التاريخ: آب ٢٧, ٢٠١٣
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
عندما يتحوّل النظام إلى خارج آخر - ماجد كيالي
قبل عامين ونصف لم يكن السوريون يحلمون بالتعبير عن مكابداتهم، وعن توقهم للحرية والكرامة، ولو بكلمة، أو تظاهرة، أو اعتصام، وبعد اندلاع ثورتهم، على خلفية حادثة أطفال "الطباشير" الدرعاوية، واجههم النظام بأهوال وفظائع ما كانوا في أسوأ كوابيسهم يتصوّرون مثيلاً لها.
 
لعل أهم تداعيات الثورة السورية، على مشكلاتها وثغراتها، أنها كشفت الغربة بين الشعب، أو أكثرية السوريين، والنظام الذي يحكمهم ويتحكّم بهم منذ أربعة عقود، فهل من تفسير لقيام الطائرات والدبابات والمدفعية بقصف أعمار وتدمير عمران السوريين، بهذه الطريقة العمياء والوحشية والجمعية، سوى ذلك؟

ومثلاً، ففي الأشهر الثمانية الأولى لهذه الثورة (آذار - تشرين الثاني 2011)، والتي طغى عليها الطابع السلمي، بلغ عدد الضحايا حوالى 600 من السوريين شهرياً، وهي أعداد هائلة جداً، حتى بالمقارنة مع احصائيات القتل الإسرائيلي للفلسطينيين. فقد بلغ متوسط عدد الشهداء في الانتفاضة الأولى (1987-1993) 45 فلسطينياً في الشهر، أما في الثانية (2000 - 2004) فبلغ 120 فلسطينياً في الشهر، رغم أن هذه كان غلب عليها طابع العمليات المسلحة والتفجيرية، وأن إسرائيل هنا لم تقتل في شعبها، وإنما في شعب آخر يعاديها، وهذا فارق مهم جداً.

الآن، ومع اجتياز الصراع في سوريا عتبة الكيميائي، وبعد أن وصل عدد الضحايا الى أكثر من 150 ألفاً، مع تشريد الملايين، وتدمير عمران أحياء كاملة لعديد من المدن، ماعاد بالإمكان اختزال الأمر بمجرد صراع على السلطة.

وفي الواقع فإن هذا الزلزال الكارثي، الذي يشتغل في سوريا منذ 30 شهراً، عرّى، وأطاح، مفهوم "الوطنية" السورية، التي احتكرت السلطة تعريفها، بعد كشف خواء معناها، والتوظيفات السلطوية لها، في بلد التهمت فيه السلطة الدولة، واختزلت الطغمة الحاكمة كل شيء في عبارة: "سوريا الأسد إلى الأبد"، بعد هيمنتها على مصادر القوة والسلطة والثروة والخطاب والمجال العام وحتى على التاريخ. وربما هذا كله سبب رؤية كثير من السوريين، سواء من الثائرين، أو المترددين، أو الخائفين، النظام باعتباره بمثابة قوة احتلال غاشمة، أو خارج آخر، إذ يجابههم بالجبروت، من خارج السياسة، ويضعهم بين خياري الإخضاع أو المحو.

هذا يفسّر لامبالاة معظم السوريين بالكلام عن احتمال توجيه ضربة من الخارج للآلة العسكرية للنظام، بل وإلحاح أكثريتهم عليها، بعد كل ما جرى، وبعد أن انتظروها طويلاً. وللتذكير فقد استدعى السوريون ذلك، في تسميات بعض أيام الجمع، كجمعة "صمتكم يقتلنا" (2011/7/29)، وجمعة "الحماية الدولية" (2011/9/9)، وجمعة "الحظر الجوي" (2011/10/28)، وجمعة "المنطقة العازلة تأويني" (2011/12/2). ناهيك عن صيحة: "يا الله ما النا غيرك يا الله".