل ان يضعوا انفسهم فوق القانون ويسمحوا لايديهم بالغوص في دماء الشعب .

لكن الجنرال السيسي لايريد فقط حكم مصر بالنار والحديد انما هو أيضاً رأس الحربة في الهجوم العربي المضاد على الربيع العربي لاجتثاث نزعات الحرية من صدر الأمة وإخماد شعلة الحرية التي اجتاحت منطقة تمثل آخر بقايا الاستبداد على الارض بعد حكم كوريا الشمالية وعسكر ما نيمار . انه هجوم أحجار الدونيمو المضاد من اجل إعادة عقارب الساعة الى ما قبل الربيع العربي وفتح الأبواب على مصراعيها لعودة الأنظمة التي سقطت لكن بوجوه جديدة وعناوين مختلفة .

هذا البطش الدموي في شوارع مصر الذي يهز كل من له ضمير في العالم هو استكمال لما يفعله طاغية دمشق منذ ثلاثة أعوام من اجل إثبات ان الديموقراطية لا تناسب العرب وان شرعية الارادة الشعبية شر مستطير وان صناديق الاقتراع الحر لا تجلب الا الدماء والخراب . لقد نجحت الأنظمة القديمة عبر انقلاب السيسي في تصدير أزماتها الى الشوارع وخلق صراع بين حلفاء الثورة بالأمس للانقضاض على شعارات الربيع العربي ، والخطوة التالية ستكون في تونس فهي حجر الدومينو الثاني الذي سينقلب الى الخلف .

ليس المسألة في مصر من يحكم الاخوان ام اللبراليون ، ما نراه هو عودة الى الأوضاع العربية التي كانت سائدة قبل الربيع العربي بعد ان نجحت بقايا الأنظمة القديمة ومناصريها في تصوير الاخوان (بانهم شياطين وإرهابيون ) وصولا الى نبذ الانتخابات ونتائج صناديق الاقتراع الحرة كأداة للوصول الى السلطة من اجل الطعن بمشروعية الإرادة الشعبية ، وعدم الاحتكام إليها وأقصاؤها بالقوة وسفك الدماء لانها تمنح الاخوان و تيارات الإسلام السياسي اغلبية في كل انتخابات ، بقايا الأنظمة تريد أحياء مشروعية القمع والقتل والتصفيات والسجون بدل النضال بين صفوف الراي العام بالحجة والبرامج في مواجهة الاسلاميين لكسب صناديق الاقتراع .

عام مرسي في الحكم مليئ بالأخطاء السياسية والاقتصادية لكنه عام رئيس منتخب لأول مرة في تاريخ مصر رئيس كان يتراجع عن غالبية قراراته امام اي نقد او غضب ، عام حرك فيه خصومه كل أدواتهم لإشاعة الاضطراب السياسي والهجوم الإعلامي غير المسبوق على رئيس يحكم حتى الصحف الرسمية وقفت ضده ومنها الاهرام ، لقد اشاع خصومه التململ وصولا الى التمرد وغياب الامن وانتشار اللصوص في وضع لم يستطيع فيه رئيس الجمهورية ان يغادر مكتبه الا من باب خلفي ولا يستطيع الوزير ان يدخل وزارته كما قال وزير العدل الأسبق المستشار احمد مكي لان وزير الدفاع السيسي ووزير الداخلية محمد إبراهيم لا يريدان زج الامن والجيش في السياسة ! لقد جردوا الرئيس المنتخب من كل سلطة أمنية وقضائية وتشريعية حتى يفشل ، واليوم نرى كيف توضع كل سلطة وقوة الجيش لخدمة الانقلاب وزجه في قلب الصراع السياسي منحازا وطرفا كما قال ايمن نور .

عام مرسي لم ينزل فيه الجيش والأمن لقتل الناس بالجملة ، ولم تغلق فيه الفضائيات ولم يشوش فيه الأثير ويقصى الصحفيون المحايدون عن الأحداث اما بالسجون والملاحقة او بالتعتيم والمراقبة ، لقد اطفئت كل الأنوار ( ما عدا البارعون في صناعة الكذب والنفاق ) لاخفاء القمع غير المسبوق الا في اعتى الديكتاتوريات الدموية التي مثلها جنرال تشيلي بونيشيه في السبعينيات .

وأخيرا لم تشهد مصر في تاريخها الحديث هذا الجدل في القضايا الحيوية السياسية والفكرية حول طبيعة النظام السياسي وماهية الديموقراطية مثل ما شهدته في عهد مرسي وبحرية كاملة كانت ستؤدي لو لم يقطع الانقلاب عليها الطريق الى بدء اول عملية تبادلية ديموقراطية للسلطة عبر صناديق الاقتراع لان استطلاعات الراي كانت تشير الى تراجع شعبية الاخوان والى احتمال خسارتهم للأغلبية في الانتخابات المقبلة .

نحن امام منعطف حاسم ومن الخطأ ان نسمي ما يجري بانه ثورة مضادة انما هو يقظة ما قبل الموت التي تعيشها بقايا حكم مبارك في محاولتهم الدموية للقضاء على ربيع مصر حتى يكون أمثولة (لانقلاب آخر ) ضد حركة الشعوب من اجل الديموقراطية، ومن اجل سد الطريق على اي تغيير سلمي يقود في النهاية الى قبول التعايش والتعددية بين مكونات الشعوب الفكرية وتياراتها وأحزابها الدينية والعلمانية والوطنية ، مهما كانت اراؤها وافكارها ومعتقداتها ، ما دام الحكم عليها تقرره في النهاية صناديق الاقتراع الحرة وليس جنازير الدبابات او ( التفويض ) المزعوم الذي انتهجته جميع الديكتاتوريات .