يعيش اللبنانيون في جو يغمره الاشمئزاز والغضب والحزن، ويسيطر عليه ابتذال لقيم الجمهورية وابتزاز أمني، يميل مثقفون ودستوريون ومتلاعبون بالعقول ولبنانيون مخدوعون الى اعتبار ان لبنان يعاني من ازمة "مؤسسات". فيعودون بذلك الى مقولة النظام السياسي الطائفي، واتفاق الطائف...، وتُعتمد عبارات فلسفية، فتُذكر اسباب، وغالباً هي اسباب بالمطلق و"بنيوية" متعلقة بطبيعة "النظام" اللبناني. ننسى ان مفهوم المؤسسة يرتكز على ثلاثة عناصر: المشروع، والتنظيم الذي يضمن الفاعلية والاستمرارية، والقيادة التي تتولى الادارة. بدون قيادة رشيدة تتحول المؤسسات الى هياكل بدون روح والى بيروقراطية توفّر المكافآت والمنافع والرواتب للقيّمين على هذه المؤسسات. * * * يعاني لبنان من شحّ في رجال الدولة، في وقت تعمّ انتهازية صارخة، وتبعية وزبائنية، وارتهان الى درجة العبودية في اوساط اساتذة جامعيين ورجال قانون خاضعين وقضاة ورجال دين...، يتمتّع بعضهم بالحصانة، فيما يفترض بهؤلاء ان يكونوا مستقلين ولا يعرّضوا انفسهم لإهانات. ويعمل صحافيون في مناظرات تلفزيونية في توفير منابر لانتهازيين ومهيمنين وتابعين. يتمتع اللبناني بصفات رائدة، في الثقافة والمقاومة والتأقلم والمبادرة...، لكنه يفتقر الى معنى الشأن العام، اي الدولة، المصلحة العامة. ويتم تسخيف الامور باعتماد المسايرة والمجاملة. ويُعتمد التكتيك في قضايا جوهرية ومصيرية متعلقة بالسيادة ودولة الحق. يحمل المخزون اللغوي اللبناني عبارات عديدة تفسّر هذه النزعة: "معليش، بيناتنا، شو فيها، مشّيها، ما تحمل هالسلّم بالعرض...!".
لا يغيّر اي نظام سياسي اي شيء، اذا كان لبنان اليوم يفتقر الى رجال دولة يشكلون اركان الحكم والتغيير. يسترسل لبنانيون في مقاربة قانونية شكلية للمؤسسات لارضاء الضمير وتغطية كسل فكري. هل تصنع المؤسسات الرجال؟ ام يصنع الرجال ايضاً المؤسسات؟
افضل الدساتير هي مجرد وصفة طبية، ولكنها ليست العلاج. هل تقيّد صاحب العلاقة بموجبات العلاج والمعايير وقواعد استعمال العلاج؟ معنى الشأن العام من شغل مناصب في مؤسسات عامة لبنانية وعانى القهر والعذاب والتعذيب داخل جدرانها يدرك ما يشكله الشأن العام من غرابة في ذهنية لبنانية سائدة، وخصوصا في من يطلق عليه اسم مسؤول. صعقنا خلال تطبيق برنامجين في التنمية المحلية في السنوات 2008 – 2013 حول "الشأن العام في الحياة اليومية المحلية" و"الحكمية المحلية" في المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم من سلوك الناس حول الشأن العام المشترك في وطن العيش المشترك. يتبيّن انه من الأسهل تسلّق جبال الافرست على اقناع سكان احياء بتشكيل لجان تهدف الى تحسين نوعية الحياة في الحي طبقاً للقوانين المعتمدة والمطبّقة من البلديات.
يقول شارل ديغول في خطابه لخريجي جامعة القديس يوسف في 13 تموز 1931، وكان يومها ضابطا شابا: "عليكم خلق روح الشأن العام وتنميتها". وختم لويس جوزف لوبري Louis - Joseph Lebret تقريره المؤلف من جزئين عام 1961 حول التنمية في لبنان بالقول: "ما ينقص في لبنان، اكثر من الماء والطرقات والكهرباء، هو مجموعات من الاشخاص يعملون للمصلحة العامة". ويؤكد البابا يوحنا بولس الثاني في ارشاده الرسولي الى كل اللبنانيين عام 1997: "ما يجب تعزيزه، أولا، وقبل نظام جديد، هو عقلية جديدة..." (مشددا من خلال حروف مائلة في النص).
يعيش لبنان حالة انحطاط في قيم الجمهورية. يُعتمد التكتيك في قضايا مصيرية، والتسخيف في مبادئ اساسية، وتُحول انتهاكات فاضحة للقانون في التعطيل وانتهاك قَسَم مهني وتعسف أقلية وامتناع عن الحكم وتخريب مؤسسات... الى بطولات، يناقشها ويتداولها محللون واعلاميون متواطئون او ساذجون او مخدوعون.
يعتبر جايمس فريمان كلارك James Freemen Clark ان رجل السياسة يسعى الى الفوز بالانتخابات اللاحقة اما رجل الدولة فيفكر في مستقبل الاجيال القادمة. يعاني اللبنانيون من كثرة المماسح في الحياة العامة. يقول تاليران Talleyrand عن سياسي مخادع: "هناك الذين يخشاهم والذين يستعملهم، اي الاعداء والمماسح"! * * * الانتفاضة الوطنية التي يحتاج اليها اللبنانيون بعد سنوات من المخادعة imposture هي اخلاقية، تحمل قيماً اساسية، بسيطة، اولية، بديهية، ذات بوصلة ومعايير. وصلت الانتهازية والتبعية والاستبعاد وتسخيف انتهاكات، بما فيها تعسّف اقلية abus de minorité وامتناع عن الحكم، الى ادنى مستوياتها في ما يعرف بالامة.
أين لبنان جبران خليل جبران وكاظم الصلح ورياض الصلح وبشاره الخوري وشارل مالك وفؤاد شهاب والإمام موسى الصدر وصائب سلام، وإدمون نعيم وإدمون رباط ولور مغيزل وجوزف مغيزل وجوزف زعرور وغسان تويني، وجورج افرام...؟ هل هاجرت الشجاعة والاخلاق لبنان؟ كفى تحليلا في تغيير المؤسسات في وقت يعاني الوطن من افتقار الى رجال دولة. عضو المجلس الدستوري، استاذ في جامعة القديس يوسف
|