التاريخ: كانون ثاني ١٦, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
سقوط حكومة الرفاعي هل بات مسألة وقت ؟

عمان - من عمر عساف:


سواء أناقش مجلس النواب الأردني  اليوم الأحد (كما يطلب نواب) مسألة حجب الثقة عن حكومة رئيس الوزراء سمير الرفاعي أم لا، أو صوتوا لمصلحتها أم ضدها، فالحكومة "ذاهبة" أو "ميتة سريرياً"، والبرلمان بدوره فقد ثقة الناس به.


الأكيد الذي ربما لم تتنبه اليه معظم النخب السياسية في السلطة، هو أن مختلف البنى السياسية في المشهد الأردني من حكومة وبرلمان وأحزاب ونقابات صارت خارج السياق الوطني بعدما تاهت بوصلتها عن الطريق إلى ذيبان (منطلق شرارة  التظاهرات) وأبت أن تواكب نبض الشارع.   واستقالة أو إقالة أو سقوط حكومة الرفاعي باتت مسألة وقت، كما يرى كثير ممن يقرأون ما خلف السطور، بتأثير من رياح تونس أو من دونها، بعدما هيأت الظروف لتحرك الشارع على رغم كل جهود السلطة لتقييده. فأن يخرج آلاف المواطنين في الأردن من دون تحريض من حزب أو نقابة أو برلمان،  غير عابئين بإمكان تصدي قوات الأمن لهم، ويهتفون ضد رئيس الوزراء ويطالبون بإسقاطه ويرددون هتافات قاسية ضده، ليس بالأمر الذي يمكن امراره أو تجاوزه والتعامي عنه.
غير أن ما يشغل بال الكثيرين هو "ما الفائدة إذا ذهب سمير وجاء أي شخص آخر؟ وما الذي سيتغير؟".
 
الدستور ولعبة السياسة


من ايجابيات النظام الملكي في الأردن، وما جعله نظاماً مستقراً منذ التأسيس، وحماه من عدوى الانقلابات العسكرية وغير العسكرية في المنطقة العربية هي صلاحية مجلس النواب  (نظرياً في الغالب) بطرح الثقة في أي حكومة، وهو ما لم يحدث سوى مرة واحدة عندما حجب الثقة عن حكومة سمير الرفاعي  (الأول) عام 1963، وكانت النتيجة أن حلّ الملك الراحل حسين آنذاك البرلمان في المقابل و"تاجر" بالحكومة، غير أن ثغرة شكلية شابت قرار الحل (عدم توقيع وزير الداخلية الذي كان خارج البلاد المرسوم) مكّنت النواب من الطعن في القرار والعودة بحكم قضائي ورحيل الحكومة.


السبب الأهم لثبات النظام الملكي حتى الآن هو أن الدستور يتيح للملك استبدال الحكومة ورئيسها، كيفما شاء من دون أن يهتم لرأي النواب، وهو ما حدث عندما منح مجلس النواب الرابع عشر ثقة قياسية لحكومة علي أبو الراغب (74 من 80 صوتاً) ليطيحها الملك عبدالله الثاني بعد 74 يوماً.

لذلك، لم تكن عند الملوك الهاشميين مشكلة مع الشارع الأردني، فكانوا يجسون نبض الشارع، حتى إذا ما احتقن نفّسوا الاحتقان بإطاحة الحكومة ورئيسها وتكليف شخص آخر أكثر قبولاً لدى الناس.
وخير مثال على ذلك حكومة زيد الرفاعي (والد الرئيس الحالي) عام 1989، التي أطاحها الملك الراحل حسين (والد الملك الحالي) بعد انتفاض الشارع ضدها، فيما عرف بـ"هبة نيسان"، وشعر الناس بأن الملك كان أكثر التصاقاً بهم وأقرب إليهم من الحكومة. بل إنه استبق الأمور وألغى الأحكام العرفية وأعاد الحياة البرلمانية وأجريت في ذلك العام أكثر الانتخابات نزاهة في تاريخ المملكة.
 
مراجعة شاملة


غير أن كثيرين يرون أن ربط  تغيير رئيس الوزراء بالملك بات يشكل عبئاً على مؤسسة العرش، إذ  أن مسؤولية فشل الحكومات صارت تلقى على عاتق الملك وخياراته، في الوقت ذاته الذي ينبّه بعض هؤلاء إلى منطوق المادة الأولى في الدستور التي تنص على أن نظام الحكم هو "نيابي ملكي وراثي"، ويلفتون إلى مسألة تقديم المشرّع "النيابي" على "الملكي".
 ويعتقد هؤلاء، ومعهم دعاة مبادرة الملكية الدستورية التي حوربت بشدة عندما طرحت، أنه آن أوان تصحيح المسار وإعفاء الملك من تحمل مسؤوليات الإخفاقات المتتالية للحكومات بما تجرّه على الدولة من أزمات متراكمة.


ويرون أن الوقت الحالي هو الأشد ملاءمة لإجراء مراجعة شاملة لجميع الملفات الساخنة وعلى رأسها الملكية الدستورية وتثبيت مبدأ التداول السلمي للسلطة عبر تاليف حكومات منتخبة، بما ينتج واقعاً وطنياً جديداً يعيد إنتاج الهياكل السياسية من برلمان وأحزاب ومؤسسات مجتمع مدني فاعلة.
وهذا يهيء لإعادة صوغ العلاقات بين مكونات الدولة ويصحح المسارات ويزيل التشوهات التي لحقت بها، التي منها إعادة  العشيرة إلى دورها الحقيقي بوصفها مكونا اجتماعياً لا سياسياً بديلاً للمكونات السياسية الأصيلة.


ويعتقدون أن المراجعة الشاملة بإمكانها طرح حلول ومعالجات لأزمات الداخل بما يحل إشكالية الهوية عند الأردنيين من أصل فلسطيني ويعيد إنتاج الوحدة الوطنية على أسس أكثر عدالة ووضوحاً، ويقوي الجبهة الداخلية المهترئة والمتآكلة.
وهو ما سيمكن الدولة الأردنية من الثبات والتصدي لمشاريع اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يخطط لإقامة الدولة الفلسطينية على الأرض الأردنية.


ويدعو هؤلاء إلى مراجعة جميع القوانين والتشريعات المرتبطة بالحريات والتنمية السياسية وعلى رأسها قوانين الانتخاب والأحزاب والاجتماعات العامة والمطبوعات والنشر بما يتفق مع روح الدستور، الذي يطالبون بإلغاء جميع "التعديلات" التي أضيفت إليه، وإعادته إلى نسخته الأصيلة، كما جاء عام 1952 أو إجراء استفتاء عام على دستور جديد.


 هذا سياسيا، أما اقتصاديا، فالأردنيون، كما قال أحد الباحثين لـ"النهار" قبل ثلاث سنوات،" مستعدون لتحمل المزيد من تبعات متلازمة الفقر والبطالة، ولمزيد من الإجراءات التقشفية وشد الأحزمة، إذا شعروا في المقابل أن الحكومات جادة في العمل على إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية وإن طال الزمن".
غير أنهم قد يجعلون المثال التونسي خلفهم ويتجاوزونه إلى ما هو أشد، إذا استمرت سياسة الاستغفال والاستهانة بعقولهم واختبار المزيد من صبرهم.