|
| بيروت - من ريتا فرج |
يُعتبر متروبوليت جبل لبنان للروم الارثوذكس المطران جورج خضر، أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية سابقاً، من أكثر رجال الدين انفتاحاً على الآخر. حين تتحاور معه لا تشعر بالحرج، السؤال معه مفتوح، فهو لا يوصد الأبواب أمام سائله، وعلى قدر إضاءاته الفكرية تتوالى معه الأسئلة، فالسؤال عنده مفتاح المعرفة. ابن مدينة طرابلس الذي يكاد يكون من أكثر رجال الدين المسيحيين اثارة للجدل، لا يشعر بالقلق على المسيحيين على خلفية الحراك الاحتجاجي في سورية، فالمسيحيون في رأيه لا يحتاجون الى حماية «وهم أحد مكوَّنات المجتمع السوري، ولا حاجة لحمايتهم أو الخوف عليهم».
ورغم الحذر الذي يبديه البعض من تداعيات ربيع دمشق داخلياً واقليمياً، تبقى التساؤلات حول الحضور المسيحي ومستقبله شديدة الغموض سواء في ما يتعلق بموقفهم من الأحداث الجارية، أم لجهة إثارة ملف الأقليات. ومع تعاقب السيناريوات وتفاقم الهواجس التي كان آخرها تصريحات البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال زيارته لفرنسا، احتدم الجدال السياسي داخل الأوساط اللبنانية والعربية بشأن مسيحيي سورية ومستقبلهم. «الراي» التقت المطران خضر وسألته عن الوجود المسيحي في ظل الثورة السورية. وفي ما يأتي وقائع الحوار:
• العالم العربي يشهد تحولات سياسية تحديداً في مصر وسورية. هل تتخوفون على مسيحيي الشرق في ظل الحراك الشعبي؟ ومن الذي يحمي المسيحيين وسط الحديث المتداول عن وصول الحركات الإسلامية الى الحكم؟ - أؤمن بأن الذي يحمي المسيحيين هو المسيح. المسيحيون لا يحتاجون الى حماية، وليس بإمكانهم طلب الحماية من الدول الغربية، لأنها أصبحت دولاً علمانية. وإذا أخذنا فرنسا الأقرب الى موارنة لبنان، فمنذ مجيء شارل ديغول الى الحكم أعلن أنه يتعامل بالتساوي مع كل الطوائف في لبنان. ومَن يتابع السياسة، يفهم أن لا علاقة لها بمسألة الأقليات وخصوصاً المسيحيين منهم، فهي تسعى وراء مصالحها. ومن الواضح أن النفط المسلم يهمها أكثر من كل المسيحيين. وروسيا كذلك لم تُظهر أي اهتمام بالمسيحيين. والسؤال عندما نتكلم عن حماية هو هل نعني أننا نريد الحماية من المسلمين؟ لا أعتقد ذلك. ما حدث في العراق شكل خطراً حقيقياً على كل المسيحيين هناك، وشكل خطراً حقيقياً على الشيعة والسُنة ايضاً وسط تفاقم الصراع المذهبي بين المسلمين انفسهم، بحيث ذهب الكثير من المسيحيين ضحايا لهذا الصراع الداخلي. وما يمكن التأكيد عليه أن المنطقة الممتدة بين سورية ولبنان وفلسطين لم تشهد حال اضطهاد ديني أقله في الأزمنة الاخيرة، بل على العكس شهدت المنطقة تعايشاً سلمياً بين كافة الديانات، ولكن هذا لا يعني أن المسيحيين لم يشعروا بنوع من الدونية في حقبة الخلافة الإسلامية، رغم وصول بعض المسيحيين أواخر العصر العثماني الى مجلس المبعوثين.
• الحركات الاحتجاجية الجارية في العالم العربي تطالب بالديموقراطية. هل الديموقراطية قادرة على حفظ التعددية الدينية وخصوصاً بالنسبة للمسيحيين داخل سورية ومصر؟ - ما يحدث في العالم العربي يحتاج الى مرحلة زمنية أكبر حتى تتضح معالمه. والشعوب العربية يلزمها وقت طويل حتى تصل الى تطبيق الديموقراطية. نحن اليوم نمرّ في مخاض تاريخي ليس من الممكن تحديد نتائجه خصوصاً لجهة الأنظمة البديلة. ولا شيء حتى اللحظة يضمن عدم قمع الأقباط في مصر. وفي حال وصول حركة الاخوان المسلمين الى الحكم، فأقصى شيء يمكن أن تفعله تطبيق الشريعة الإسلامية، وأتمنى أن تتحول حركة الاخوان الى حركة معتدلة.
• هل تتخوف على مسيحيي سورية في الوقت الراهن وخصوصاً بعدما أعرب البطريرك الماروني بشارة الراعي عن قلقه عليهم في حال وصول الاسلامويين الى الحكم؟ - لستُ متخوّفاً على مسيحيي سورية، سورية تبقى سورية. وأقصى ما يمكن تصوره إذا جاء حكم اسلامي هو تطبيق الشريعة الإسلامية، أو على الأقل الأخذ بوثيقة الأزهر الاخيرة. وهنا أريد أن أسأل: إذا طُبقت الشريعة الإسلامية في سورية في حال سقوط النظام هل سيتم تطبيق الحدود؟ هذا طبعاً لا أنتظره ولا أتوقعه.
• لكن النظام السوري يوحي للرأي العام بأن سقوط النظام سيؤدي الى تهديد المسيحيين وسيوصل التيار الإسلامي الى الحكم. ما رأيك في ذلك؟ - هذا يعود الى تكريس ما يسمى مسألة الأقليات. وغالبية الأقليات الدينية أو الإثنية تشعر بالخطر في حقبة التحولات التاريخية، وهذا أمر بديهي في العالم العربي الذي لم تستطع أنظمته منذ مرحلة الاستقلال بناء الدولة التي تحفظ جميع مكونات المجتمع.
• هل أنت قلق على مسيحيي سورية في حال سقوط النظام؟ - لست قلقاً. سيبقى للمسيحيين دور كبير في سورية، وحتى الشريعة الاسلامية لا تمنع المسيحيين من تولي الحقائب الوزارية أو دخول المجالس البرلمانية بإستثناء رئاسة الدولة.
• البيان المشترك الصادر عن الاجتماع الثنائي الذي عقد بين البطريرك الراعي وبطريرك انطاكية وسائر المشرق للروم الارثوذكس اغناطيوس الرابع هزيم في البلمند شدد على أن المواطنة هي التي تحمي الجميع وعلى نصرة القضايا الوطنية والعربية العادلة. ما رأيك في هذا البيان؟ - التركيز على المواطنة مسألة مهمة، لأن العالم العربي ليس لديه فكرة حول المواطنة والتعددية، بالاحرى لم يمارسها طوال تاريخه الحديث، فهو لم يربِ نفسه على هذه الأفكار. كما أشرت سابقاً فالمسيحيون لا يحتاجون الى حماية أحد، فهم جزء تاريخي وتكويني في هذه المنطقة، ولهم الحق الطبيعي في ممارسة حقوقهم. وحتى فكرة العروبة التي يتبناها العرب اليوم، هي في الأساس ذات أصول مسيحية واكبر مؤسس لها هو ميشال عفلق بصرف النظر عمّا إذا كان مات مسلماً أم لا. • يربط البعض بين الحراك الشعبي الجاري في سورية وموضوع التقسيم. ما رأيك بهذا الطرح؟ وهل التقسيم يمكن أن يؤدي الى تكريس حقوق الاقليات أم العكس؟ - المسيحيون لا يقبل أحد أن تكون لهم أرض، وهم أصلاً يرفضون مشروع التقسيم. التقسيم مشروع اسرائيلي بالدرجة الاولى وليس مشروعاً أميركياً، والذي يؤمّن الحماية لكل العرب بكافة مذاهبهم هو مشروع الدولة الحديثة.
• هل تواصلتم مع المسيحيين في سورية بعد الأحداث الاخيرة؟ - نحن على تواصل دائم مع المطارنة في سورية، ولم يتعرّض المسيحيون لأيّ مضايقات طوال الفترة الماضية حتى داخل المدن التي شهدت حراكاً شعبياً مثل حمص وحلب.
• كلام البطريرك الراعي في فرنسا عن الوجود المسيحي في سورية طرح علامات استفهام كثيرة بينها الى أي مدى يوافق الفاتيكان على تصريحات الراعي. ما رأيك في ذلك؟ - هناك مَن يقول إن الحكومة الفرنسية تحققت من الفاتيكان، وأنه لم يتم الايحاء للبطريرك الراعي. البطريرك الراعي قريب من الفاتيكان ولديه الحرية في التصريح بهذا الرأي أو ذاك. </< div>
|