|
محمد ابي سمرا
تنقل هذه الرواية وقائع من يوميات الانتفاضة السورية في بانياس، وفقاً لشهادة شاب من المدينة شارك في انتفاضتها في اشهرها الثلاثة الاولى، قبل اعتقاله وتعذيبه واطلاق سراحه.
الجمعة الثانية ظهيرة نهار الجمعة، 25 آذار، وقف الشيخ انس عيروت خطيباً في جموع المصلين في مسجد الرحمن، فدعا الى عدم التظاهر، ما اغضب كثيرين منهم، لاسيما الشبان الذين أخذوا يتهامسون في المسجد متأففين. وقبيل خروجنا من المسجد، وصلتنا اخبار تفيد بأن إمام مسجد القبيات المعروف بولائه لأجهزة الامن، تحدث في خطبته ضد متظاهري نهار الجمعة السابق، فقال انهم عملاء ومخربون، فتصدى له، من بين المصلين، شبان من آل عيروت، وقاموا بإنزاله عن منبر الخطابة، فخلّصه منهم جمع من المصلين، ومنعوهم عن ضربه. لكن الشبان سرعان ما بادروا، الى الخروج في تظاهرة حاشدة من مسجد القبيات، وهذا ما شجعنا، نحن المتأففين من موقف الشيخ عيروت، على اعلان تذمرنا من موقفه، فور خروجنا من المسجد بعد الصلاة، ووقوفنا امامه، مسترسلين في مداولات حامية، ومحرضين المصلين على التظاهر الذي سبقنا اليه مصلو مسجد القبيات. وما ان نادى الشيخ عيروت بمكبر الصوت من داخل المسجد، داعياً الى عدم التظاهر، حتى انبرى كثيرون منا، قائلين ان الشيخ مغلوب على امره، ولولا التهديد والوعيد اللذان تلقاهما من رجال الامن، لدعا الى التظاهر. وبعد المناقشات ما بين الشبان، بادر احدهم الى اعتلاء كتفي شاب آخر، وأخذ يصرخ في الجموع هاتفا: "حرية، حرية، حرية. الله وسوريا وحرية وبس"، فدبت حماسة نزعت الحيرة والتردد من نفوس الواقفين امام مسجد الرحمن، ودفعتهم الى الانطلاق في التظاهرة الثانية، سائرين نحو ساحة السنتر التي سبقهم اليها متظاهرو جامع القبيات.
حين وصلنا اليها، واختلطنا بمتظاهري مسجد القبيات الذين سبقونا، تضاعفت قوة اشتعال الحناجر بالهتاف لله ولسوريا وللحرية. لم تكن هذه الكلمات الثلاث وحدها تدوي غريبة في اسماعنا، بل ان اصواتنا كانت اشد غربة عنا من تلك الكلمات، كأنها ليست اصواتنا. ثم بدأ يصل اليها شبان ومجموعات صغيرة من احياء بانياس ومساجدها الكثيرة الاخرى. وحين اطلقت مآذن المساجد آذان العصر، واصطف المحتشدون ليقيموا الصلاة، رأيت ان مشهدنا اشد غرابة من اصواتنا وهتافاتنا. واذ شرعنا نصلي، تهيأ لي اننا للمرة الاولى نقيم، هكذا، صلاة الحضور، ممتلئين بقوة حضورنا، كأنما صلواتنا السابقة كلها كانت صلوات الغياب.
بعد فراغنا من تلك الصلاة في ساحة السنتر، اخذت جموعنا تتفرق، من دون ان تتوقف اصداء الهتافات عن التردد في اسماعنا، وظلت حية نابضة في جوارحنا حتى عصر السبت 26 آذار، ونحن نصلي العصر، زهاء 400 او 500 شخص في قاعة مسجد الرحمن، وما يوازي عددنا هذا في مسجد القبيات. بعد وقت قصير من التقاء التظاهرتين في الساحة، فوجئنا بمجموعة من الشبان العلويين المنتمين الى "رابطة العمل الشيوعي" في بانياس وقراها، تنضم الى المتظاهرين، وتهتف معهم، قبل ان ينبري شابان من المجموعة ويتناوبا على القاء كلمة دعوَا فيها الى الاستمرار في التظاهر حتى اسقاط النظام. فرحة المحتشدين في الساحة بأن علويين يتظاهرون مثلهم، ويدعون الى اسقاط النظام، شجعتهم على الصراخ عالياً بشعار: "الشعب يريد اسقاط النظام"، فألهب الهتاف هذا حماسة جديدة في المتظاهرين.
الجمعة الثالثة بعد تظاهرة 26 آذار، وهتافها "الشعب يريد اسقاط النظام"، واحتدام التظاهرات وقتل متظاهرين في درعا، عزمنا على الاستمرار في التظاهر وتنشيطه.
صبيحة الجمعة، الاول من نيسان، التقينا عشرات من شبان بانياس وريفها في ساحة السنتر، فشرعنا نقيم منصة في جانب منها، ونصبنا مكبرات للصوت في زواياها، غير عابئين بقدوم رجال الامن وتهديداتهم ووعيدهم، فأحضروا رئيس البلدية وبعض الوجهاء الذين حاولوا عبثاً ثنينا عن تجهيز المنصة التي ما ان انتهينا من تجهيزها حتى اعلنّا من على خشبتها عبر مكبرات الصوت ان اسمها سيصير، منذ اليوم، ساحة التحرير في بانياس، فعلا التصفيق والهتاف والتكبير باسم الله وسوريا والحرية. كان رجال الأمن يرصدون تحركاتنا، لكن خوفنا منهم راح يتلاشى وبلغ عدد المتظاهرين نحو 15 الفاً يهتفون للحرية ولوحدة الشعب السوري الذي يريد اسقاط النظام. ثم تتالت كلمات الشبان الناشطين من على المنصة، معلنة سلسلة جديدة من الشعارات والمطالب مختلفة عن تلك المحلية التي أُعلنت في تظاهرة الجمعة الاولى، في ساحة دوار البلدية، وامام مقر جهاز امن الدولة. كلمة الحرية والهتاف المتواصل لها ولوحدة الشعب السوري، تصدّرت سلسلة المطالب الجديدة: الغاء قانون الطوارىء، وسيطرة الحزب الواحد، وتسلط الأجهزة الامنية على الدولة والمجتمع، واطلاق التعددية الحزبية.
بعد إعلان المطالب، صعد الى المنصة شاب من منظمي التظاهرات في بانياس، وصار شيخاً معمماً وخطيب مسجد، فأذاع نشرة أو تقريراً عن التظاهرات التي خرجت في المدن والمناطق السورية. حماسته ورغبته في إشعال حماسة المتظاهرين المحتشدين في الساحة، حملتاه على تضخيم أحجام التظاهرات وشمولها سائر المدن والمحافظات، معلناً أن المتظاهرين قرروا عدم إخلاء الساحات والشوارع، وأن علينا في بانياس أن نفعل مثلهم، فتعالت الهتافات، مردّدة شعار: إعتصام، اعتصام، حتى إسقاط النظام. ولأن الاتصالات الهاتفية ما بين المدن والمحافظات السورية، كانت قد قُطعت، غادرتُ الساحة متجهاً الى بيتي، لأتحقق مما أعلنه الشاب عن نشرات الاخبار تبيّن لي أن أخبار الفضائيات تُجمع على أن التظاهرات اقتصرت على مدينتنا ومدن درعا واللاذقية وحمص ونواحٍ من ريف دمشق، وليس في الأحجام المهولة التي ذكرها الشاب، وما من ذكر قط للاعتصام الدائم في الساحات. في طريق عودتي مسرعاً الى الساحة، فوجئت بمصادفتي في الشوارع جموعاً من الناس حاملين مستلزمات الاعتصام، من حصر وفرش وأغطية ومآكل. ألوف من الأهالي يموجون في الساحة والشوارع حاملين الأمتعة، وجموع تنصب الخيم، وأخرى تفترش الأرض، ومنصة وخطباء ومكبرات صوت تنطلق منها هتافات وأهازيج، في عصر نهار ربيعي، ولا خوف في سوريا "القسوة والصمت" البعثيين والأسديين، منذ وعيت على الدنيا في بانياس. كأن ما كان يستحيل تخيله في سوريا هذه، ولا يخطر في المنامات واحلام اليقظة، تجسد فجأة وبلمح البصر في ساحة عامة مستلهماً صور ما حصل قبل شهرين في ميدان التحرير في القاهرة، وساحة التغيير في صنعاء.
فجأة إقترب مني صديقي الناشط أنس الشفري، وخائفاً سألني عما سمعته في نشرات الأخبار التلفزيونية عن حجم التظاهرات في المدن والمحافظات السورية، وعن حقيقة الدعوة إلى الاعتصام الدائم في الساحات، فأطلعته على ما سمعت. فأوكل إليّ مهمة الصعود إلى المنصة، وإيجاد طريقة مناسبة لدعوة الناس إلى عدم الاعتصام في الساحة. وحين امسكت الميكروفون، بدأت كلامي قائلاً إن علينا أن نكون حكماء، فلا ننساق خلف عواطفنا التي قد تفضي بنا إلى تهور يجرنا إلى مأساة في حال إصرارنا على اعتصام مفتوح لم يحن وقته بعد. فدرعا وكذلك اللاذقية لم يعتصم أهلهما في الساحات، فكيف نقدم نحن في بانياس على الاعتصام في هذه الساحة، بينما لا يتجاوز عدد سكان مدينتنا ما نسبته 0,5 في المئة من سكان سوريا؟! قبل أن أنهي كلمتي، هجم جمع من الشبان على المنصة وأنزلوني عنها، وحاولوا ضربي. وهذا ما أدى إلى إنقسام في الرأي بين المتحشدين، فدار لغط ومناقشات حامية ما بين الشبان الناشطين. على هذه الحال إستمرت اوضاع الناس ومواقفهم حتى حلول المساء، من دون ان تغادر الساحة إلا قلة قليلة منهم. بعد صلاة العشاء في الساحة، بدأت ترد أخبار من المحافظ في طرطوس، وهي مركز المحافظة التي تشمل بانياس – تفيد بأن رجال الأمن سوف يهاجمون الساحة لفض الاعتصام بالقوة، في حال استمراره إلى ما بعد منتصف الليل. لذا تفاقم الإنقسام واللغط والمناقشات ما بين المعتصمين.
كنت أقف بين جمع من الرجال، محاولاً إقناعهم بتفكيك خيمة نصبوها في جهة من الساحة، حينما هب أحدهم لمواجهتي قائلاً: أنت غني، أما نحن الفقراء فلا نحصّل ما يكفي لطعامنا، لذا نعتصم ولن نغادر الساحة. وحتى الساعة الحادية عشرة ليلاً، كان ما لا يقل عن 10 آلاف شخص حاضرين في الساحة، فدعونا الشيخ أنس عيروت من بيته لمساعدتنا في إقناع الناس بفض الاعتصام، فألقى كلمة مطولة. استمر الحال على هذا المنوال حتى ما بعد منتصف الليل بقليل، حينما بدأت الساحة تفرغ رويداً رويداً من أواخر المعتصمين.
|