التاريخ: كانون الأول ٢٩, ٢٠١٣
المصدر: ملحق النهار الثقافي
عندما يموت الوطن - انطوان قربان
هل لبنان يحتضر؟ هل مات؟ هل سيحفظ التاريخ أن لبنان، بصفته كياناً سياسياً، كان محض فقرة عابرة بين قوسين؟ الأكيد أن ليس ثمة ما يدعو الى التفاؤل للوهلة الأولى. اذ يبدو أن البلاد منزلقة، في شكل غير قابل للانعكاس، على منحدر خطير يمكن أن يودي بها إلى التفكك والاضمحلال. احتمال معتم كهذا يفرض أن نطرح على أنفسنا السؤال الآتي: ما هي أسس الوحدة السياسية، وما الذي يتيح إعادة النظر فيها؟

تمثل هوية المواطن السياسية - وهي التي تطلق عليها دائرة الأحوال المدنية تسمية "الجنسية" - النسخة الافتراضية من إسم عائلته. إنها ثمرة تاريخ وبلد، ويعرَّف عنها كانتماء وإرث. هي تؤسس لشرعيةٍ وحقوق وواجبات. الهوية السياسية تتوارث كمِلك غير منقول لبيئة المدينة الجامعة (cité)، وهي مرتطبة بوحدة سياسية محددة، وبأرض الكائن الجماعي. يولد المرء روسياً، مكسيكياً، إيرانياً أو لبنانياً، مدموغاً بهوية سياسية هي علامته المميزة. شمولية حقوق كل إنسان لا تمحو هذه الذاكرة الجماعية المميزة التي تعود لكل بلد. هي حظ، أو إعاقة، ينبغي لكل واحد أن يتعايش معهما. طبيعتها المستديمة الظاهرية خدّاعة. فهذا التماهي الذي يثبّت العامل المشترك وسط التعددية، هو ثمرة رواية لا تنفك تُكتب ويعاد صوغها. تارة تطغى على الرواية روح الخصوصيات، في شكل اندفاعات وطنية. وطوراً، على العكس من ذلك، تؤكد الرواية سلطة المواطن، أي الفرد. في حالات كثيرة، تتمظهر هوية بيئة المدينة (identité politique) من خلال المجموعة. ولكن في مطلق الأحوال، تتطلب الهوية السياسية شكلاً من أشكال السيادة ومؤسسات تنعكس على أرض ما.

مما لا شك فيه أن الهوية السياسية مسجّلة، ولكن يعاد تفسيرها بلا هوادة، ما يمنح الوحدة السياسية هشاشة مؤكّدة. ولكن ما هي أسس تلك الوحدة؟ ذلك هو سؤال الحداثة الجوهري في قلب العولمة. في الشرق، وفي لبنان تحديداً، تعطي الإجابة عن هذا التساؤل الأفضلية للانتماء الجماعي، وهو غالباً ذو طبيعة دينية أو طائفية. غياب ثقافة المدينة الجامعة أو الحاضرة يؤدي الى تجاهل غالبية التحليلات والنقاشات لمفاهيم "بيئة المدينة" و"القانون"، ويضع "السياسة" في الأولوية. هكذا ننسى أن الرجال الأحرار يتمتعون بمواطنية قائمة على القانون، لا على الهوية. ينظر هاجس الهوية الجماعية (maladie identitaire) الى المجموعة كـ"كلّ"، أو كـ"جسم منجَز"، يملك جوهراً خالداً يشمل كل فرد من المجتمع المذكور. ينبغي لهذا الجوهر ألاّ يتغيّر، ولا يستطيع استيعاب أيّ مساهمة خارجية، إلا من طريق دمجه وضمّه. الحياة العامة كلها تصبح آنذاك خاضعة لمفهوم السلطة التي تمارَس على قطاع ما من الأرض، حقيقياً أكان أم خيالياً، وهو جزء تنبغي حمايته بشراسة من الآخر.

الاقتناع بأن الوحدة السياسية تتحقق بواسطة القطاع (territoire) هي فكرة سييس (Sieyès) ، منظّر الثورة الفرنسية. دفع السياسيين الى الإعتراف بأسبقية الحاضرة الجامعة على القطاع مهمة يائسة، لأن السياسيين لا يتعاملون إلا مع القطاع. أساس قوتهم وأفق تفكيرهم الضيق يقومان على الحقول الموحلة والأسوار. مبدأ المدنية غريب عليهم.

في مواجهة الحيّز الحضري، أي حيّز المدينة، يشهرون تلقائيا منطق الأراضي المسيّجة حيث يمكنهم ممارسة سلطتهم. أما العبقرية المدنية وروح الحاضرة الجامعة الخالد، فسيظلان عصيي الفهم على رجل السياسة، إلا إذا كان هذا الأخير رؤيوياً عظيماً. ولقد عرف لبنان رجالات من هذه الطينة: غسان تويني، فؤاد بطرس، ميشال شيحا، بشارة الخوري، ريمون إده، رياض الصلح، رفيق الحريري... للأسف، ليست هذه الرؤية التي تهيمن على المشهد السياسي اللبناني اليوم، وانعدامها هو ما يثير القلق ويبعث على التشاؤم.

على غرار أرسطو، كان ماكيافيلي يعتبر الحاضرة الجامعة جسماً حيّاً معرّضاً للمرض والموت. مريضةً في كثير من الأحيان، ومتعافاة في بعضها، لا تنفك المدينة تكون هشّة بسبب عدم الاستقرار المتواصل في توازناتها الداخلية. رجل السياسة، بالنسبة الى ماكيافيلي، يشبه الطبيب الذي، بواسطة فنه الخاص، يستخدم مختلف الوسائل لعلاج الأمراض، ولكن أيضا للحؤول دون وقوعها. العامل السياسي لا يتماهى في شكل كامل مع النفوذ والسلطة. جوهر السياسة هو تنظيم الصراعات، بسبب نهجها الذي يشبه العيادة الطبية. لم تنل الاستعارات الطبية التي لجأ اليها ماكيافيلي للحديث عن الحاضرة الجامعة ما يكفي من الدرس.

يمكن مدينةً أن تموت من المرض، أي من الفتنة التي تفكك مجتمع المواطنين، عندما لا يعود يجد "الكبار" (الذين يريدون الهيمنة) و"الصغار" (الذين لا يريدون أن يُهيمَن عليهم) الإطار القانوني والقضائي المناسب لإدارة صراعاتهم. يكفي القانون، في الحياة العامة، لحماية مجتمع المدينة من الخلافات التي تفكك الدولة بواسطة الصراعات التي تولدها. ولكن عندما يصبح انتهاك القانون وتجاهل النصوص القانونية قاعدة الحياة العامة، يمكننا أن نعلن احتضار المدنية وأن نستهيب الخطر القاتل الذي يهدد المواطنية.

بالنسبة الى ماكيافيلي، الفتنة أسوأ من الخلاف البسيط لأنها تنطوي على نية متعمدة فضلاً عن لجوئها الى وسائل مدمِّرة. إنها تعني اتخاذ إجراءات متضافرة ضد الدولة، أو تنحو إلى إثارة العصيان حيالها وحيال السلطات القائمة قانونياً. قد تنجم الفتنة عن منشورات، عن أحاديث، أو عن خطب تحرض المواطنين على إطاحة السلطة القائمة. إنها جريمة ضد أمن الدولة. لكنها مع ذلك مختلفة عن الخيانة لأنها لا تنطوي على أعمال عنف أو تقديم المساعدة للعدو.

نظرة بسيطة الى مسار لبنان منذ أعوام عديدة، تظهر أن هذه البلاد قد تخطت مستويات الفتنة والخلاف، ودخلت في مرحلة عضالية.

ولكن ما هي الآلية التي تستطيع الفتنة بواسطتها تفكيك الانسجام السياسي؟ الأسباب ليست متعددة، لكن من المرجح أن يكون هاجس الهوية الجماعية هو الأكثر قدرة على تفكيك ما احتاج التاريخ والبشر الى قرون لبنائه. الإنتماء إلى هوية جماعية بفخر، هو شعور طبيعي ولكن عصبية التقوقع تشكّل حالة مرضية أو هاجس الهوية الجماعية. إشكالية عصبية التقوقع على الهوية تتميز عن الإشكالية القومية بعوامل متغيرة كثيرة. المطالبة بالأراضي، أو بغيرها، تكاد تكون عنصراً شبه معدوم في أزمات الهوية التي تتميز بنوع من المسرحة يفقد خلالها الممثلون كل اتصال مع الواقع، وكل عقلانية، بحيث يصبح كل كلام إدانات حاقدة وعدوانية.

في فضاء هاجس الهوية الجماعية، تتم مناقشة أحداث جرت لقرون خلت بمرارة الألم الحديث العهد؛ وتُروى مآس جرت لآخرين، ماتوا منذ زمن طويل، كما لو أننا نحن ضحاياها الحاليين. في مثل هذا السياق، يستحيل الحدّ الأدنى من التفاهم مع جارٍ مختلف عنا. ضحية الهوية تعيش، مع رفاق مجموعتها الماضين، في تواصل يشابه في ضيقه وعمقه تواصلها مع أفراد عائلتها الحالية. لا مفرّ من أن نلاحظ أن الاضطرابات الحالية قد زرعت الفتنة في لبنان، وأنها أفرغت الدولة من مضمونها واستعبدتها لهيمنة زمرة. نشرت الفتنة كراهية الجماعات عبر سجنها في غرائزها القطيعية القائمة على الانصهار الطائفي والعصبية.

كان مكسيم رودنسون يعتبر تمثيل الهويات الجماعية للأقليات الدينية في الشرق، قريبا جدا من مفهوم الأمة في أوروبا القرن التاسع عشر. تعيش معظم هذه المجموعات الطائفية (الموارنة، العلويون النصيريون، الشيعة المتاولة، والدروز) في مناطق جغرافية متجانسة ومتماسكة نسبياً، ما سهّل العلاقة المتبادلة بين الأرض والهوية. وقد شكّل أسلوب عيشهم التقليدي عقبة أمام الانتقال إلى المدينية كبوابة نحو المواطنة في قلب المجتمع السياسي. أصبحت هذه الهويات الجماعية، المرتبطة بالأرض بدرجات متفاوتة، مولّدة لمناطق صراع حاد. وأدى استغلالها من جانب مصالح "الآخرين" الى تحويل بلاد الشام (ومنطقة البلقان) الى حقل ألغام، ما إن ضعفت سيطرة الحكومة المركزية للسلاطين العثمانيين. أما إنشاء دولة إسرائيل فقد أدى إلى استفحال التوق الإنتمائي.

لا يمكن إشباع هذا التعطش للأرض إلاّ على حساب روح المدينية، أي روح الحاضرة الجامعة حيث الحيّز العام وحده يسمح بوحدة المتعدد. ليس الإنسان كائناً مستقلاً تماماً في رحم أمه وعائلته، وقبيلته، وطائفته أو عرقه. وحده الفضاء العام للمجتمع المدني يضمن له كيانه الفردي وكل ما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات. هذا هو العامل الذي يمكن قراءته ما بين سطور الانقسام اللبناني، والذي هو، على نطاق أوسع، على المحكّ في سياق الثورات العربية. ثمة رؤيتان تتواجهان: من جهة، تلك التي ترى الى الإنسان كفاعل مستقل، أي كمواطن. ومن جهة ثانية، تلك التي تعتبر الانسان فرداً موسوماً بالهوية الجماعية للمجموعة التاريخية التي ينتمي إليها.

لبنان اليوم على مفترق طرق. إنه يموت نعم، كما تموت في الواقع بلاد الشام بأكملها. ولكن ما يموت تحديداً هو ذلك اللبنان الذي نجا من تفكك الأمبراطورية العثمانية، وعاش بين 1920 و2013، على قول غسان تويني، "قرناً من أجل لا شيء". ما الذي سينبثق من تحت أنقاض بلاد الشام؟ لا أحد يستطيع التنبؤ بالمستقبل، ولكن الجميع مدعوون للتحضير له. ليس لدى اللبنانيين أي خيار، وما عاد في وسعهم خداع أنفسهم. إما أن يوافقوا على تجاوز أوهام هوياتهم الفئوية ويدمجوا الفضاء العام بالحظيرة الطائفية، وإما ينبغي لهم أن يتحملوا بأنفسهم مسؤولية قتل وطنهم.

لقد ساهمت جميع الأخطار التي تزعزع الوحدة السياسية في احتضار لبنان الحالي: الخلاف الناتج من الهوس بالهوية الجماعية؛ الفتنة التي أثارتها عنجهية الجماعات المهيمنة؛ جريمة ذبح المدينة على أيدي الجماعات التي تحدد نفسها بهويتها الضيقة؛ ناهيك بعدم كفاءة السياسيين الذين يفترض بهم أن يكونوا أطباء الحاضرة الجامعة. لكن هذا السياسي- الطبيب لا يرى جسم المريض الذي من المفترض أن يعالجه، بل قطعة من هذا الجسم يمكنه أن يسيطر عليها.

لن يكون للبنان أن يموت إذا ما وافق كل مواطن على ترك رحم الهوية التي تغلق أفق نظرته، وتحول دون إدراكه أن السلام والتعايش، لا العنف، هما وضع الإنسان الطبيعي.