يمكن أن يقال الكثير في عيوب النظام اللبنانيّ وتشوّهاته، وفي التأثير الذي يخلّفه نظامٌ كهذا على اجتماع اللبنانيّين. مع ذلك فإنّي أفضّل الكلام على الاجتماع اللبنانيّ نفسه، وخصوصاً أنّ التحوّلات العاصفة التي شهدتها المنطقة العربيّة في السنوات الثلاث الماضية أكّدت لنا أنّ ذاك الاجتماع هو موضع تقليد عربيّ واسع، إن لم نقل إنّه موضع حسد كذلك.
لهذا، ومن دون تبرئة النظام اللبنانيّ، أظنّ أنّ المسألة تتعلّق بانسداد يستعرض لبنان واحداً، مجرّد واحد، من فصوله العديدة. وقد جاءت الثورات العربيّة، وقبلها التحوّل الذي شهده العراق في 2003، تقول إنّ الفصل اللبنانيّ هذا ليس أسوأ تلك الفصول ولا أكثرها انطواء على القنابل الموقوتة.
غنيّ عن القول إنّ البلدان المجاورة التي نراها تتفجّر الآن، وهي على نحو أو آخر تشارك لبنان ما بعد عثمانيّته، لم تؤسَّس على الطائفيّة أو الطائفيّة السياسيّة. أمّا هذا البلد، في المقابل، فكان ذهابه مذهب القطع المبرم مع الطائفيّة قابلاً لأن يطرح عليه وعلينا تهديداً ليست نتائجه أقلّ كارثيّة من الكارثيّة التي تلازم الطائفيّة. ذاك أنّ الاحتمال العسكريّ، على الطريقة السوريّة والعراقيّة، كان مرشّحاً أن يجد طريقه إلينا، فيحرمنا الحرّية النسبيّة- وهي واسعة - التي نتمتّع بها قياساً بجيراننا، مع ما يرتّبه ذلك من تردٍّ، يفوق كثيراً تردّينا الراهن، في مستوى المعيشة والتعليم وسواهما.
فإذا كان تمجيد الطائفيّة اللبنانيّة في زمن سابق، علامة على نخبويّة وانعزال عن المحيط، فإن الاقتصار على المطالبة بالتخلّص من الطائفيّة، بعدما غدا الكون العربيّ طائفيّاً، يشي اليوم بذينك النخبويّة والانعزال. في المرّة الأولى كنّا نبشّر، وفي الثانية نبشّر أيضاً.
ولئن قطعت الثورة السوريّة في أمر الصلة بيننا وبين جوارنا، وهذا ما كانت قد فعلته ناصريّة الخمسينات والستينات ثمّ الثورة الفلسطينيّة في الستينات والسبعينات، فهذا ما يضاعف الإلحاح على النظر إلى لبنان من ضمن النظر إلى منطقته، وإلى تحدّياته من داخل تحدّياتها.
وذلك ما يردّنا إلى ما أظنّه الأساس، أي الانسداد الذي نعانيه جميعاً، كلّ بطريقته، في زمن الحداثة، أتجسّد في موضوعة الوطنيّة والدولة – الأمّة، أم في مسائل الإصلاح الثقافيّ والدينيّ على عمومها.
هنا، في هذا المجال، لا بدّ من إعادة نظر واسعة في الإطارات الوطنيّة التي تحضن دورات الحياة السياسيّة والاجتماعيّة. فإذا لم يتمّ هذا، كنّا كمن يلعب كرة القدم من دون أن يرسم الملعب ويحدّده، أو كمن يلعبها في ملاعب متداخلة متقاطعة. بهذا يغدو كلّ إصلاح وكلّ تغيير هباء منثوراً، أو يرتدّ ارتدادات قاتلة على أصحابه أنفسهم.
لم يعد سرّاً أنّنا في المنطقة ما بعد العثمانيّة نعيش كلّنا خليطاً من الزواج التعيس والطلاق الممنوع. فإن لم نتغلّب على تناقض شامل وعميق كهذا، تحوّلت حياتنا حروباً أهليّة متّصلة، بطائفيّة أو من غير طائفيّة.
|