دأبت انماط السلفية المعاصرة، على خلق التباس، هو في الجوهر اساس خطابها الحديث. فالخلط بين "الاسلام المشروع" و"الاسلام العقيدة" واعتبارهما شأنين متلازمين حتما، هو اهم ما يميز دعوة هذه القوى. وهنا يتمثل من جانب آخر، طابعها السياسي البراغماتي. لا شك في أن اجمالي ما نعرفه من مشكلات، او منجزات العقيدة والفقه في التاريخ، انما نشأ عن تدبرات حفزتها مواجهة هذه الناحية الاساسية بالذات، فالإنتقال من الدعوة الى الدولة، بعد الفتح، ظل يثير اخطر المشكلات امام الإسلام، وهو الذي اعاد تركيب أساسياته العقيدية، سلبا او ايجابا.
ونحن نعرف بأن تيارات قد نشأت في التاريخ الاسلامي، كانت بالأحرى اقرب الى نفي واقعة "الدولة المنفصلة"، او ماسمي في حينه "الملك العضوض" الذي هو اضافة طرأت على اصل الدعوة الجزيرية، ولا تزال النقاشات تتكرر حول افتراقات "العهد النبوي الراشدي"، عن الملك الوراثي، الى درجة ان البعض ألحق الفترة الاولى من تاريخ الاسلام، بـ"الطوبي" (عبدالله العروي في كتابه عن "الدولة") اي أخرجها عمليا من نطاق الواقع والمعاش.
والمشكل الاكبر هنا، ان التصور الاسلامي، لم يلتفت حتى الان، الى دور التكوين والخاصيات الموضعية في التجليات العقيدية، ما يفقد الدين اهم مصادر تعيينه، مانعا إياه من التخصيص، مع انه مخصص. فالتوحيد والنبوة، هما بلا ادنى شك، اختصاص حضاري لمنطقة جغرافية بعينها من العالم دون سواها. الا ان هذه الناحية تذكر لمصلحة "الاختيار الالهي المباشر والوحي"، اضافة لـ"الإصطفاء الفردي"، الذي يسقط منه عامل البيئة، اي الاصطفاء الموضوعي للنبي. وهذا الأمر ظاهر هو الآخر بقوة، عبر السيرالنبوية وتحققاتها. فالنبوة الاصل، المطرودة، اي الإبرهيمية، عاشت في ساحل الشام ولم تتحقق. ولم تختم وتتحقق مجتمعيا، الا في الجزيرة العربية، اي في "مجتمع اللادولة الجزيري". اما ظهور "الإبرهيمية" في الأصل، فجاء من مجتمع "لادولة زراعي"، هو مجتمع ارض السواد المساواتي، الممتنع عن إنتاج دولة من داخله.
ولأن الرواية التوراتية لا تزال هي المهيمنة، فان "العلة" تظل منزوعة من تاريخ النبوة، ولا تضاف الى عالم الغيب، ذلك بينما تظهر مؤشرات في التاريخ، تثير التساؤل. فالنبوة "المطرودة" نشأت في مكان هو "مجتمع لادولة مساواتي"، الا أنها لم تكن قابلة للتحقق او البقاء، لأن الدولة المنفصلة، كانت قريبة، واقيمت دائما الى شمال ذلك المجال المجتمعي، وظلت تعمل لإبتلاعه، من دولة أكد الى بابل، بينما النبوات لم تتحقق في ساحل الشام مجتمعيا، مع انها ظلت تتعاقب، والسبب انها عاشت في مكان، لايسمح بغير التحقق العقيدي لـ"ألتوحيد" في أضيق نطاق. اما في الجزيرة، فقد كان غياب الدولة عاملا حاسما في تحقق النبوة الإجتماعي.
ينتمي التوحيد الابرهيمي الى عالم "اللادولة"، ولايتحقق بذاته ولذاته، الا في مجتمع من هذا النمط البنيوي. اما "الدولة المنفصلة "فهي مجال آخر، وهذه نشأت بصورة الخلافة الوراثية، او "الملك العضوض" في الشام والعراق، استعادة لتراث بنيوي سابق، او بالإستناد الى اسس تم استحداث نظام وراثي على اساسها. فالشام لم تكن تعرف الدولة الوطنية، لكنها اصبحت كذلك على يد معاوية بن ابي سفيان، بالارتكاز الى أساس مفهومي وراثي مجزأ. وحدّته كتلة عربية متجانسه من خارجه. واما في العراق، فالأمر مفهوم، وهو اعاد من جديد، انتاج نفس الآليات الحضارية نفسها التي عرفتها دورة الحضارة العراقية الاولى، مع تكرارحضور الدولة المنفصلة المقامة في مدن محصنة، خارج الهيئة الإجتماعية المساواتية، حيث يتعذر نشوء الدولة المنفصلة (اقام العباسيون بغداد هربا من الإنتفاضات التي قامت في وجههم في الكوفة، مثل انتفاضة الراوندية مما هزّ جيشهم وكاد يشقه، فتنقلوا بداية بين الرمادي والهاشمية، قبل ان يستقروا في بغداد عاصمة لهم، ويبنوا اسوارها على نمط اسوار بابل، فوقع الحافر على الحافر، وقامت الدولة المدينة المحصنة، المسلحة التي تحكمها سلالة، معزولة، تحكم بتجريد الحملات على ارض السواد).
ثمة منعطف آخر ذو دلالة، هو إنهيار المشروع الحضاري الذي حفزه الاسلام، بتحرير المنطقة واطلاق الياتها الحضارية المتوقفة، مع بقاء العقيدة. هذا ومما له دلالة بالنسبة للمنطقة التي هي مصدر "النبوة والتوحيد"، كون الاسلام استمر كمشروع على يد امم اخرى غير العربية. فوقوع هذه المنطقة تحت سلطة تلك الشعوب، أضاف دليلا على تفارق مجالي المشروع والعقيدة، واكد لا حتمية تلازمهما. فالمشروع، اي ما يتعلق بالحضارة والدولة، هو نتاج آليات حضارية للمواضع المختلفة، تحفزها العقيدة احيانا، لكنها لاتخلقها، ولا تستطيع اخضاعها لمقتضياتها، بقدر ما ينشأ تفاعل وتأثر وتأثير بين القوتين، يفضي الى تغيرهما وتاقلمهما معا. فالمدينة المنورة التي هي اصل الدعوة، لم تتقدم قيد أنملة، بينما غدت بغداد وقتها عاصمة الدنيا ودرة الزمان.
اكثر من هذا وابعد، يصح ان ننتبه لصلة العقيدة بالآليات واختلافاتها. فهي بالأصل تعبير يتطابق مع واقع "اللادولة"، اي هو ليس بدولة، حتى نتصور ان هذه واجبة التحقق بوجوده، او نظن ان التحقق في دولة، هو من مكوناته الأساسية، أو اغراضه.
وعليه فإن فترة النبوة والراشدين، تصح نسبتها الى نموذج "اللادولة"، بمعنى افتراقها عن الدول المنفصلة عن المجتمع، وفي هذا المناخ الإجتماعي فقط، تصبح "دينا ودولة" متلازمين، الامر الذي تعذر في الشام، ثم في العراق، وفي كل الدول الاسلامية اللاحقة. من هنا تصبح مشاريع النهوض الراهنة منزوعا عنها شرط العقيدة او صعودها. فالحضارات القديمة، ومشاريعها ومنجزاتها الحضارية الاولى، قامت من دون عقيدة التوحيد في العراق ومصر بالذات، وهي بناء عليه يمكن ان تقوم اليوم، من دون ان يكون للعقيدة دور في ذلك، وهو ما لايمنع العقيدة من البقاء محتفظة بمكانها في الوعي والإيمان العام.
لم يأت أي مشروع عربي حديث، نتيجة التفاعلات الداخلية، او بفعل الضرورة التاريخية الذاتية، ما ينطبق بالطبع على العنوان الكبير المدعو بـ "عصر النهضة". فكل التمخضات العربية من يومها، قومية واسلامية او سواها، جاءت رد فعل على محفزات وتحديات خارجية، لم تكن البنية الداخلية مهيأة للتصدي لها، بما تتطلبه وتقتضيه. فليس كل رد فعل على تحد، يعني أنه متوفّر على اسباب الرد المساوي في القدرة، بل من الممكن أن يأتي الرد من نوع البنية التي ينطلق منها، وحالتها عند وقوع التحدي، وهذا ماحصل في العالم العربي المعاصر. فكان الرد لدى الجبهة الاسلامية، يستعيد ملامح نهضة قررتها عوامل ذاتية، ومن مستوى تحدي الامبراطوريات قبل اكثر من 1400 عام.
وسواء تعلق الامر بالخطاب الاسلامي المعاصر، او القومي، فان الماضي وليس الحاضر، هو الذي يوضع في القلب من هذين المشروعين. والمحاكمة الاسلامية راهنا، قائمة على الحط من المشروع المقابل (سيد قطب كمثال في "معالم على الطريق" و"جاهلية القرن العشرين"). فالخطاب هنا، يقلل من شأن منجز الغرب وثورته المعاصرة من طريق تكفيره، معتبرا الجانب العقيدي هو المقياس في حكمه على ثورته. واما الوسيلة التي تعتمد، فمنتزعة من ظروف وتوازنات ومفاهيم قديمة، مثالها الامبراطوريتان المتهالكتان في حينه: الرومانية والفارسية. وهما امبراطوريتان زراعيتان، ببنى ومفاهيم، ووسائل وطرق تنظيم، خرجت من التاريخ، كما خرج المشروع العربي الاسلامي، قبل الف عام.
يتهرب الخطاب الاسلامي من مواجهة تحديات الحاضر الفعلية، فيجد نفسه في مأزق، يودي به الى "الانتحار"، كحل مستمد من قانون عسكري، لاينطبق على تصاريف الحضارة والحياة. فتكتيكات "الحرب اللامتوازية"، لا تصلح مشروعا للحاضر، وبالأخص للنهضة. هذا بينما شؤون المواجهة الفعليه، تبحث عن ثورة مقابلة، او متجاوزة للثورة التاريخية الحاصلة في الغرب. مايجعل تاريخ الاسلام المعاصر، تاريخ ازمة استمرار غياب المشروع، لاتاريخ مشروع راهن. وقوى الاسلام تتمتع بامتياز قربها من الإرث العقيدي الشعبي، مقارنة ببقية التيارات، وهذا يجعلها، مسؤولة اكثر من سواها عن الفشل العام. مايكرس الفراغ، ويزيد من حدة الاسئلة المثارة امام المنطقة، ويؤججها.
كاتب عراقي |