التاريخ: أيلول ١٦, ٢٠١٣
المصدر: جريدة الحياة
المغرب: خصائص الأزمة الحكومية - محمد الأشهب
لا تشبه الأزمة الحكومية في المغرب غيرها من الحالات. وزاد في تعقيدها أن لا أحد يرغب في استنساخ تجربة مصر أو تونس، إلى درجة أن التعايش مع الأزمة أصبح ظاهرة. وبعد مرور أزيد من أربعة أشهر على استقالة وزراء حزب الاستقلال واكتفائهم بتصريف الأعمال، دعاهم رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران إلى الاستمرار في أداء مهماتهم، من دون أن يغلق الباب أمام مشاوراته المتعثرة والحليف المرتقب «تجمع الأحرار».
 
في كل مرة تضعف حظوظ إخراج الطبعة الثانية للحكومة يهرب رئيسها إلى التلويح بإمكان الاستمرار كحكومة أقلية. طالما أن أحزاب المعارضة تعهدت عدم إطاحة الحكومة عبر طلب سحب الثقة. والثابت في غضون ذلك أن بن كيران يرغب في تحويل الموقف إلى مصدر قوة، بخاصة لناحية فرض شروطه على «تجمع الأحرار» الذي يريد ما هو أكبر من تعديل حكومي. وردد قياديوه أنهم لا يريدون أن يكونوا بمثابة عجلة إنقاذ لإسعاف عربة الحكومة المتوقفة في منتصف الطريق. لكن «تجمع الأحرار» مثل باقي أطياف المعارضة لا يميل إلى قلب الطاولة. لأن انسحابه من المشاورات لا يعني العودة إلى المعارضة فقط، بل يعزز اتجاهاً محتملاً للضغط من أجل إسقاط الحكومة.
 
لدى اجتماع العاهل المغربي الملك محمد السادس مع رئيس الحكومة، كان لافتاً عدم صدور أي بيان رسمي، بل إن الخبر في حد ذاته ارتدى طابعاً موحياً. أقله أن محمد السادس نأى بنفسه بعيداً عن الدخول على خط المشاورات. كونها من صلاحيات رئيس الحكومة.
 
وطالما أن القصر طلب من الوزراء المستقيلين الاستمرار في تصريف الأعمال يصبح من غير المفهوم أن يعاود رئيس الحكومة الطلب نفسه الذي يعتبر تحصيل حاصل، إلا أن يكون بن كيران أراد استخدام هذا الوضع الاستثنائي ورقة ضعط لفرض شروط على «تجمع الأحرار».
 
مصدر الخلل في ظل هذا التجاذب أن الدستور الجديد خلا من الإشارة إلى حل وفاقي في حال انهيار الائتلاف الحكومي. فقد رهن رحيل السلطة التنفيذية، إما من طريق الاستقالة أو من خلال طلب سحب الثقة في مجلس النواب. وعلى افتراض أن هكذا خلاصات تؤدي بالضرورة إلى تنظيم انتخابات مبكرة، فإن الدستور لا يجيب عن السؤال الأهم، في حال واجهت رئيس الحكومة صعوبات في حيازة غالبية سائدة. وهو يتحدث عن التصديق الديموقراطي عبر التصويت لفائدة البرنامج الذي تعتزم الحكومة تنفيذه.
 
ثمة إشكالات سياسية تطرح نفسها، من قبيل ماذا يحدث في حال إصرار تجمع الأحرار على معاودة النظر في البرنامج الحكومي، هل يعاود رئيس الحكومة طلب الثقة من مجلس النواب أم يكتفي باعتبار انضمام حزب جديد مجرد تعيين حكومي لا يطاول جوهر الالتزامات الحكومية. ومثل هذا الوضع يجعل «تجمع الأحرار» في وضع حرج، بخاصة إن صوّت ضد البرنامج الحكومي الذي يسري مفعوله الآن، فكيف يحسم في التناقض الحاصل؟
 
أكبر من أزمة حكومية يمكن احتواؤها عبر ترميم أركانها، تميل الأوضاع في المغرب إلى التأثر بالمعطيات الإقليمية، ذلك أن حزب «العدالة والتنمية» الإسلامي التوجه، كان ينظر إلى استئثار تيارات إسلامية بالحكم في بعض بلدان ما يعرف بالربيع العربي. إنه دعم غير مباشر لتوجهاته. وعلى رغم أنه أقر مسافة أبعد حيال قربه إلى «الإخوان المسلمين» في مصر، فإن خصومه لا ينظرون إلى الأمر من الزاوية نفسها. وربما كان الفارق أنه يسائلون حكومة بن كيران على أدائها السياسي والاقتصادي، وليس المرجعية الدينية.
 
لا يعني المأزق الذي تردت نحو مشاورات تشكيل الحكومة. سوى أن الأطراف كلها في الموالاة والمعارضة انضبطت لقاعدة المرجعية الدستورية. وفي حال ظهر جديد فإن بن كيران سيسارع الخطى في اتجاه الانفتاح أكثر على شريكه المحتمل. كما يمكن أن يتجاهل الوضع، إمعاناً منه في إحراج خصومه على إطاحة حكومته قبل انتهاء ولايتها. لكن ما من طرف يريد أن يذهب نحو هذه المغامرة. لكن من دون استبعادها نهائياً، من منطلق أن انتخابات العام 2011 لن تستنسخ بكل حرفياتها، فقد جرت مياه كثيرة تحت جسور بلدان الربيع العربي، والمغرب لا زال يراهن على أنه كان استثناء.