التاريخ: آب ٢٩, ٢٠١٣
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
جماعة "الإخوان المسلمين" ليست "حزب العدالة والتنمية" - شاهين ألباي
أشرت في مقال كتبته من القاهرة في تشرين الأول 2011 إلى نقاش أجريته مع يوسف سيدهم، رئيس تحرير صحيفة "وطني" الصادرة عن الأقباط المسيحيين في مصر.
 
عندما سألت سيدهم إذا كان متفائلاً بشأن مستقبل الانتقال الديموقراطي في مصر، أجاب "إذا استغرق هذا الانتقال حوالى 60 عاماً في تركيا، أعطونا خمس سنوات على الأقل".

لاحقاً كتبتُ في مقال عن النزعات السلطوية المتزايدة لدى محمد مرسي، أول رئيس منتخب في مصر "من يعلنون في الغرب وتركيا أنه تم إرساء "ديكتاتورية دينية" ربما يتسرّعون قليلاً في الحكم على الأمور، لكن لا شك في أن الديموقراطية ستستغرق أكثر من خمس سنوات كي تترسّخ في مصر.... من السابق لأوانه الإعلان بأن المعركة ضد الوصاية العسكرية انتهت في تركيا، كما أنها لا تزال في بدايتها في مصر. لكننا نستطيع أن نأمل في أن يحقّق البَلدان توازناً في نهاية المطاف، بعد التأرجح بين مفهومَي الديموقراطية الأكثرية والديموقراطية التعدّدية، حيث يتبنّى الديموقراطيون احترام الحريات والتعدّدية، ويستبطن الليبراليون احترام الديموقراطية" (8 كانون الأول 2012).

ينطلق هذا التحليل من معطيَين اثنين: أولاً، في حين أنه لا يمكن الجزم بعد بأن الديموقراطية الليبرالية قد ترسّخت بالكامل في تركيا، لا شك في أن هذه العملية ستستغرق أكثر من خمس سنوات في مصر. ثانياً، كي تتجذّر الديموقراطية الليبرالية في البلدَين، على الديموقراطيين أن يتبنّوا الحريات والتعدّدية، وعلى الليبراليين والتعدّديين أن يتبنّوا الديموقراطية؛ أي أن تتولّى حكومة منتخبة مقاليد الحكم. إنها بلا شك التجربة التي اختبرها الغرب حيث ترسّخت الديموقراطية الليبرالية بعد معارك طويلة ودموية، عندما توصّل الليبراليون الذين نادوا بالحقوق والحريات الأساسية إلى إجماع مع الاشتراكيين الذين أيّدوا مبدأ "الصوت الواحد لكل ناخب".

ما يحصل في مصر وسوريا وتونس في أعقاب الثورات العربية هو الآتي: تُشَنّ المعركة الأساسية بين مختلف أنواع مؤيّدي الحكم السلطوي من جهة والإسلاميين من مختلف الأطياف من جهة ثانية. أما الليبراليون والعلمانيون الذين قادوا الثورات التي رفعت شعار الديموقراطية الليبرالية فعالقون في الوسط بين المعسكرَين. في مصر، قاد هؤلاء الليبراليون العلمانيون في البداية النضال ضد النظام السلطوي، ودعموا الإسلاميين في مواجهة السلطويين، ثم لاحقاً دعموا السلطويين في مواجهة الإسلاميين. ولن يكون مفاجئاً إذا انقلبوا على السلطويين من جديد.

كتبت مروى مزيد، وهي أكاديمية شابّة متخصّصة في العلاقات المدنية-العسكرية في تركيا ومصر، وتُعتبَر من الناطقين باسم هذا الفريق العالق في الوسط: "جماعة الإخوان المسلمين المصرية مختلفة عن حزب العدالة والتنمية التركي. في الواقع، عندما زار رئيس الوزراء التركي أردوغان مصر معلناً "أنا رئيس وزراء مسلم في دولة تركيا العلمانية"، قال الإخوان المسلمون (بعد الاحتفاء بقدومه) إنه لا يحق له التدخّل في الشؤون المصرية من خلال "نموذجه".

وأضافت "في حين يصف حزب العدالة والتنمية نفسه بأنه "حزب ديموقراطي محافظ" وقابل للحياة، وليس "تياراً دينياً"، ربما يسعى الإخوان المسلمون في المقابل إلى فرض نسخة سنّية عن إيران. لقد نصح كثرٌ الإخوان بأن صيغة "المرشد-الملا" على الطريقة الإيرانية لن تلقى قبولاً في مصر. إلا أنه كان للجماعة رأي مختلف، وقد تبيّن في نهاية المطاف أنها كانت على خطأ. ربما كان يجدر بأردوغان أن ينأى بنفسه عن الإخوان المسلمين باعتبارهم "ماركة تالِفة"، وأن يتباهى بنجاح حزبه عبر تصويره بأنه نقيض الإخوان المسلمين بدلاً من الإيحاء بأن هناك رابطاً بين الحزب والجماعة. لكنه لم يفعل...".

وتابعت مزيد "سواء كانت هذه النظرة عادلة أم لا، من اللافت أن المصريين بدأوا يرون في الإخوان المسلمين "مستعمرين" يريدون طمس الطابع الثقافي الوطني ومعاملة الليبراليين والمسيحيين وكل من ليس من الإخوان في مصر على أنهم "أقلّيات وطنية". ففي نظر الإخوان، يمكن "تقبّل" وجود هذه الأقليات، لكن يجب ألا يكون لها أي دور في تكوين الطابع الأساسي لمصر الجديدة". (الجزيرة، 21 آب 2013).

يشبه الانقلاب العسكري الأخير في مصر أكثر فأكثر الانقلاب الذي شهدته تركيا في 12 أيلول 1980. فقد أرادت الغالبية الساحقة في تركيا في ذلك الوقت أن يتدخّل الجيش لوضع حد للنزاع الدموي بين اليمين القومي واليسار الشيوعي، وإنهاء الاستقطاب بين السياسيين الذين لم يستطيعوا التعاون في ما بينهم لوقف المجزرة. لكن وبعد الفظائع التي ارتكبها النظام العسكري، لم تتأخّر تلك الأكثرية في الشعور بالندم لأنها دعمته ذات يوم.

كاتب تركي في صحيفة "زمان" ترجمة نسرين ناضر