التاريخ: أيلول ١٦, ٢٠١٣
المصدر: جريدة الحياة
الديموقراطية العربية الخائبة: من وعود العسكر إلى رهانات الربيع - كرم الحلو
الديموقراطية بما في معناها الحداثي من حرية ومساواة واعادة اعتبار الى مركزية الانسان في الوجود السياسي والاجتماعي، وافدة الى العالم العربي من خارج مـجاله الجغرافـي والايـديـولوجي مهما اجتهد في تأصــيلـها بإيـجاد اســس ومـقـدمات لها في تاريخـنا وتراثنا العربيين. لم تكن هذه من مـقومات دولتـنا السلطانية المـمـتدة ولا من همــومها ومهماتها، ولم تكن كذلك في حسابات قادة الاستقلال لانهماكهم عنها في انهاء السيطرة الخارجية وتوطيد الـحكم الوطني، فما ان تـحققا حتى وجدت الشعوب العربية ان هؤلاء اخفقوا في انجاز اصلاح اجتماعي وسياسي في موازاة الحراك الاستقلالي الظافر، وأساؤوا قيادة المجتمعات العربية باتجاه التقدم والتنمية، كما فشلوا في مواجهة الصهيونية واغتصابها فلسطين وتهديدها السافر للمستقبل العربي... الأمر الذي أسس لانقلابات عسكرية متتالية نهضت بها فئة من العسكريين آمنت بالعنف سبيلاً الى ثورة سياسية واجتماعية تحدث تغييراً جذرياً في بنية المجتمع العربي المترهلة. هكذا عرف العالم العربي بين عامي 1951 و 1987 سبعين انقلاباً نجح منها واحد وأربعون، فشهدت مصر والعراق وسورية والسودان واليمن والجزائر وليبيا، وهي الأقطار التي تضم العدد الاكبر من العرب، اكثر هذه الانقلابات. وقد اقدم العسكريون على تنفيذ برامج اصلاحية لاقت ترحيب الجماهير، فعملوا لتخفيف وطأة الفساد الاداري، ونفذوا اصلاحات اجتماعية لمصلحة الفئات البائسة بتوزيعهم الأراضي على الفلاحين، إذ صدرت قوانين الاصلاح الزراعي في الخمـسينات فـي مصـر وسـورية ثـم فـي الـعراق.
 
وطالما دغدغ هؤلاء اماني الجماهير في تحرير فلسطين وتوحيد الامة العربية ومناهضة المطامع الاستعمارية في ارض العرب. وإذا كانوا آثروا في البداية الحكم من خلال حكومات مدنية، الا انهم سرعان ما استأثروا بالسلطة لتتحول انظمتهم من حكم عسكري تحت قيادة مجلس ثورة الى حكم فردي، اي الى ديكتاتورية عسكرية اتخذت اجراءات قمعية تجعل انسحاب الجيش من الحياة السياسية والتخلي عن السلطة صعباً.
 
في هذا السياق التاريخي قامت الدولة التسلطية العربية العتيدة التي صادرت المجتمع المدني وهيمنت على الاقتصاد والسياسة والمؤسسات الامنية والعسـكرية والمخابراتية، وأمسكت بالهيئات التشريعية والدستورية والقضائية والإعلامية ومدت نفوذها وسلطتها الى التنظيمات النقابية والحزبية، حتى باتت المحتكرة الفاعلة لمصادر القوة والسلطة في المجتمع، كما رأى خلدون حسن النقيب في «الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر». وكان جراء ذلك تعاظم قطاع الدولة في الانتاج وتزايد عدد العاملين في القطاع العام. وتعدت علاقة المواطنين بالدولة الاطار الوظيفي، اذ ان فئات واسعة منهم باتت مرتبطة مصلحياً بالدولة كالمقاولين والمتقاعدين والـطلاب والمـستـفيـديـن من الخدمات الانمائية (المواصلات والكهرباء والماء والهاتف). هكذا امـتدت قبضة الـدولة التسلطية الى كل مرافـق الحـياة، من لـقمة الـعيـش الى الترقي في الوظائف مروراً بإنجاز اي من المعاملات الضرورية لتدبير الشؤون الحياتية. في هذا الإطار ضربت النخب الانقلابية الحاكمة نسباً قياسية في بقائها في الحكم، حتى بدا كأن تداول السلطة لا يخضع لقاعدة او تشريع سوى ارادة الحاكمين وأمزجـتهم وأهـوائـهم، فتتجاوز ولاية بعضهم عشرات السنين فيما لا يزال يرتع سعيداً مطمئناً على كرسيه.
 
على هذا المنوال افترست الدولة التسلطية العربية مجتمعها باسم تحديثه ودمقرطته، احاطته بأجهزتها ومخابراتها، تجسست على احلامه وتطلعاته، فكان ان ازهقت تجدده معطلةً عصب الارتقاء والتقدم في داخله، بهدف تحويله الى متلقٍّ سلبي لمشاريعها وأيديولوجياتها، فاقد للقرار والارادة، مذعن لما يُخطط له ويُرسم.
 
في ظل هذه التسلطية المقيتة انبعثت احلام ما سمّي «الربيع العربي» في ما بدا تصويباً للمسار الديموقراطي الخائب في تاريخنا المعاصر، وكأننا عشية صوغ فعل جماعي لدمقرطة تحرر الانسان العربي من القهر وإعادة بناء مجال سياسي ديموقراطي قائم على عقد اجتماعي وسياسي جديد. وقد أفرط بعضهم في التفاؤل بانتفاضات هذا الربيع المزعوم، حتى ان بينهم من ألفى شبهاً بينها وبين الثورات الفرنسية والروسية، ومنهم من رأى فيها «نهضة ثانية» باعتبارها انتفاضة ديموقراطية ستضع العرب في قلب السياسات الدولية، بعدما أخفقت نهضتهم الاولى في ذلك في القرن الـتاسع عـشـر.
 
لكن موجة التفاؤل التي أعقبت سقوط الاستبداد التسلطي في غير قطر عربي، سرعان ما تحولت الى شعور بالاحباط والأسى إزاء المآلات المربكة للانتفاضات العربية. وأعرب كثيرون عن خيبتهم وحرجهم في ما اندفعوا اليه من تهليل لهـذه الانتفاضات واحـتفاء بها، فوجدوا فيها، على رغم رمزيتها والآمال التي اثارتها، خياراً بين السيء والأسوأ أو بين «الهواء الأصفر والطاعون»، كما جاء على لسان احد كبار الناشطين في الانتفاضة التونـسية. وليــس ادل على المــسار الديموقراطي الخائب من سـقوط سلطة الانتفاضـة في مـصر من خلال حراك شعبي قياسي بعد سنة على قيامها لتنكرها لأسس الديموقراطية، تلك المتمثلة في المساواة المدنية وحرية التفكير والاعتراف بموقع المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فهل آل رهان «الربيع العربي» الى ما انتهت اليه وعود العسكر، لتبقى الديموقراطية العربية خائبة ومؤجلة الى حقبة اخرى من تاريخنا المعاصر، المثقل بالرهانات الفاشلة؟