|
لم تفلح الدعوات الى التهدئة الصادرة عن كل الهيئات السياسية المصرية، بما فيها جماعة "الاخوان المسلمين"، في تهدئة الأقباط الذين شيعوا ضحاياهم بغضب استهدف رجال الشرطة والجيش. ومع أن بطريرك الأقباط الارثوذكس والكرازة المرقسية في مصر الأنبا شنودة الثالث دعا إلى الصلاة والصوم حداداً ثلاثة أيام، فإن بيان المجمع المقدس للكنيسة لم يخل من إشارات واضحة إلى تقاعس سياسي - أمني في حماية الأقباط، وهو شعور لم يبدده قرار الحكومة إنشاء لجنة لتقصي الحقائق، وذلك وسط مخاوف من انزلاق البلاد إلى حرب أهلية.
وكان التلفزيون المصري بث أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة دعا الحكومة المصرية إلى الاسراع في التحقيق في الاشتباكات، متعهداً اتخاذ الاجراءات الضرورية للحفاظ على الأمن. ومساء أنهى مجلس الوزراء جلسته الطارئة وقرر تأليف "لجنة لتقصي الحقائق" برئاسة وزير العدل محمد عبد العزيز الجندي تبدأ تحقيقاتها "فوراً". كما قرر "تقنين أوضاع دور العبادة القائمة غير المرخصة وإحالتها على اللجنة التشريعية في مجلس الوزراء"، وأقر "إضافة مادة جديدة إلى قانون العقوبات في شأن منع التمييز".
لكن غضب المشيعيين، سواء عند المستشفى القبطي أو داخل كاتدرائية العباسية، انصب على الجيش نهاراً، فتردد هتاف "الشعب يريد اسقاط (رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المشير حسين) طنطاوي". وكان جاء في بيان أصدره الأنبا شنودة أن "بعض الغرباء قد يندسون وسط أبنائنا ويرتكبون أخطاء تنسب إليهم، إلا أن الأقباط يشعرون بأن مشاكلهم تتكرر كما هي باستمرار من دون محاسبة المعتدين، ومن دون إعمال القانون عليهم أو وضع حلول جذرية لهذه المشاكل".
وكان ذوو الضحايا الـ17 التي شيعت امس، رفضوا السماح للسلطات بتشريح الجثث خشية التلاعب بالنتائج، وطالبوا بفريق طبي قبطي لهذه المهمة. ومساء أوردت وكالة أنباء الشرق الأوسط "أ ش أ" أن "آلاف" الأقباط والمسلمين تجمعوا امام المستشفى القبطي وهم يهتفون "مسلم ومسيحي ايد واحدة"، و"يحيا الهلال مع الصليب" و"الكنيسة زي الجامع". وكان المكان شهد قبيل التشييع مواجهات مع رجال الشرطة. وفي مؤتمر صحافي حضره عدد كبير من السياسيين، صرح الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، وهو مرشح محتمل للرئاسة، بان ما تشهده البلاد أزمة كبيرة قد تنتهي بحرب أهلية وعواقب وخيمة.
ودعا إمام شيخ الازهر الامام احمد الطيب أعضاء "بيت العائلة المصرية"، وهي منظمة تضم رجال دين مسلمين ومسيحيين، الى الاجتماع لمحاولة "احتواء الأزمة". واعتبر يوسف سيدهم، رئيس تحرير صحيفة "وطني" التابعة للأقباط أن "المشكلة الحقيقية ليست أساساً في السلفيين او الاسلاميين المتطرفين الذين نعرف أنهم موجودون ويهاجمون الاقباط والكنائس طوال الوقت. "المشكلة هي التردد الشديد للحكومة والسلطات في تطبيق حكم القانون وحماية الأقباط. كان الطلب الرئيسي للمتظاهرين (الأحد) ضرورة اعتقال السلطات المجرمين". ورأى ديبلوماسي غربي أن "إحدى المشاكل الكبيرة التي تواجهها مصر الآن على نحو متزايد تتمثل في عدم وجود شخص في الحكم لديه السلطات والصدقية لتهدئة الوضع. هناك خطر متزايد من ان يدخل الجيش في صراع مع الشعب. سلطة رئيس الوزراء (عصام شرف) تتآكل بشكل خطير. لا أحد من المرشحين للرئاسة لديه نفوذ". وكان شرف اقر ليل الأحد - الاثنين بان "مصر في خطر". مواقف دولية وفي أبرز المواقف الدولية، ندد مسؤول الملف الشرقي في الفاتيكان الكاردينال ليوناردو ساندري بـ "العنف المجنون"، آملاً في ألا يؤدي إلى زيادة أوضاع الأقباط تعقيداً. وعبّر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي – مون عن "حزنه الشديد" لمقتل 26 شخصاً في المواجهات، مناشداً كل المصريين "البقاء موحدين والحفاظ على روح التغييرات التاريخية التي حصلت مطلع 2011".
وصرح الناطق باسم البيت الأبيض جاي كارني بأنه "وقت يحدد المصريون مستقبلهم، لا تزال الولايات المتحدة تعتقد انه يجب احترام حقوق الأقليات، وبينهم الاقباط، وانه من حق جميع الناس التظاهر سلمياً وممارسة ديانتهم بحرية". وفي لوكسمبور أجمع وزراء الخارجية الاوروبيون على "ادانة اعمال العنف ضد المسيحيين الأقباط في مصر". وأكد وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه ان احترام الأقليات "خط أحمر" يجب عدم تجاوزه. (و ص ف، رويترز، أ ش أ، "النيويورك تايمس")
الأقباط شيّعوا الضحايا بغضب على الشرطة والمجلس العسكري شنودة يدعو إلى الصلاة والصوم: المشاكل تتكرّر من دون محاسبة ثلاثة أيام من الحداد والصوم والصلاة دعت إليها الكنيسة اعتباراً من اليوم، بينما استمر الوضع في مصر ناراً تحت الرماد على رغم كل الدعوات الى التهدئة، إذ رشق مئات من الأقباط أمس رجال الشرطة بالحجار خارج المستشفى القبطي في القاهرة، غداة أسوأ أعمال عنف طائفية أوقعت 26 قتيلاً معظمهم من الأقباط، في الأزمة الأخطر تواجهها البلاد منذ "ثورة 25 يناير".
صدرت الدعوة إلى الحداد في ختام اجتماع للمجمع المقدس للكنيسة دعا إليه بطريرك الأقباط الأرثوذكس والكرازة المرقسية في مصر الأنبا شنودة الثالث وشارك فيه 70 أسقفاً.
وقال الأنبا شنودة في بيان: "إننا إذ نؤكد إيماننا المسيحي بعدم استخدام العنف بكل صوره، كما لا ننسى أن بعض الغرباء قد يندسون وسط أبنائنا ويرتكبون أخطاء تنسب إليهم، إلا أن الأقباط يشعرون بأن مشاكلهم تتكرر كما هي باستمرار من دون محاسبة المعتدين، ومن دون إعمال القانون عليهم أو وضع حلول جذرية لهذه المشاكل". وأضاف أن "الكنيسة روعت لما حدث بالامس امام مبنى ماسبيرو والذي تسبب باستشهاد 24 شخصاً واصابة 200 جريح والذين خرجوا فى مسيرة سلمية للتعبير عن مشكلاتهم". وناشد "أبناء الشعب القبطي الصوم ثلاثة ايام اعتباراً من الغد لكي يحل الرب بسلامه في بلادنا الحبيبة". وكانت ووزارة الصحة أفادت أن 24 شخصاً قتلوا وان 311 أصيبوا ونقل 292 منهم إلى مستشفيات. وقالت وسائل إعلام حكومية لاحقا إن عدد القتلى 25، معظمهم من الأقباط. ثم أُعلنت وفاة أحد الجرحى لتصير الحصيلة 26 قتيلاً.
غضب المشيعين وقد رأس الأنبا شنودة الصلاة على عدد من الضحايا في الكاتدرائية المرقسية، في حضور عدد من ممثلي الأحزاب ومرشحين محتملين للرئاسة، وسط إجراءات أمنية مشددة. وتخللت الصلاة هتافات تحيي دماء الشهداء وتعارض السياسات الحكومية فى التعامل مع الملف القبطي. وقبل ذلك، دارت مواجهات عند المستشفى القبطي في شارع رمسيس، ورشق ذوو الضحايا رجال الشرطة بالحجار. وكان ممكناً سمع نحيب النساء خارج المكان. وحمل المتجمعون الذين قدر عددهم بعشرة آلاف شخص، صلباناً خشبية ورددوا هتافات: "يا شهيد نام وارتاح، وإحنا نكمل الكفاح"، و"بالروح بالدم نفديك يا صليب"، و"إرفع راسك فوق إنت قبطي"، وأخرى مناهضة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة. وتزايدت حدة الهتافات مع إخراج جثامين 15 قبطياً والسير بها إلى الكاتدرائية المرقسية في حي العباسية المجاور. وكانت مواجهات سجلت في أماكن أخرى في مصر، بما في ذلك الإسكندرية.
الجيش والحكومة في غضون ذلك، دعا المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى الاسراع في تأليف لجنة لتقصي الحقائق في مواجهات الأحد، "للوقوف على ما تم من احداث لاتخاذ كل الاجراءات القانونية الرادعة حيال كل من يثبت تورطه فى تلك الاحداث بالاشتراك أو التحريض". وجاء في بيان صادر عن اجتماعه أمس أنه "مستمر في تحمل المسؤولية الوطنية والحفاظ على مقدرات الشعب ومكتسباته بعد ثورة 25 يناير وتنفيذ خريطة الطريق التي التزمها حتى نقل المسؤولية الى سلطة مدنية منتخبة، وذلك على رغم بعض المحاولات التي تهدف الى هدم أركان الدولة ونشر الفوضى للحؤول دون التحول الديموقراطي المنشود".
وكرر رئيس الوزراء عصام شرف في اجتماع حكومي طارئ أنه "بدلاً من أن نتقدم إلى الأمام لبناء دولة حديثة على أسس ديموقراطية سليمة، عدنا لنبحث عن الأمن والاستقرار والشك في وجود أصابع خفية خارجية وداخلية تريد أن تقف أمام إرادة الغالبية العظمى من شعب مصر ورغبته في إقرار نظام ديموقراطي سليم... لكننا لن نستسلم لهذه المؤامرات الخبيثة ولن نقبل بالعودة إلى الخلف". وهو كان صرح ليل الاحد - الاثنين بان الاضطرابات "مؤامرة لإبعاد مصر عن الانتخابات". وأعلن وزير العدل محمد عبد العزيز الجندي أن المحاكم العسكرية ستتولى أي تحقيقات ومحاكمات. وأوردت صحيفة "الأهرام" أن 15 شخصاً يخضعون للتحقيق، وان العشرات أوقفوا.
تحركات سياسية وعقدت شخصيات سياسية اجتماعات طارئة. وقال الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى إنه من المهم ألا يعوق هذا الحادث الجدول الزمني لانتخابات مجلسي الشعب والشورى الشهر المقبل. وأكدت مجموعة أحزاب وهيئات شبابية "تضامنها مع المطالب المشروعة لمسيحيي مصر، وعلى رأسها حق المواطنة الكاملة والمساواة في حق العبادة وبناء دور العبادة، ذلك أن نار الطائفية تحرق من أشعلها". ونفى محافظ أسوان اللواء مصطفى السيد ما تردد عن استقالته على خلفية الاحتجاجات، خصوصاً أن سببها هدم كنيسة في قرية المريناب بأدفو في المحافظة.
ورأت جماعة "الإخوان المسلمين" أن عدد القتلى والجرحى وحجم التخريب يؤكدان أن "الأحداث ليست وليدة مشكلة كنيسة أسوان بقدر ما هي رغبة من جهات داخلية وخارجية في إجهاض الثورة، ولو أدى الأمر إلى حرب أهلية". وتساءلت: "هل ما حدث ليلة أمس عند ماسبيرو (مبنى التلفزيون) شيء معقول بين أناس كانوا يتعاقبون في الصلاة كل جمعة في ميدان التحرير؟". غير أنها أضافت أن "الشعب المصري كله له مطالبه المشروعة. هذا ليس الوقت المناسب للمطالبة بها، فالحكومة الحالية موقتة والظروف العامة غير طبيعية". وطالبت "العقلاء بالتدخل لإطفاء نيران الغضب والإخوة الأقباط بعدم إعطاء الفرصة لأعداء الوطن في الداخل والخارج لإثارة الفتن والقلاقل". وكان شيخ الازهر الإمام احمد الطيب دعا أعضاء "بيت العائلة المصرية"، وهي منظمة تضم رجال دين أقباطاً ومسلمين ومسيحيين آخرين الى الاجتماع لمحاولة "احتواء الأزمة". ولم يعرف ما إذا كانت الكرازة المرقسية أوفدت ممثلاً، وإن يكن الطيب اتصل بالأنبا شنودة.
تنديد دولي وأصدر البيت الأبيض بياناً جاء فيه أنه "وقت يصوغ الشعب المصري مستقبله، تعتقد الولايات المتحدة باستمرار ان حقوق الأقليات، ومنها الاقباط، يجب ان تحترم، وان لكل الناس الحق العام في الاحتجاج السلمي والحرية الدينية". وأضاف أن "هذه الاحداث المأسوية يجب ألا تقف في سبيل اجراء الانتخابات في موعدها واستمرار عملية الانتقال الى الديموقراطية بطريقة سلمية وعادلة وتشمل الجميع".
وأبدى الرئيس الأميركي باراك اوباما "قلقا عميقا". واسترعى الانتباه ان البيان لم يتضمن أي تنديد بما حدث، ولم يحمل أي جهة المسؤولية عن العنف. ونفت السفارة الأميركية في القاهرة عرض واشنطن إرسال قوات أميركية لحماية دور العبادة المسيحية في مصر. وصرح وزير الخارجية الألماني غيدو فيسترفيلله لدى وصوله الى لوكسمبور لحضور اجتماع مع نظرائه الأوروبيين: "أشعر بقلق بالغ من الأنباء التي تردنا من القاهرة. إنه وضع لا نستطيع القبول به". وأبدى وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ "توجساً شديداً"، وأسف وزير الخارجية الايطالي فرانكو فراتيني لـ"أعمال العنف البالغة الخطورة التي تؤدي إلى الهجرة الجماعية" للأقباط.
ودعت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كاثرين آشتون إلى "تحرك مصر نحو الانتخابات ومشاركة جميع الأطياف فيها، وحماية الناس، أياً تكن انتماءاتهم وأيا تكن جذورهم وأيا تكن معتقداتهم ودياناتهم". وأكدت وزارة الخارجية الفرنسية أن حرية المعتقد "جزء من الحريات الأساسية، وعلى الانتقال الديموقراطي الذي صمم عليه الشعب المصري أن يسمح بتعزيزها مع دعم كامل من المجتمع الدولي". وأمل الناطق باسم وزارة الخارجية الروسية الكسندر لوكاشيفيتش "ألا يؤدي هذا الحادث إلى تصاعد العنف". ودعا الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية ليو وي مين "الأطياف الدينية في مصر إلى الحفاظ على تناغمها، وبذل جهود مشتركة لحماية الاستقرار الاجتماعي".
|