|
بدا واضحا، غداة اسقاط الحكومة باستقالة 11 وزيرا منها، أن قوى 8 آذار وداعميها الاقليميين انتقلوا فورا الى المرحلة الثانية من المعركة السياسية المفتوحة، ففتحت المواجهة المبكرة على التكليف التي يراد منها الدفع بدفتر الشروط الذي لم يمر عبر الوساطة السعودية – السورية ويراد الآن فرضه تحت وطأة محاولة لتغيير الغالبية والاقلية واقامة أمر واقع جديد يرخي بمجمل مفاعيله السياسية والدستورية على البلاد.
واذا كانت قوى 14 آذار تنظر الى الخطة المتدرجة للمعارضة على انها محاولة انقلابية موصوفة تتوسل ظاهرا الوسائل الدستورية السلمية وضمنا مختلف أساليب الضغط والتهويل، كما قالت مصادر بارزة فيها لـ"النهار"، برز المناخ الضاغط امس في استعجال رئاسة الجمهورية اصدار بيانها باعتبار الحكومة مستقيلة والطلب منها تصريف الاعمال الى حين تأليف الحكومة الجديدة، ومن ثم اصدار برنامج الاستشارات النيابية الملزمة يومي الاثنين والثلثاء المقبلين. ذلك ان هذه الخطوة، على دستوريتها الكاملة والبديهية، كانت متوقعة عقب عودة "رئيس الحكومة المستقيلة" سعد الحريري الى بيروت في الساعات المقبلة. غير أن بيان اعتبار الحكومة مستقيلة صدر قبل ظهر أمس. ثم عقد لقاء بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس مجلس النواب نبيه بري بعد الظهر على هامش المأدبة التي أقامها سليمان تكريما لأمير موناكو البير الثاني في قصر بعبدا، بادر بعده بري الى الاعلان بنفسه ان الاستشارات ستبدأ ظهر الاثنين المقبل. ثم صدر بعد ذلك برنامج الاستشارات عن دوائر القصر. وتزامن ذلك مع الاعلان رسميا عن اتصال هاتفي أجري بين الرئيس سليمان والرئيس السوري بشار الاسد.
وعلمت "النهار" ان الرئيس سليمان سيتخذ مواقف عدة من التطورات السياسية الاخيرة في الكلمة التي سيلقيها لدى استقباله اعضاء السلك الديبلوماسي قبل ظهر الاثنين في مناسبة حلول السنة الجديدة. كما يتوقع ان يعقد لقاء بين سليمان والحريري بعد عودة الاخير الى بيروت للتشاور والتنسيق في شأن مرحلة تصريف الاعمال والتطورات الناشئة عن اسقاط الحكومة وآفاق الاستشارات النيابية الملزمة، علما ان الحريري انتقل ليل امس من باريس حيث التقى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الى أنقرة حيث سيجتمع صباح اليوم مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية أحمد داود أوغلو.
وعلمت "النهار" ان يومي السبت والاحد سيشهدان استنفارا سياسيا شاملا استعدادا لتحديد المواقف النهائية لمختلف الافرقاء من تسمية الرئيس الذي سيكلف تأليف الحكومة الجديدة. ويتوقع في هذا السياق ان يعقد اجتماع موسع لقيادات قوى 14 آذار في "بيت الوسط" بعد عودة الحريري يتخلله موقف سياسي وصف بأنه سيكون على جانب كبير من الاهمية في ضوء التطورات الاخيرة، وستعلن فيه قوى 14 آذار تمسكها بترشيح الحريري لرئاسة الحكومة الجديدة وتأليفها وانفتاحها على الحوار الداخلي لمعالجة الازمة ضمن تمسكها بالثوابت المعروفة التي ستحذر من خلالها من أي محاولات داخلية مرعية خارجيا للانقلاب على التوازنات التمثيلية الشرعية.
وفي المقابل، تتجه قوى 8 آذار الى عقد اجتماع موسع للاتفاق على مرشحها للتكليف والتأليف الذي صدرت حياله مؤشرات اتسمت ببعض التناقض. ولم يعرف ما اذا كان هذا الاجتماع سيعقد قبل اطلالة اعلامية للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله أم بعدها، اذ أفادت المعلومات انه سيتحدث عن الازمة الراهنة في كلمة يلقيها خلال الساعات الـ 48 المقبلة.
وبدا "حزب الله" مبادراً الى التلميح بوضوح الى ان لديه مرشحاً للتكليف والتأليف غير الرئيس الحريري، وذلك عبر تصريح لرئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد من منزل الرئيس اميل لحود عندما رأى ان على رئيس الحكومة الجديد ان يمتلك "مسيرة مقاومة وطنية في هذا البلد وقدرة على التصدي للمشاريع الاستكبارية".
وذهب مصدر في المعارضة الى القول لـ"النهار" ان "لا عودة للحريري الا بشروط والا هناك اسماء كثيرة عندنا"، وعدد اسماء الرئيس عمر كرامي والرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي والنائب السابق عبد الرحيم مراد. واضاف: "كان مطلوباً من الحريري في المرحلة السابقة بيان، والآن بات عليه ان يلبي دفتر شروط".
غير ان الوزير علي حسين عبدالله، من الكتلة الوزارية للرئيس بري، نفى من جانبه ان ان تكون المعارضة حددت اسم مرشحها لتأليف الحكومة موضحاً ان هناك اجتماعاً قريباً للمعارضة سيعقد لهذه الغاية.
جنبلاط والواقع ان اوساطاً نيابية اكدت لـ"النهار" ان مختلف القوى السياسية انصرفت الى اجراء "بوانتاجات" استباقية للكتل والنواب على اساس خلط الاوراق الذي تعتزم المعارضة او بعض قواها اثارته كمناورة متقدمة لوضع شروط على ترشيح الحريري. واشارت هذه الاوساط الى ان ثمة رصداً غير مسبوق لحركة رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط ومواقفه في هذا الشأن باعتبار انه يشكل وسط هذه المبارزة "بيضة القبان" المرجحة لاي كفة في اي "مشروع انقلابي" محتمل يراد له ان يوفّر للمعارضة قلب الغالبية او يصدها في هذه المحاولة.
فمعلوم ان الغالبية الحالية لا تزال معقودة اللواء لقوى 14 آذار الممثلة بـ 60 نائباً من اصل 128 في مقابل 57 نائباً لقوى 8 آذار، فيما يبلغ عدد اعضاء "اللقاء الديموقراطي" 11 نائباً. وتحتاج المعارضة الى ثمانية نواب اضافيين لتتمكن من توفير الغالبية العادية (النصف زائد واحد)، في حين "ان الاعضاء الـ 11 "للقاء الديموقراطي" منقسمون بين اعضاء حزبيين مع جنبلاط وآخرين ينخرطون مع قوى 14 آذار، الامر الذي يجعل جنبلاط "كتلة ذهبية" مرجحة اذا تمكن من استمالة الاعضاء الـ 11 في حال قراره الوقوف مع المعارضة، في حين ان هذا الامر غير مضمون اطلاقاً، ناهيك بأن جنبلاط لم يعط اي اشارة الى امكان وقوفه ضد تسمية الحريري. وكشفت الاوساط ان المعارضة تجري اتصالات مع عدد من النواب المستقلين وخصوصاً في الشمال وكذلك مع النائب الزحلي نقولا فتوش سعياً الى استمالتهم.
واتخذ هذا الامر اهميته امس مع زيارة جنبلاط للسيد نصرالله بعدما كان اكد لـ"وكالة الصحافة الفرنسية" انه "من المبكر جداً الرد على السؤال عمن سنرشح وسنرى عندما تبدأ الاستشارات". وليلاً صرّح جنبلاط لـ"النهار": "اقوم بجولة عريضة من المشاورات وصولاً الى موضوع تسمية رئيس الوزراء للحكومة المقبلة بعدما دخلت عناصر اجهضت التسوية السورية – السعودية، خصوصاً ان الرئيس الحريري سبق له ان اعلن ان تلك المبادرة قد انجزت". واضاف: "انا من جهتي اقول لا بد من تنفيذ بنود هذه المبادرة على رغم كل ما حصل ولا مهرب منها". ووصف لقاءه والسيد نصرالله بأنه "ممتاز" نافياً الدخول في تسمية الرئيس المكلّف.
ومن باريس كتب مراسل "النهار" سمير تويني:
خرج الرئيس سعد الحريري من اجتماعه في قصر الاليزيه مع الرئيس الفرنسي من غير ان يدلي بأي تصريح عن محادثاتهما التي دامت نصف ساعة. وتوجه الى تركيا لمقابلة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان ووزير الخارجية أحمد داود اوغلو.
ورفضت مصادر القصر الرئاسي الفرنسي التعليق على هذه الزيارة، في اشارة الى ان معالم المبادرة الفرنسية لم تكتمل بعد، وان ثمة عقداً ينبغي حلها. وافادت مصادر مطلعة ان الرئاسة الفرنسية حصلت على تفويض أميركي لإيجاد حل للازمة اللبنانية على خلفية استقالة وزراء المعارضة من حكومة الوحدة الوطنية لتأمين استمرار الاستقرار في لبنان وإيجاد حل من خلال المؤسسات الدستورية.
وهذه المشاورات التي تقوم بها باريس من اجل إطلاق مبادرة او التحضير لقمة تشارك فيها، الى لبنان وفرنسا، المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وسوريا، لاقت ترحيبا ودعما سعوديا. ولكن يبدو من المعلومات التي سربت بعد المكالمة الهاتفية بين الرئيسين الفرنسي والسوري في شأن الملف اللبناني ان الاجواء لم تكن ايجابية وان ثمة رفضاً سورياً للقيام باي مبادرة في اتجاه حل ما. ويعود هذا الرفض السوري الى عدم رغبة دمشق في الخوض في تفاصيل المبادرة التي تنطلق من الثوابت الدولية وهي تأمين الاستقرار والبحث عن حل ضمن الأطر الدستورية والسير بالمحكمة، لأن العدالة ليست نقيض الاستقرار. ذلك ان سوريا ترى ان الأوراق في يدها وهي لا تريد ان تتقاسمها مع فريق آخر.
ولا تستبعد أوساط ديبلوماسية ان تكون دمشق وراء حضّ المعارضة على الاستقالة، بعدما فقدت الأمل في التوصل الى توافق ما على موضوع المحكمة التي تريد سوريا كما المعارضة الغاءها كبند أول في أي مبادرة.
اضف ان ثمة مشاورات لتوسيع رقعة الدول التي يمكن ان تشارك في هذه المبادرة والقمة التي تحضر لها باريس، بحيث تشمل تركيا ومصر وقطر. غير ان باريس لا تزال في طور مشاوراتها مع الأطراف لتأمين عقد هذه القمة في إطار مبادرة فرنسية واضحة بعد تذليل العقبات.
وعدم الإعلان سريعا عن أي مبادرة جديدة بعدما فشلت المساعي السورية – السعودية، يهدد بأزمة طويلة، لان تأليف الحكومة سيعيد الى الطاولة كل مواضيع الخلاف بين الافرقاء اللبنانيين وليس فقط موضوع المحكمة الخاصة بلبنان، خصوصاً بعدما نقضت المعارضة اتفاق الدوحة والبيان الوزاري. واي اتفاق جديد يستدعي ضمانات جدية. ومن واشنطن أفاد مراسل "النهار" هشام ملحم ان عدداً من النواب الاميركيين من الحزبين نددوا باسقاط الحكومة اللبنانية، وطالبوا الحكومة الاميركية بمواصلة دعمها للبنان ولعمل المحكمة الخاصة. واتسمت مواقف بعضهم بنبرة قوية جدا ضد حزب الله وسوريا وايران.
وحض النائب الجمهوري تشارلز بستاني، اللبناني الاصل، ادارة الرئيس باراك اوباما على مواصلة دعمها للشعب اللبناني"خلال بنائه دولة مستقلة ومستقرة سياسيا وتكون بمأمن من خطر الارهاب". ورأى النائب الديموقراطي كريس مورفي ان الائتلاف الذي يقوده حزب الله يهدف من اسقاطه الحكومة الى وضع لبنان على طريق "نزع صفة الشرعية عن المحكمة الخاصة بلبنان". واتهم "حزب الله" وحلفاءه بتحويل حكومة الوحدة الوطنية "رهينة" لخدمة اهدافهم الضيقة. وأيد مورفي التزام الحكومة الاميركية دعم تصميم الرئيس سعد الحريري على حماية السيادة اللبنانية. واصدر النائب هوارد بيرمان العضو الديموقراطي الابرز في لجنة الشؤون الخارجية بيانا اكد فيه وقوفه "بحزم وراء قرار الرئيس سعد الحريري عدم الخضوع لابتزاز حزب الله". ورأى ان لبنان يمر في مرحلة صعبة، وحض اللبنانيين على رفض العنف وسيلة لحل الازمة.
وقال النائب الجمهوري دان بيرتون ان اجراءات "حزب الله" لا تضر بالشعب اللبناني فحسب بل انها تشكل "تحديا جديا ومباشرا لصدقية الامم المتحدة... يجب علينا الا نسمح لهم بالنجاح. ويجب على الولايات المتحدة ان تقف بحزم وراء رئيس الوزراء الحريري والشعب اللبناني".
واعتبر النائب غاري ايكرمان العضو الديموقراطي الابرز في اللجنة الفرعية للشرق الاوسط انه من الضروري ان تواصل الولايات المتحدة دعم الرئيس الحريري في جهوده لصون الاستقرار وحماية سيادة لبنان واستقلاله "في لحظة الفوضى السياسية" الراهنة. كما دعا الى دعم المحكمة الخاصة بلبنان في سعيها الى تحقيق العدالة. واضاف في بيان له "في وجه الاستفزاز والتهديد بالعصيان ومحاولات الترهيب والابتزاز من الارهابيين في حزب الله، الذي هو ذراع للديكتاتورية الثيوقراطية البربرية في ايران، وحليف النظام السفاك في دمشق، يقف رئيس الوزراء الحريري بحزم...".
واتسم موقف رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في المجلس النائبة الجمهورية ايليانا روس - ليتنن بنبرة قوية مماثلة، اذ رأت انه خلال هذه الفترة العصيبة التي يمر بها لبنان "يجب علينا ان ندعم بقوة وبشكل مستمر أولئك اللبنانيين الذين يدعمون الديموقراطية والحرية وتأليف حكومة خالية من التأثير المدمر لايران وسوريا وحزب الله". واضافت ان "المحور الايراني – السوري – حزب الله يعمل على انهاء أي أمل في السيادة والديموقراطية والحرية للبنان ولشعبه".
"البنتاغون" وفي موقف لافت (و ص ف)، صرح الناطق باسم وزارة الدفاع الاميركية "البنتاغون" ديفيد لابان في مؤتمر صحافي: "نعلم ان التوتر السياسي والاضطرابات وأية اعمال عنف يمكن ان تنجم عنها تشكل تهديداً لاستقرار المنطقة وأمنها".
وسئل هل ترسل واشنطن اية سفن حربية الى السواحل اللبنانية، فأجاب انه لم ترسل اية سفن بعد. واضاف ان "وزارة الدفاع والحكومة الاميركية ترغبان في ان يلجأ جميع الاطراف الى الوسائل السلمية لتسوية الوضع... نحن نواصل متابعة الوضع عن كثب".
واكد ان الولايات المتحدة، التي تعد من اكبر مزوّدي لبنان المساعدات العسكرية "تربطها شركة قيمة مع القوات المسلحة اللبنانية، ونحن ملتزمون بذل كل ما في وسعنا لتعزيز سيادة المؤسسات والحكومة اللبنانية".
الأمم المتحدة ومن نيويورك نقل مراسل "النهار" علي بردى عن الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي - مون، مارتن نيسيركي أمس، اعرابه عن ثقته بأن المحكمة الخاصة بلبنان "ستكون قادرة على مواصلة عملها" في ظل حكومة تصريف الأعمال اللبنانية. ونصح ديبلوماسي غربي كل الجهات المعنية بلبنان بـ"تقبل حقيقة "كون المحكمة الخاصة "ستواصل عملها بصرف النظر عما يحصل في لبنان".
وفي جلسة مع عدد محدود من الصحافيين، قال الديبلوماسي الغربي طالباً عدم ذكر اسمه إنه "لا يمكن احدا من القوى السياسية أن يتدخل في عمل المحكمة... يجب على جميع الأطراف اللبنانيين والجهات المعنية بلبنان تقبل هذه الحقيقة. حقيقة كون المحكمة الخاصة بلبنان واصلت عملها وستواصل عملها بغض النظر عما يحصل في لبنان". ونصح اللبنانيين "بالتصرف على هذا الأساس في عملية تأليف الحكومة الجديدة". ورفض "التكهن بموعد" تسليم المدعي العام للمحكمة دانيال بلمار القرار الاتهامي الى قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين، لأنه "قيل لنا إنه سيصدر في نهاية العام الماضي ولم يصدر حتى الآن". وأكد أن "كل الكلام عن المواعيد وإرجاء هذه المواعيد مجرد تكهنات".
وخلال مؤتمره الصحافي اليومي في مقر المنظمة الدولية في نيويورك، أفاد الناطق بإسم الأمين العام ان بان كي - مون "يتابع التطورات عن كثب" في لبنان، داعياً الى "الهدوء" والى "مواصلة الحوار بين جميع الأطراف". وحض الجميع على "احترام الدستور والقانون في البلاد"، مجدداً "دعمه التام للمحكمة الخاصة بلبنان والعمل المستقل الذي تقوم به". وقال إنه "هناك الآن حكومة تصريف أعمال"، معرباً عن ثقته بأن "المحكمة ستكون قادرة على مواصلة عملها بطريقة فعلية والأمين العام يدعم تماماً العمل الذي تقوم به".
|