|
مسقط – أمين قمورية
الاقبال الكثيف للناخبين العمانيين على مراكز الاقتراع ووقوفهم، نساء ورجالاً شيباً وشباناً، والانتظار ساعات طويلة تحت شمس حارقة في طوابير للادلاء بأصواتهم لاختيار أعضاء مجلس الشورى، تجعل المراقب يشعر بأن السلطنة الخليجية تقف على عتبة معركة انتخابية حامية بين اتجاهات حزبية عدة او بين توجهات سياسية متناقضة من شأنها ان ترسم مستقبلا جديداً للدولة. لكن السياسة والتوجهات الحزبية أو العقائدية هي الغائب الاكبر عن هذه الانتخابات، في ظل مجلس شورى محدود الصلاحيات دوره الأبرز هو تقديم بعض الاقتراحات الى الحكومة ونقل المطالب الخدمية للمناطق الى السلطة في ظل مجلس اعلى هو مجلس عُمان الذي يتكون من مجلس الشورى المنتخب ومجلس الدولة المعين.
ومع ذلك، فإن الناخبين المقدر عددهم بنحو نصف مليون توافدوا بكثافة الى 105 مراكز انتخابية لاختيار 84 عضواً من بين 1133 مرشحا بينهم 77 امرأة، على أمل ان تفي السلطة بوعدها بتوسيع هامش صلاحيات المجلس في المرحلة المقبلة بعد الاحتجاجات المطلبية المحدودة التي شهدتها البلاد تأثراً بالربيع العربي. لكن التباين يظل قائماً في ظل اراء العمانيين حيال قدرة المجلس على تحقيق ما يصبون إليه على رغم الوعود. فبينما يرى بعضهم أن انتخاب مجلس الشورى ضروري لإجراء الإصلاحات التي طالب بها الشعب العماني خلال الفترة السابقة، يعتقد آخرون أنه لا يحقق الطموحات نظراً الى ما يفتقده من صلاحيات اشتراعية ورقابية.
وقد يجد البعض ممن شارك في الاقتراع ان ما جرى امس هو “عرس وطني”، ويعتبر نقلة كبيرة مقارنة بما كانت عليه حال مجالس الشورى السابقة وطريقة اختيارها وبين ما يجري اليوم. ويقول مسؤول عُماني رفيع في هذا الاطار إن مجلس الشورى “في تطور مستمر، وانه سيفرز في فترته السادسة جيلاً من الأعضاء ذوي الكفايات العلمية، التي من شأنها المساهمة في دفع مسيرة الشورى العُمانية خلال المرحلة المقبلة”. واشار الى ان المرشحين “يجددون الأمل في أن يكون اختيارهم لممثليهم في مجلس الشورى اختيارًا موفقًا، وأن يكون الاختيار موضع ثقة تامة في تحقيق آمالهم”. وفي المقابل، قال مواطن عماني فضل تمضية يومه في المقهى: “الانتخابات ربما لا تغير شيئاً على الاطلاق. انها مجرد وسيلة لاكتساب صورة جيدة واشعار الناس بنوع من الديموقراطية بينما الواقع أننا لن نحصل على اي شيء له أهمية بعد الانتخابات”.
تدريب على الديموقراطية وفي اي حال ان هذه الانتخابات هي أشبه بالتدريب على الديموقراطية التي يعتقد كثيرون انها آتية لا محالة. فالعملية الانتخابية امس كانت تسير على مستوى عال من حيث التنظيم والادارة والنزاهة والدقة وعدم الاخلال بالامن واستعمال التقنيات الالكترونية المتطورة للتدقيق في السجلات والاقتراع والفرز، فضلاً عن إحساس المواطنين بالواجب وممارسة حق اساسي من حقوقهم. ففي ولاية المضيبي في المحافظة الشرقية حيث الغالبية من البدو، حضرت النساء البدويات بكثافة الى مركز الاقتراع يرتدين ثيابهن التقليدية بالالوان المزركشة والبرقع الخاص الفضي أو المذهب على شكل برقع يغطي فقط الجبهة والأنف. وانتظرن طويلاً دورهن وكنا شديدات الحماسة لاختيار المرشح المفضل وليس بالضرورة المرشحات ذلك ان اكبر عدو للنساء هو النساء، كما قال مسؤول أحد المراكز الانتخابية. وثمة وعد بأن يكون اختيار العدد الاكبر من الوزراء في الحكومة المقبلة من أعضاء مجلس الشورى الجديد. وكان السلطان قابوس بن سعيد اختار سبعة وزراء من اعضاء المجلس المنتهية ولايته بعد الاضطربات الاخيرة تأكيداً وتعزيزاً لدور المجلس. كما وعد السلطان الذي يحكم عمان منذ أكثر من 40 عاماً بحزمة انفاق بلغت 2.6 ملياري دولار و 50 ألف وظيفة في القطاع العام، ونحّى جانباً شخصيات قوية عدة في الحكومة ورأس السلطة لا تتمتع بشعبية.
والشعب العماني واحد من أصغر الشعوب سناً، اذ ان نحو 40 في المئة من ابنائه تحت سن الـ 21 وفقاً لأرقام رسمية. ونسبة البطالة بين الشباب مرتفعة. وتخرّج الجامعات المئات لسوق العمل كل سنة من غير أن تكون أمامهم فرص تذكر. وبرنامج الحصص النسبية وهو الآلية التي تستخدم في دول الخليج لتوظيف المزيد من المواطنين، صادف نجاحاً محدوداً. ولايزال المغتربون يمثلون نحو 60 في المئة من قوة العمل في عمان التي لا تملك ثروة من النفط والغاز بحجم جيرانها مثل قطر والامارات. وصنف تقرير للأمم المتحدة صدر العام الماضي سلطنة عمان في المركز الأول في مجال التنمية البشرية مدى الأعوام الاربعين الماضية، لكن شبانها لا يرون الا خيارات محدودة ويشكو كثيرون من ارتفاع مستوى الفساد.
|