تفاقمت الاحداث في المنطقة العربية الى درجة انها باتت «تمس المصالح الجوهرية للولايات المتحدة من ناحيتين رئيستين»، كما صرح الرئيس الاميركي باراك اوباما. وكمثال على منحى هذه الاحداث، اشار اوباما الى استخدام السلاح الكيماوي في سورية، اذ انه من جهة، يهدد بزيادة انتشار واستخدام اسلحة الدمار الشامل في سائر انحاء العالم وليس في سورية فحسب، ومن جهة اخرى، فإنه يثير قلق اصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة ويدفعهم الى دخول سباق تسلح مع الذين يمتلكون حالياً مثل هذه الاسلحة. في الحالتين تتعرض مصالح الولايات المتحدة الى الاخطار، ومكانتها الدولية الى التحدي والى التداعي. بموازاة شكاوى البيت الابيض من الحالة السورية، كانت هناك شكاوى مماثلة من الحالة المصرية. صحيح ان الاوضاع القلقة في مصر لم تصل الى مستوى الاوضاع المتدهورة في سورية، وأن مستوى العنف لم يصل الى الذهاب بحياة ما يفوق الألف ضحية في موقعة واحدة. ولكن مصر اعتبرت دوماً عامل استقرار في المنطقة، فإذا تهدد هذا الاستقرار، ولو بصورة محدودة، كان على زعماء العالم ان ينظروا الى هذا الامر بجدية. آراء اوباما والبيت الابيض الاميركي في المصاعب العربية والشرق اوسطية بدت تعكس وجهة نظر منتشرة لدى النخبة الاميركية السياسية. بل انها كانت في الحقيقة مرتكزاً لحملة مستمرة ضد اوباما منذ دخوله البيت الابيض شنّها ضده الجمهوريون، واكتسبت زخماً بعد التغييرات الكبرى التي ألمت بالمنطقة العربية. يتهم الجمهوريون الرئيس الاميركي بالتردد والضعف وبالتفريط بالمصالح الاميركية. ويذهب البعض منهم، مثل البوشيين وجماعة «حفلة الشاي»، الى حد اتهامه بالخيانة وتنفيذ مؤامرة دولية ضد الولايات المتحدة لأنه لا يستخدم القوة بما فيه الكفاية ضد أعداء الولايات المتحدة. يملك الديموقراطيون ومؤيدو اوباما، بالطبع، اجوبة كثيرة يردون بها على مثل هذه الانتقادات والاتهامات، وبخاصة الى ما تنطوي عليه من الربط المستتر بين الاصل الافريقي والمسلم لباراك اوباما، من جهة، وبين ما يراه المنتقدون من التفريط بالمصالح القومية للولايات المتحدة. لقد تعرض اكثر الرؤساء الاميركيين الى مثل هذه الحملات التي نظمها منافسون متعصبون. وعندما يرجع المعنيون بالسياسة الاميركية الخارجية يجدون العشرات من هذه الامثلة التي تدل على هشاشة الانتقادات الموجهة الى ادارة اوباما بحجة انها لا تستخدم العنف بالمقدار الكافي. لقد كان الرئيس الاميركي دوايت آيزنهاور جمهورياً وكان بطلاً من أبطال الحرب العالمية الثانية، وواحداً من ابطال الحرب الباردة، ومع ذلك كان يتعرض الى الانتقادات لأنه لم يُشهر السيف الاميركي كفاية في وجه أعداء الولايات المتحدة. ويقول الديبلوماسي روبرت مورفي في مذكراته «ديبلوماسي بين المحاربين» انه عندما قرر الرئيس الاميركي ارسال البحرية الاميركية الى لبنان عام 1958، وعندما اختاره لكي يكون مبعوثه الرئيسي الى لبنان، ابلغه انه اتخذ هذا القرار لأن صورة العجز الاميركي والتخوف من الاتحاد السوفياتي باتت منتشرة في الشرق الاوسط وبخاصة في مصر الى درجة تهديد المكانة الدولية للولايات المتحدة. ويضيف مورفي أن آيزنهاور ابلغه ان ارساله البحرية الى لبنان يقدم الدليل الحسي على ان واشنطن مستعدة للدفاع عن اصدقائها بالقوة. لم يأت قرار آيزنهاور لمعالجة ثغرات اساسية في سياسة واشنطن الاوسطية، بل جاء، كما نقرأ في وثائق التدخل الاميركي في لبنان، لكي يعالج صورة هذه السياسة في الخارج ولكي يرد على انتقادات جامحة في الداخل، وهذا ما يتكرر اليوم في معالجة الادارة الاميركية لقضايا المنطقة العربية. بل تكرر ادارة اوباما اليوم أخطاء رافقت إرسال المارينز الى لبنان ايضاً. هذا ما يبينه مورفي ايضاً، اذ انه عندما سأل الرئيس الاميركي عن الاهداف والتعليمات المحددة له، اجاب ايزنهاور على نحو فضفاض تاركاً له ان يرتجل الحلول والخطوات اللاحقة، علماً انه كلفه المهمة قبل اربع وعشرين ساعة فقط من سفره الى لبنان. لقد كان حظ روبرت مورفي كبيراً، اذ ان الاضطرابات التي شهدها لبنان لم تكن في حجم الحرب التي تشهدها سورية، والمصاعب التي تجتاح المنطقة اليوم. ثم ان الفوارق بين اطراف النخبة السياسية اللبنانية لم تكن شاسعة الى درجة استحالة الوصول الى تسوية محلية في ما بينهم. اما اليوم، فإن من يحاول التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان العربية سيصطدم بصعوبات كبيرة غير مسبوقة، بعضها ناجم عن الخصومات الكبرى والثارات الشديدة التي باتت تخترق لبنان. ومما يفاقم هذه الصعوبات ان ليس هناك من هدف واضح ومحدد لمشاريع التدخل هذه، بخاصة للتدخل الاطلسي المرتقب في سورية: فهل يكون هدف الحملة تغيير النظام أم الضغط عليه بقصد تغيير سياسته وإجباره على تقديم تنازلات كبرى الى المعارضة؟ اجاب وزير الخارجية عن هذه السؤال عندما قال ان الهدف من التحرك العسكري ضد دمشق هو تدمير المخزون الذي تملكه من السلاح الكيماوي ومن ادوات استخدامه، او توجيه ضربات عنيفة ضد الجيش السوري وضد مؤسسات النظام الحاكم. يفتح هذا الجواب الباب امام تعليقات كثيرة وأسئلة جديدة. فبين المعلقين مثل توني بلير، رئيس الحكومة البريطاني الاسبق، وريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الاميركي، من دعا الى التدخل بقوة ضد النظام السوري والى «استخدام شديد الوطأة لصواريخ كروز بحيث يشعر السوريون بالألم ويدفعون ثمناً فادحاً لما فعلوه عندما استخدموا السلاح الكيماوي»، كما قال هاس. اذا امتنع الغرب عن ولوج هذا الطريق»... فسوف تبقى سورية ارضاً خصبة للتطرف اكثر خطورة من افغانستان خلال التسعينات»، كما قال بلير. لكن، هل تضع هذه التعليقات امام اصحاب القرار في الدول الاطلسية صورة دقيقة للاوضاع في المنطقة فتساعد على وضع حد للاحتراب وللنزاعات التي تشقها، وعلى تحسين العلاقات بين العالمين الاطلسي والعربي؟ يجيب معنيون بالسياسات الشرق اوسطية لدول الاطلسي بتأكيد اهمية اعتماد مقاربات جادة وغير منقوصة ومرتجلة للاوضاع الراهنة في المنطقة. يقول اللورد دانات، القائد السابق للجيش البريطاني، ان هذه الاوضاع تتطلب اطلاع المجتمع الدولي على اهداف اي تحرك فاعل وحاسم في المنطقة وتحقيق إجماع دولي يتطلب تظهير صورة المراحل الابتدائية والمتوسطة والنهائية لهذا التحرك، وما هي النتائج المرتقبة والمتوخاة التي سينتهي اليها. ويستند دانات الى خبرته في حرب العراق، وإلى آراء لفيف واسع من العسكريين البريطانيين والاميركيين الذين خدموا في تلك الحرب وخبروا الثغرات والنواقص التي شابتها من البداية الى النهاية. الارجح انه لو كان بإمكان اصحاب القرار في دول الاطلسي تلبية مثل هذا الطلب لما تأخروا في الاستجابة له. ولكن الدول الاطلسية لا تملك اجابات مقنعة حول هذه المسألة، ولا تستطيع ان تقدم كشفاً مسبقاً بما سيحصل عندما تنطلق حملتها العسكرية التي تستهدف دمشق، او ضغوطها السياسية التي تستهدف القاهرة. ولا تستطيع دول الاطلسي قراءة النتائج المحتملة لتداعيات التحركات الاطلسية على دور المنطقة. ان هذه التعقيدات تعيد الى الاذهان ان هناك مشكلة كبرى في النظام الدولي، وأن هذه المشكلة تتطلب اقناع «شرطي العالم» بأنه ليس قادراً على الاضطلاع بضمان امن العالم واستقراره، وأن العالم بحاجة الى سلطة دولية تملك المكانة المعنوية والقدرات المادية والبشرية الكافية للقيام بهذه المهمة الكبرى. لقد وضع مصري مرموق قبل سنوات هو بطرس بطرس غالي، الامين العام السابق للامم المتحدة، مشروعاً للنهوض بهذه المنظمة بحيث يعزز فاعليتها في مجالات السلام وحماية الجماعات البشرية من المظالم الجماعية. ان مشروع «اجندة السلام» الذي وضعه غالي لا يزال صالحاً كأساس للوصول الى تلك الغايات، ولمعالجة مشاكل المنطقة العربية وغيرها من المناطق. فما زلنا في حاجة ملحّة الى تكوين قوات سلام دولية دائمة. ونحن في حاجة ماسة، علاوة على ما جاء في الاجندة، الى اعادة أحياء اللجنة العسكرية التابعة للأمم المتحدة لأنه اذا كانت قضايا الحرب اكثر جدية من ان تُترك للعسكريين وحدهم، فإن قضايا السلام العالمي هي اكثر جدية من ان تُترك للسياسيين وحدهم حتى ولو كانوا من دول الاطلسي. * كاتب لبناني
|