التاريخ: كانون الأول ٢٩, ٢٠١٣
المصدر: ملحق النهار الثقافي
الدولة ليست الحل - وسام سعادة
نُكِبَت الثقافة السياسية اللبنانية، سواء على مستوى الأفكار المتداولة أو على مستوى الخطاب المردّد لهذه الأفكار، بكثير من التجريد والتصنيم في وقت واحد، لمفهوم "الدولة".

ليس ثمة ما هو أسوأ من صنم مجرّد بلا أعراض ولا ملامح، ولا من "دولة" يُجمع الكلّ عليها على رغم اشتداد حدّة النزاع الأهلي في ما بينهم، ويساهم كلٌّ من موقعه، سواء أكان موقعاً "تغلّبياً" أم "انفعالياً" أم "مضاداً للتغلّب"، في تصنيمها، وبحجة تصميمها، وعلى قاعدة إغفال الواقعة الأساسية: أنّه ثمّة أساساً دولة في لبنان، وأنّ أي تغييب لهذا المعطى الاساسي، على تشوهه البنيوي، وهزالة حضوره، وتفاوت هذا الحضور، إنما يرسّخ أوهام "التأسيس من عدم" لنظام سياسي جديد من ناحية، ولأوهام إحياء النظام الذي يرتئيه اتفاق الطائف "بشرط أن يُطبّق". ما بين هذين السربين من الأوهام، تحضر التقليعات عن "دولة وطنية" و"دولة قانون" و"دولة مواطن" و"دولة مدنية" الى آخر المعزوفة. يا لها من ثقافة سياسية استبعادية للحدّ الأدنى من نقد مفهوم الدولة في حضوره اللبناني. "حبيبتي الدولة"، لقد آن الأوان لنقد الحاجة اليك، والتعرّف من خلال هذا النقد إلى انك بالفعل موجودة في وطننا منذ عقود، ولم ينعدم وجودك يوماً، وانه كما أنّ وجودك لم يحل المشكلة، فإن رهانات وانتظارات تعزيزه ورفعك كمثال أعلى فوق الجميع ليس الحل.

يكاد ربع قرن أن يفصلنا عن نهايات الحرب الأهلية اللبنانية، ومع ذلك لا يزال شعار "بناء" أو "إعادة بناء" الدولة تلوكه مختلف القوى السياسية والنخب الثقافية والإجتماعية على مدار الساعة، في الوقت الذي يساهم فيه الجميع، بنسب متفاوتة بطبيعة الحال، في الدفع بالعلاقة بين مركّبات المجتمع اللبنانيّ السياسيّ نحو الإستعصاء على كلّ مقاربة عملية تسعى إلى إيجاد محدّدات أولى للسيطرة على الأزمة الأهلية والشقاق الحادّ الذي يطرح نفسه بفاتورة أخلاقية عويصة، ولا سيّما مع تضمّن هذه الأزمة لبعد "الحرب الأهلية من جانب واحد" التي شنّت على الخط السيادي والائتلاف السنّي - الدرزي - المسيحي من خلال الإغتيالات المتسلسلة، ومن ثمّ العمليات العسكرية التأديبية المذيّلة بتوقيع طائفة من اللبنانيين ضدّ طائفة أخرى، وصولاً الى الإنتقال من هذه المشهدية الأولى الى شبح "الحرب الأهلية المتقطّعة وغير المتكافئة والمتفاوتة بين المناطق"، التي صارت أكثر التصاقاً بالحرب الأهلية السوريّة، ولا سيّما مع اتساع نطاق تورّط مسلّحي "حزب الله" في القتال إلى جانب قوات النظام السوريّ، ومع ازدهار الحركات السلفية المسلّحة ولا سيّما في طرابلس، فضلاً عن تفسّخ الائتلاف السنّي - الدرزي - المسيحي ثم تحلّله، على رغم ثبات مشروع الهيمنة الفئوية الشيعية الذي يقوده ثنائي "حزب الله" و"حركة أمل" تحت قيادة "حزب الله" وبالتفاهم مع تيار العماد ميشال عون بين المسيحيين.

مع ذلك، كلّما تفاقمت الأمور على هذا النحو، تمسّك الخطاب السياسيّ أكثر فأكثر بمفهوم "الدولة" وبنائها أو إعادة بنائها أو "العبور اليها"، كما لو أنه يجري الحديث في المخيلة الجماعية لـ"العبوريين" عن "ديموقراطية أثينية - إنما بين قادة الطوائف"، أو هو يتشرّط عند الخمينيين وأصناف الممانعين أن تكون "قوية قادرة" و"اسبارطية منيعة" وإلا فلا داعي إلى إتمام هذا العبور، وانما الإكتفاء ببناء "المجتمع الإسبارطي الخميني المقاوم" ومعقله الأساسي الضاحية الجنوبية.

لكن "الدولة ليست الحل"، وكلّ تصوّر للخروج من الشقاق اللبناني الحاد والخطير مجتمعياً وكيانياً لا يعوّل عليه ما دام يتمحور حول مفهوم "الدولة" ويرفع "دولته" صنماً بلا سمات ولا ملامح. من قال أساساً إنه "لازم نبني دولة؟"، ومن لا يحلظ أن السؤال الاستنكاري الشعبي الشائع "أينها الدولة؟" إنما يستحضر على الصعد كافة للتجاوز على القوانين، وعلى ممتلكات الدولة، بحجة أنها "غائبة".

في مقابل كل هذا، ندّعي أن الدولة اللبنانية موجودة، وأنّها منذ ظهورها، كدولة مهندَسَة كولونيالياً، في زمن الانتداب الفرنسي، وهي لم تتوقف عن الوجود في أيّ يوم كان، حتى ولو كان تاريخها، هو تاريخ متنقل بين أزمنة انحسار وأزمنة بسط... وانشراح.

وقد جاءت الحرب الأهلية السورية بين "أهل النظام" و"أهل الثورة"، ثم بين كل الإمكانات التي يمكن أن يتيحها مجتمع متفجّر وثائر على وحدته القسرية المزمنة، لتصوّب لنا النظرة إلى حربنا الأهلية اللبنانية ومعها إلى مفهوم الدولة. فالدولة في سوريا اندثرت تماماً من الأسابيع الأولى لاشتعال النزاع، ولتبليغ النسيج الأكثري من المجتمع السوري النظام الفئويّ الأقلويّ العسكريّ بأن لا طاقة لديه على احتماله بعد أربعين عاماً من الإستبداد والقهر من دون أن تطرح الأسئلة الأساسية حول العناصر التي جعلت هذا النظام يستمرّ كل هذا الوقت، والتي من معينها سيصنع الفارق بينه وبين الأنظمة العربية الأخرى، ويتحوّل إلى "نظام ثوري" بمعنى "الثورة المضادة" طبعاً، ويسابق المطالبين بخلعه على النهش في لحم "الدولة السورية"، وإطلاق رصاصة الرحمة عليها.

في سوريا، اختفت الدولة وبقي النظام، وصار ثورياً في دمويّته ضد النسيج الأكثري السنّي المنتفضة شرائح أساسية منه عليه، وكلما استسقى الدم الدم صارت الدولة السورية طللاً عابراً يهزأ من تلقائه من سذاجة المقاربة الغربية التي تزعم، بحجّة التعلّم من خطأ حلّ الجيش في العراق، أنه ينبغي خلع نظام الحكم وإبقاء دولة لم تعد موجودة.

أمّا في لبنان، فمنذ انفجار الحرب الأهلية فيه حتى حسم آخر فصل فيها بالدبابات والطائرات السوفياتية السورية، فقد سقط النظام السياسي ولم تغب الدولة. انحسرت، توارت، انشطرت، تشظّت، لكنها لم تغب. ظلّت موجودة في أحلك سنيّ الحرب. كلّ تاريخ للحرب اللبنانية لا يلحظ الأشكال الغريبة منها والطريفة لاستمرار حضور مؤسسات وأجهزة الدولة فيه، يبقى تاريخاً ناقصاً، وخصوصاً أن التفاوت في أشكال استمرار الدولة ومساحاته في سني الحرب عادت وتركت تأثيرها أو امتداداتها في زمن ما بعد الحرب.

اليوم، فإن هذه الدولة اللبنانية هي بشكل عام أكثر حضوراً في المناطق المسيحية منها في المناطق السنّية، منها في المناطق الشيعية، وفي المناطق الأخيرة تبرز "الدولة المضادة"، "دولة حزب الله"، بل أنّ "الدولة اللبنانية" نفسها لا تحضر في المناطق الشيعية إلا بصفتها "دولة مضادة للدولة اللبنانية"، وهذا يمكنه أن يشمل مرافق سيادية أساسية، كالمطار الدولي مثلاً.

في الحرب السورية اندثرت الدولة باكراً واستمرّ النظام حتى الآن، وإن يكن كنظام احتضار دموي. في الحرب اللبنانية اندثر النظام باكراً وحصل التدخل السوري والاحتلال الاسرائيلي والتقسيم العملي بين المناطق إلا أن الدولة نفسها حافظت على وجودها، سواء الوجود الشكلاني للمؤسسات، أو وجود أجهزتها. فحتى هذه الشكلانية ظلت تأخذ قسطها من الجدية في أسوأ سني الحرب، وبقي للدستور اللبناني كلمة يقولها وسط هذا الأتون كله، وظلّ مشهد حضور النواب من كل جوانب القتال، منظراً يستحق التوقف عنده، لأنه لم يكن مجرّد حضور لدمى كما في مجلس الشعب السوري، حتى ولو تكررت وقائع الإرغام والإكراه. ان التمديد لمجلس نواب 1972 دورة في اثر دورة، جاء يعكس الكيفية التي استمرّ فيها حضور الدولة من حيث هي أساساً مسألة استمرارية للمؤسسات، أي من حيث هي في أول الأمر "أسطورة قانونية مركزية" في العصور الحديثة. "الجيش اللبناني" هو الآخر، انقسم في سني الحرب، لكن لا شيء يقارن بينه وبين تحول "الجيش النظامي" السوري إلى جيش غير نظامي، سواء بالنسبة إلى جسمه الأساسي الذي هو "نظامي" فقط من حيث أنه يقاتل دفاعاً عن نظام "لا ينظّم شيئاً"، أو بالنسبة إلى المنشقّين عنه.

نحتاج إلى هذه المقارنة، بل نحتاج إلى توسيعها لتشمل العراق أيضاً. قبل تهافت البعثين العراقي والسوري، كان يُنظر إلى "الطائفية" على أنها العلّة التي يعاني منها لبنان، واليوم ظهر أنها المشترك الثلاثي بين هذه البلدان الثلاثة، وأنّ ما حصل أن نظام الغلبة المارونية في لبنان سقط نتيجة الحرب الأهلية والضبط السوري الأسدي لنهايتها، في حين أن نظام الغلبة العربية السنية في العراق سقط نتيجة الاحتلال الأميركي والحرب الأهلية التي تبعتها، ونظام الغلبة العلوية في سوريا يكابر اليوم على السقوط. بالتوازي، الدولة نسفت نسفاً في العراق بعد الاحتلال، ثم أعيد تجميعها بواسطة الاحتلال أيضاً، ورست على مشروع غلبة فئوية عربي شيعي بدل ذلك العربي السني. أما الدولة في سوريا فنسفت نسفاً مع "التوازن الكارثي" بين أهل النظام وأهل الثورة في السنتين الأوليين من النزاع، ما يؤدي إلى تدمير المجتمع حالياً من بعد تدمير الدولة، في حين يبقى النظام على دولة مدمّرة، ويبسط نفوذه الميليشيوي، لا النظامي، على قسم من المجتمع المدمّر، في حين يتوسع نفوذ الجماعات الراديكالية على الأقسام الأخرى. أما لبنان، هذا البلد الذي انتهى نظامه السياسي عام خمسة وسبعين، وتأكد ذلك مع نهاية الحرب، أي نظام المارونية السياسية، فإن الدولة فيه كانت استمرّت حتى في ظل تشرذم البلد بين الميليشيات المختلفة والاحتلالات المتوازية. بعد الحرب، وجدت أنظمة طوارئ مفروضة من المحتل السوري، كمثل نظام شبكة الوصاية المخابراتية العسكرية السورية والنظام الأمني المحلي التابع لها، من دون أن يتيح ذلك وغير ذلك، قيام "سنية سياسية" أو "شيعية سياسية" ترث الدور الذي لعبه الموارنة فتعيد بناء الوحدة الوطنية على قاعدة متمركزة حول أحد الدورين، السني أو الشيعي. هذا تأكد أكثر بعد الجلاء السوري عن لبنان. واليوم، على رغم جنون العظمة الذي يطبع خطاب "حزب الله" وهو يمضي بالألوف من شبابه إلى الموت المحتم في سوريا، فإن "الشيعية السياسية" تنفي نفسها بنفسها ما دام مشروع الهيمنة الفئوية الذي يقوده هذا الحزب يجحد بالكيان، ويتحايل على مفهوم الدستور بحد ذاته، ولا يبحث عن ميثاق وطني حتى ولو بشروطه، إنما ينصب نفسه مرجعية تعرف مصلحة كل طائفة أخرى غير منها، وهذه هي الطامة الكبرى. يبدأ التفاؤل في هذا الجانب حين يتوقف كل لاعب عن ادعاء الغيرة على مصالح اللاعبين الآخرين.

قبل عقد من تاريخه، كان التطرق الى المسألة الطائفية اللبنانية يحصرها في نطاق البلد، ولا يعقد صلات عضوية أو مقارناتية جدية بينها وبين المسألتين الطائفيتين العراقية والسورية، وكان النظامان البعثيان يضربان المثل في وطنيتهما العلمانية بالمقارنة مع طائفية لبنان. اليوم، يفتح "تهافت البعثيين" أمامنا كوة للرؤية، وأول الرؤية فصل الاشكالات بعضها عن البعض الآخر. فثمة إشكالية الغلبة الطائفية، مارونية في لبنان قبل الحرب، وشيعية في مسعاها للتغلب اليوم، سنّية في "عراق صدام"، وشيعية في مسعاها لتثبيت معادلتها اليوم، علوية في "سوريا الأسد" ولا يمكن أن تبقى كذلك طويلاً. ثمة في المقابل اشكالية الانتقال من غلبة فئوية إلى أخرى أو الانتقال إلى نظام سياسي لا يسمح بقيام مشروع غلبة فئوية. في العراق، هذا الانتقال تحول سريعاً إلى نقيضه. في سوريا هذا الانتقال هو جوهر العملية السياسية، وسبب امتناعها في آن واحد. ليس نافلاً المقابلة بين "التسيس" المرتفع للحرب اللبنانية، الذي يستدل من كثرة ما شهدت من هدنات ومبادرات، بل من كثرة ما أعلن فيها من "نهايات للحرب"، وبين الحرب السورية، من حيث هي، في أحد معالمها الاساسية، حرب بلا هدنة.

أما في لبنان، فإن الانتقال من غلبة فئوية إلى نظام سياسي لا يسمح بقيام مشروع غلبة، يتطلب أساساً فضح منطق مشروع الغلبة الذي يقوده "حزب الله"، من حيث هو مشروع "مظلومية" و"انتصارية" في وقت واحد، يستعين بشكل متواتر، باللعبة الماركسية. فإذا قضت هذه اللعبة بأن "البروليتاريا" اذ تناضل من أجل السيطرة الطبقية فليس ذلك من أجل تخليد سيطرتها الطبقية تلك وإنما من أجل قيام مجتمع خال من الطبقات، فإنها تترجم في مقال "حزب الله" بأن السيطرة الشيعية، سيطرة المظلومين المنتصرين، والمستضعفين الغالبين، إنما هي المناط بها إلغاء "الطائفية". هنا بالتحديد، وجب التذكير بأن ما يعنيه "حزب الله" وسواه بإلغاء الطائفية هو إلغاء ما لم تلغه أحلك ظروف الحرب في لبنان، حتى بعد سقوط النظام القديم، وما لم تلغه الوصاية السورية، أي الدولة اللبنانية التي استمرّت في الحضور بأشكال متعثرة حيناً، وجسورة حيناً، على رغم كل شيء.

بالتوازي، فكما أن الربيع العربي، بمغادرته السريعة لصورته الوردية النمطية الأولى، لم يعد يسمح بالطعن بالديموقراطية الطائفية اللبنانية بحجة أن ديموقراطيات ليبيرالية وجمهورية وتقدمية باتت تتجاوزها في المنطقة، كذلك وجب عدم الذهاب بعيداً في التبشير بالنموذج اللبناني للديموقراطية التوافقية، ولا في التلفيق الذي يجعلها نظام "فيديرالية شخصية". فالمشكلة تكمن أساساً في التجريد، وأساس التجريد المكابرة على معطيين بشريين: الديموغرافيا، والجغرافيا السكانية.

الديموغرافيا اليوم تعطي أكثرية للمسلمين على المسيحيين، لكنها أيضاً تلفت إلى قسمة عميقة بين السنّة والشيعة في لبنان، بحيث تبرز كديموغرافيا "مثالثاتية" في بلد يقوم نظامه السياسي على "المناصفة"، وتجري مداراة النقاش الأساس حول الطابع الموقت أو غير الموقت لهذه المناصفة. بالتوازي، فإن الطائفة الشيعية تباهي أكثر من سواها بمعادلة العدد، وحزبها الخميني إن شطح في تحالف الأقليات، لا تفوته أي مشادة مع الزعيم الدرزي، لتذكير الدروز بعددهم، وكذلك المسيحيين، مع انه من قال إن المسيحيين ككتلة أقل من الشيعة في هذا البلد؟ هذا ناهيك أنه هذا الصباح، وكل صباح حتى إشعار آخر، يشكل القاطنون في لبنان من السنة نحو ستين في المئة من القاطنين في البلد حالياً، مع احتساب اللاجئين السوريين واللاجئين الفلسطينيين، ولا يمكن وضع هذا المعطى جانباً عند النظر الى المسألة الديموغرافية.

لكن الديموغرافيا ليست وحدها في هذا المضمار. ثمة ما يقابلها، وهو المنسي الأكبر، الجغرافيا السكانية. لقد صنع المسيحيون بهزائمهم في الحرب اللبنانية وانحسارهم أكثر فأكثر في وسط البلاد، منطقة متجانسة ثقافياً ومجتمعياً في ما بينها، تمتد من شكا حتى كفرشيما حتى زحلة ودير الاحمر، ناهيك ب،"جزائرها" من القبيات حتى جزين، وهذا إن لم نحتسب الوجود المسيحي في جبل لبنان الجنوبي. لكن في الاجمال ثمة وجود مسيحي متصل بعضه مع البعض الآخر جغرافياً، ومتعدد في كنائسه كما في تياراته السياسية لكن على قاعدة كبيرة من الاندماج المجتمعي، وتحضر فيه معالم الدولة اللبنانية حيثما تضطرب أو تغيب في المناطق الأخرى، واذا ما قمنا بسحب هذه البقعة المسيحية المتصل بعضها بالبعض الآخر جغرافياً، وهي المناطق الشرقية في أعوام الحرب، زائدة المناطق المسيحية تحت السيطرة السورية في الشمال والبقاع، كنا أمام اختلاف بيّن عن حالة الانفصال الجغرافي على صعيد كلٍّ من مناطق السنّة ومناطق الشيعة.

الديموغرافيا تقابلها الجغرافيا السكانية اذاً. كلٌّ منهما لا يمكن الاستمرار من استبعاد معطياته بعد اليوم، وهذا يعني أن بداية اجتراح المخارج من الأزمة الحالية تكون بالموازنة بين الأمرين. هل يمكن أن يكون ذلك من خارج شيء من الفيديرالية؟ لا. بشرط فهم أن الفيديرالية بالمعنى اللبناني القديم للكلمة، أي المرتبط بذاكرة الحرب، صارت وراءنا، وأن الذي أمامنا هو أفق تحول فيديرالي ثلاثي، في لبنان وسوريا والعراق، يوازن في كلٍّ منها بين معطيات الديموغرافيا ومعطيات الجغرافيا السكانية، ويقرّ التعددية الدينية والمذهبية والاثنية واللغوية والمناطقية على ما هي عليه..