واضحٌ اليوم أنّ تعاطف الرأي العام العربي والدولي مع قضيّة الشعب السوريّ قد تقلّص. باتت الصورة المهيمنة هي حرب أهليّة تغذّيها بعض الدول مع ميليشيات مقاتلة على الأرض لا تختلف بهمجيّتها عن ميليشيات الأسد. بقيت في الأذهان صورة النضال السلميّ الأوّل من أجل الحريّة والكرامة، مثل تونس ومصر، إلاّ أنّها صورة من الماضي الذي لا يراه الرأي العام في واقع اليوم. وهذا يحدث بالضبط حين وصلت سلطة الاستبداد إلى ذروة وحشيّتها في القتل وتخطّت كلّ "الخطوط الحمر". ليس المقصود بهذا القول إحباط العزائم. إنّ معركةً ضدّ الاستبداد تمّت خسارتها، لكن منطق الحريّة والكرامة يتطلّب مواجهة الواقع بالرغم من قسوته. خسرها وجوه المعارضة الرئيسيين الذين حملوا راية الثورة إلى الرأي العام. أولئك الذين يسمّون اختزالاً في وسائل الإعلام وحدهم "المعارضة". الخسارة واضحة عبر التصريحات المتخبّطة حول أنّ الميليشيات المتطرّفة لم تعد جزءاً من الثورة، وكأنّها كانت يوماً كذلك. والخسارة واضحة أيضاً من محاولة "الائتلاف" فرض حكومة على المناطق "المحرّرة"، تدفع إلى تقسيم البلاد بحكم الواقع، في حين يعرف هذا الائتلاف أنّه ذاهب إلى جنيف كي يشارك في صوغ حكومة مشتركة كاملة الصلاحيّات، بالضبط مع "من تلوّثت أيديهم بالدماء". ويتعاظم التخبّط عندما يقرّ "الائتلاف" قوانين ونظاماً قضائياً أقلّ ما يقال عنهما أنّهما يستبعدان مبدأ المساواة في المواطنة، ويرجعان بسوريا عقوداً إلى الوراء.
مزايدات على كلّ صعيد. مزايدة حول منطق الغالبية والأقليّة في اندفاعة تلغي سوريا كفكرة، ومزايدة تجاه الإسلام السياسي المتعصّب في محاولة لكسب رضى المتطرّفين، ومزايدة حول حقوق الأكراد لكسب شرعيّة عريضة واهية، إلخ... باختصار هروبٌ إلى الأمام لم يؤدِّ سوى إلى انفجار الصراع العسكريّ على الأرض بين فصائل ما يسمّى "المعارضة المسلّحة".
إلاّ أنّ خسارة معارضين معركة لا يعني أنّ الثورة قد هزمت. فالثورة، على عكس الانتفاضة، أو "الطوشة" كما يسمّيها أهل الشام، هي تلك التي تأتي بقيم جديدة. وانتصار الثورة هو انتصار قيمها، لا انتصار أشخاصٍ محدّدين أو تكتّلات معيّنة. وهذه القيم ستنتصر مهما كان مسار التفاوض أو الصراع، لأنها في صلب هويّة السوريين.
القيم الأساسيّة لهذه الثورة مدوّنة في وثيقة عهد وطنيّ أقرّتها أطياف المعارضة مجتمعة يوماً في القاهرة، ثمّ تنصّلت غالبيتها منها: سوريا لكلّ مواطنيها دون تمييز، الحريّة وحقّ الإنسان بالرأي والحياة الكريمة مقدسان فيها، لا تفرض لا غالبية ولا أقليّة نهجها على الجميع، وإنّما تقوم أمور مواطنيها بالتوافق. سوريا بلدٌ مهمّ في محيطه يدافع عن حقوق الشعوب المحيطة به فلسطينيين، أكراداً، أرمناً، أتراكاً، وإيرانيين، وسواهم، وكلّ العرب كما اختار ذلك يوم كان حرّاً من الاستبداد. سوريا أكبر من أيّ من أبنائها، وبالضبط من حافظ الأسد ومن بشار الأسد الذي دفع سوريا إلى الفوضى للبقاء على كرسي الحكم.
|