لأكثر من ثلاثين عاماً استغرقها نظام مبارك، بدت السياسة في مصر وكأنها في حال موت سريري، قضت عليها الدولة، بهيئاتها التنفيذية وأجهزتها الأمنية وبيروقراطيتها العتيقة. ولعله صحيحاً أن هذه العقود الثلاثة شهدت استقراراً سياسياً، ولكنه ليس ذلك الاستقرار النابع من رسوخ التوازن بين مؤسسات النظام القائم، وبين القوى المجتمعية الفاعلة، على نحو يعبّر عن قبولها له ويحقق لها إمكانية التأثير في مسار السياسة العامة، وفي صنع القرار الوطني، بل الاستقرار المؤسس على تجميد السياسة نفسها كفعل خلاّق وحركة مؤثرة ونشاط ايجابي، واستبدالها بالإعمال المفرط لقانون الطوارئ، والإشراف الأمني على شتى مجريات الواقع السياسي، بدءاً من انتخابات اتحادات الطلاب الجامعية، وحتى النقابات المهنية، وصولاً إلى التغلغل العميق داخل الأحزاب السياسية، ومحاولة تدجين قياداتها، أو بث الخصومة داخلها وإشعال النار بين المتنافسين عليها بقصد شل حركتها وتعريتها أمام أنصارها وفي عيون المجتمع السياسي كله. وهكذا دخلت جل عناصر النخبة المصرية إلى فلك التبعية الآسر، سواء من دخل منهم إلى أقنية السلطة بحثاً عن مكاسب شخصية حصلوا عليها فانشغلوا بها عما سواها، أو رغبة في الإصلاح، إلا أن صوتهم الأكثر إخلاصاً ضاع وسط النفاق السلطوي والفساد السياسي. أو حتى من بقي منهم في موقع المعارضة نفسها، تلك التي تم تجريفها، وتنامت إحباطاتها بطول الوقت وتوالي القهر، مع غياب الأمل في احتمال تبادل السلطة، إلى درجة تحولوا معها إلى مجرد زبائن سياسيين للحزب الحاكم يسلكون وفق رؤاه وأوامره، ويلعبون في المساحة المخططة من جانبه، ما أدخل الجميع بين مطرقة وسندان ثنائية: السيطرة والإذعان. وقد زادت من وطأة هذا التغول الدولتي، محاولة النظام وربما نجاحه الموقت في اختلاق طبقة جديدة (مصطنعة) من رجال المال والأعمال المتهمين بالفساد، كقاعدة له على حساب الطبقة الوسطى بالذات، ما أدى إلى ذبول الزعامات المجتمعية الطبيعية تحت ضغط الإقصاء واليأس، وإلى غياب الزعامات الكبرى التي توالت على مصر الحديثة، أقله منذ العصر الليبرالي وحتى نهاية عصر الرئيس السادات، وربما بدايات عصر مبارك نفسه، وصولاً إلى موت السياسة نفسها، حيث صارت مصر أشبه بجسد ضخم من دون رأس. فلم يكن غريباً إذاً أن تأتي ثورة 25 يناير من خارج إطار النظام السياسي كله، بشقيه: الحكم والمعارضة، بإلهام من حركات شبابية، بديلة من النخبة المتآكلة. غير أن مصر سرعان ما أخذت تدفع ثمناً كبيراً لهذا الالتفاف الثوري حول دور النخبة، وهي في صدد إعادة بناء نظامها السياسي، حيث توارى مفهوم السياسة من جديد وراء مفهوم الثورة هذه المرة، واختفى في أوقات ضاغطة وراء أشكال فوضوية عدة تلبست بمظاهر الحرية وادعت حق التعبير عنها. ففي الفترة السابقة على انتخاب مرسي رئيساً، مُورست السياسة من داخل الميادين، وتعددت ائتلافات الثورة واتحادات الثوار تعدداً يستعصى على الحصر، جميعهم على صواب لأنهم مناضلون تم تعميدهم بنار الحرية المقدسة، يذهب كل «ثائر» منهم إلى نهاية الشوط في طلب ما يريد، ورفض ما يريده الآخرون، لا يسمع أي من المختلفين سوى صوته فيما يصم الآذان عن صوت المحيطين. وهكذا صار الناس يتصايحون ولا يتحاورون، يتجاورون داخل الميدان وخارجه لكنهم لا يتقاربون، هيمنت عليهم غريزة السيطرة وتوقف عقلهم الواعي، ونمت لديهم نزعات الثأر والتهميش والإقصاء، حتى انتهى الأمر إلى ديكتاتورية جماهيرية، اندفعت معظم أطراف النخبة، بدءاً من مرشحي الرئاسة، والأحزاب التقليدية، وحتى قنوات الإعلام بشتى أطيافها، إلى الرقص على إيقاعها، بدلاً من محاولة ترشيدها وقيادتها عبر حوار جاد مسؤول، وتوافق حول برامج عمل وخريطة طريق إلى المستقبل. وفي هذا السياق، راج خطاب المؤامرات، ونما حديث الصفقات، وفُتح الباب واسعاً للشكوك بين الثوار أنفسهم، وبينهم وبين القيادات السياسية والحزبية وبين هؤلاء جميعاً والمجلس العسكري، حيث تبودلت الاتهامات وجرت عملية قتل معنوي ربما لأفضل الشخصيات، وأكثر الزعامات قدرة على قيادة البلاد وهي الثغرة التي دخل منها الإخوان إلى فضاء السلطة. وحتى بعد انتخاب مرسي رئيساً لم تعد السياسة إلى أقنية المؤسسات سوى لأشهر قليلة، قبل أن تعود الى الشارع من جديد، عبر ديبلوماسية الحشود التي انفجرت مع الإعلان الدستوري في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، واستمرت حتى 30 حزيران (يونيو) 2013. فعبر هذه الشهور الطوال، لم يكن ممكناً بلورة حزمة مطالب أو تصورات يطرحها فريق (معارض) على آخر (حاكم)، ولم تُجر أي نقاشات جادة بين طرفين مختلفين على نحو يفضي إلى توافقهما، بل لم تحدث أي مساومات فعالة أو حتى إغواءات ناجزه تفضي إلى إذعان طرف للآخر، أو غير ذلك مما ينتمي في النهاية إلى مفهوم السياسة. وهنا تبدت الساحة السياسية المصرية مثل صحراء جرداء لا قادة فيها ولا قنوات تفاعل وحوار، حتى إذا ما هبّت عواصف يونيو، وفار المتمردون إلى الشوارع، لم يكن أحد قادراً على التفاوض مع أحد، ولم يكن هناك من يستطيع تخيل مصير تلك الحشود المتنافرة، وما كان ممكناً أن يجري لها أو بينها لو لم يتدخل الجيش لحسم الموقف؟ لقد تدخل الجيش فعلاً، وأنهى الموقف الملتهب، غير أن المعضلة تظل باقية، فالجيش لا بد من أن يعود، وبعودته ثمة فراغ يخلفه، لا أحد قادر على ملئه. ولذا يشعر كثيرون، من العامة والخاصة، بل من المرشحين الرئاسيين السابقين، بوطأة هذا الفراغ، وربما بالرعب مما بعده، ولذا أخذوا يهتفون في كورس جماعي باسم الفريق السيسي. فالرجل الذي لعب دور القائد العسكري بكفاءة عالية، صار مطلوباً للعب دور المخلّص السياسي أملاً في الكفاءة ذاتها. وعلى رغم أن الرجل يبدي ميلاً ظاهراً للبقاء خلف الكاميرا، مهندساً لعملية الانتقال، فمناداته لا تتوقف، ومحاولات دفعه إلى واجهة الكاميرا لا تنتهي. فدور البطل يطلبه، والجماهير تلح عليه، خلاصاً من هم الاختيار وألم الانتظار، فهم يريدون مخلّصاً لا رئيساً، ملكاً يهبط عليهم بوحي الحرية من السماء بديلاً من الاجتهاد في بناء قواعدها من الأرض، والمشكلة التي لا يدركها هؤلاء أن المعجزات توقفت عن الجريان في عوالم الإنسان، وأن ما لا يؤسس عميقاً على الأرض لن يبقى طويلاً في الزمان. * كاتب مصري
|