التاريخ: آذار ٧, ٢٠١١
المصدر: جريدة المستقبل الللبنانية
 
ربيع عربي يأتي من فرط اليَباس ليس كربيع يأتي من بعد تمهيد - وسام سعادة

ليسَ في ثورات الربيع الديموقراطيّ العربيّ حركات ثورية ولا نظريات ثورية كي تصحّ فيها مقولة "لا حركة ثورية بلا نظريّة ثورية"، التي دُشِّنَ بها القرن العشرون. كما أنّ الحدث المتنقّل من تونس إلى مصر إلى ليبيا واليمن وغيرهما لم يمهّد له بثورة فكرية تنويرية على النظام القديم كما في حال الثورة الفرنسية، ولا بصراع فكريّ حاد كما حال الثقافة الروسية في نصف القرن السابق على الثورة، وإنّما كان الوضع، ولا يزال، أقرب ما يكون إلى اليباس الفكريّ، حيث يتراوح الوضع بين إجترار مقولات نظنّها مفيدة لأنّها نجحت عند سوانا من الأمم، وبين اجتراح أسماء جديدة للعدم.


بمعنى آخر، إنّ مقولة "التمهيد" التي طبعت الفكرة الأوروبية حول الثورة لا أصلَ لها في ثورات الربيع الديموقراطيّ العربيّ. وفي المقابل يحضر نموذج "اللاتمهيد" الذي يستند إلى قانون معيّن للانتفاضات على الدولة السلطانية في العصر الوسيط العربيّ الإسلاميّ: لا تنتفض العامة على حاكم ظالم أو على حاكم عاجز بقدر ما تنتفض على حاكم يكون ظلمه في عجزه وعجزه في ظلمه.
فهل يعني ذلك أنّ لا جديد تحت الشمس العربية اليوم، وإنّما استئناف لقانون الإنتفاضات في العصر الإسلاميّ الوسيط؟ ربّما يكون الجديد أنّ هذا القانون القديم يُستأنَف في ظروف العولمة، وباستخدام وسائط ثورة المعلومات والإتصالات التي ترتكز عليها، وفي ظروف أزمة الديموقراطية على الصعيد العالمية، سواء من ناحية أزمة الديموقراطية الليبرالية في حواضرها (وخير دليل الظاهرة البرلسكونية في إيطاليا، والأزمة الحكومية البلجيكية) أو أزمة التوسّع الديموقراطيّ نحو الشرق (بعد ترنّح الثورات المخملية الأخيرة في جيورجيا وأوكرانيا وهزيمة الثورة الخضراء في إيران).


وفي ما يتعلّق بالجانب الأوّل، أي بأثر ثورة المعلومات والإتصالات، ينبغي التحفّظ على أي "تفسير فيسبوكيّ للتاريخ" من النوع الذي يرى في وسائط التواصل الإجتماعي الإفتراضيّ محرّكاً وضعياً للتاريخ. كذلك ينبغي التحفّظ على كل وهم بإمكان تجاوز "الديموقراطية الليبرالية" في العالم العربيّ لمصلحة إقامة أنظمة سياسية ومجتمعية مقتبسة من أشكال التنظيم الإفتراضيّ على "الفيسبوك"، فهذا تهوّر لا يقلّ شناعة عن الديموقراطية المباشرة بالشكل الذي طُرِحَت فيه في "الكتاب الأخضر".


والحقّ أنّه، قبل ثورة الشعب الليبيّ على "الكتاب الأخضر"، كانت كثيراً من مقولات هذا الكتاب قد نفذت إلى الإعلام المواكب للإنتفاضات، وخصوصاًً مقولات من نوع "اللجان الشعبية" و"الشرعية الثورية" و"سلطة الشعب". هذه المقولات ينبغي "التضحية بها" في الوقت نفسه الذي يرمى فيها "الكتاب الأخضر" في سلّة المهملات.


أكثر من ذلك، تجدر ملاحظة التناقض بين "الطابع الفوقيّ الأوليغارشيّ" للفضائيات ودورها في الثورات الراهنة، وبين "الطابع الشبكيّ الديموقراطيّ المشاعيّ" للإنترنت عموماً، ولوسائط التواصل الإجتماعيّ الإفتراضيّ خصوصاً. وهذه الطبيعة المزدوجة لتكنولوجيات العصر وسُبُل امتلاكها وتسخيرها، إنّما تتقاطع مع الطبيعة المزدوجة للربيع العربيّ نفسه.


فمن ناحية، ينشدّ هذا الربيع إلى كل ما من شأنه اطاحة التسلّط والتوريث والفساد، ويشتاق إلى رؤية تداول السلطة، وتجدّد النخب، والحكم الصالح أو الرشيد.
لكن من ناحية ثانية، تغيب عن هذا الربيع الحماسة لمبدأ الفصل بين السلطات، وللفكرة البرلمانية بحدّ ذاتها، ولا عجب في هذا المجال أن يكون فيلسوفاً فرنسياً يشهر سيف معاداة الديموقراطية البرلمانية ويتفاخر بوفائه للثورة الثقافية الصينية كآلان باديو يغتبط لعدم إتيان الجماهير العربية على ذكر الديموقراطية بالإسم.


والحقّ أن ما يتغبط له آلان باديو هو سبب للتكدّر عندنا. فتداول السلطة لا يمكن أن يستقيم على قاعدة التشكيك العشوائيّ بالأساس الذي قامت عليه الديموقراطية الحديثة، أي حُكم التمثيل.
إنّ بقاء الجماهير العربية مشدودة إلى حلم "الصلة الحميمة" بين القيادات والقواعد بدلاً من حُكم التمثيل، هو أمر كفيل بإعادة إنتاج مشاريع شعبوية تقوّض الإمكان الديموقراطيّ من أساسه، فالمشاريع الشعبوية هي تلك التي ترفض حكم التمثيل بحجة أنّه يفرض وصاية على الشعب، لكنّها إذ تتنكّر وراء مقولة أنّ "الشعب بلغ سنّ الرشد لكي يحكم نفسه بنفسه" مشكّكة بشرعية السلطات التمثيلية، فإنّها تعيد المجتمع إلى مرحلة "ما قبل الفطام".


من هنا، فإنّ المخاض الديموقراطيّ العربيّ وإن كان يمنح القرن الحادي والعشرين تدشيناً تفاؤلياً له مقارنة بالتدشين التشاؤميّ له يوم هجمات الحادي عشر من أيلول، إلا أنّ ثمّة حدوداً لازمة لهذا التفاؤل.
أن تكون معادلة "لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية" قد انتهت فهذا أمر يفتح إحتمالات كثيرة لصناعة التاريخ في عصرنا.. لكن أن يقال في الوقت نفسه إنّ الديموقراطيات التمثيلية قد انتهت، أو أنّه ليس على العرب واجب الإقتباس من ديموقراطية الغرب وليبراليته، وأنّ عصر "اللحاق بالغرب" قد انتهى، وأنّه قد آن الأوان لـ"فك الإرتباط" و"التمركز على الذات" و"تسيير شؤون العباد من طريق الفيسبوك" فهذه مقولات لن تخدم إلا المشاريع الشعبوية على حساب الطموحات الديموقراطية شرقاً، ثم المشاريع الشعبوية التي تنمّي هامش حركتها ضمن الديموقراطيات التمثيلية غرباً.