التاريخ: كانون ثاني ١٦, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
تونس تطوي صفحة بن علي والمبزع رئيساً بالوكالة يتعهد حكومة ائتلاف وطني
انفلات أمني وحرق ونهب و42 قتيلاً في تمرد في سجن المونستير

تسارعت التطورات أمس في تونس، مع اداء رئيس مجلس النواب فؤاد المبزع اليمين الدستورية رئيساً بالوكالة للبلاد، في تغيير في السلطة هو الثاني في أقل من 24 ساعة في هذه الدولة التي استيقظت على حال من الفوضى، وسط أعمال نهب وسرقة وتمرد دموي في السجون، عقب الاحتجاجات التي دفعت بالرئيس زين العابدين بن علي الى الفرار الى السعودية، ليصير أول زعيم عربي يضطر الى التنحي عن السلطة تحت ضغط الشارع.


وفيما أمضى بن علي يومه الاول في المنفى بالسعودية، أدى المبزع اليمين الدستورية في مكتبه في مقر البرلمان، وقال في كلمة مقتضبة إن المصلحة العليا للبلاد تقتضي تأليف "حكومة ائتلاف وطني". وأكد انه سيحترم الدستور امام رئيس مجلس المستشارين عبد الله القلال ونواب مجلسي البرلمان. ووعد بالتعددية والديموقراطية واحترام الدستور بحذافيره، طالباً من رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد الغنوشي "اقتراح اعضاء الحكومة".

وليس واضحاً بعد ما اذا كان المبزع (77 سنة) الذي كان جزءاً من نظام بن علي، سيدعو المعارضة الى المشاركة في الحكومة، ومن هم الزعماء السياسيون الذين سيبرزون في حقبة ما بعد بن علي الذي سيطر على الحياة السياسية عقوداً موزعاً السلطة على حلفائه ومرسلاً المعارضين الى السجون أو المنفى.

التغيير المفاجئ


وحصلت التغيرات في قمة السلطة بسرعة قياسية، بعد اعلان المجلس الدستوري أمس "شغور السلطة" وعيّن رئيس البرلمان رئيساً للبلاد بالوكالة، وفقاً للدستور.
واستند هذا التغيير المفاجئ الى الفصل 57 من الدستور، وذلك بناء على طلب من رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد الغنوشي الذي أعلن الجمعة توليه الرئاسة بالوكالة، بعد فرار زين العابدين بن علي نزولاً عند ضغط الشارع.


وأبلغ الغنوشي أمس الى قناة "الجزيرة" الفضائية قبيل قرار المجلس الدستوري أن السلطات التونسية تبذل قصارى جهدها لوضع حد للانفلات الامني واستعادة النظام في البلاد، موضحاً أن "الجيش يتولى مع الحرس الوطني ضبط الأمن، ويحاول وضع حد لأعمال السلب والحرق"، داعياً الى "وقف أعمال النهب والحرق التي استهدفت حتى مستشفى في العاصمة تونس".
على صعيد آخر، اعتبر الغنوشي ان "في وسع كل المعارضين السياسيين المهجرين العودة إلى بلدهم، من دون أن يتعرضوا لملاحقات قضائية أو تضييقات"، مؤكداً "إطلاق كل الموقوفين في الاحتجاجات".


وأتى هذا التطور المفاجئ  فيما كانت التحضيرات لمسيرات في مدن تونسية عدة بدأت للمطالبة بتنحي الغنوشي من رئاسة الدولة التي لم يتولاها، إلاّ اقل من 24 ساعة.
وخرج آلاف الاشخاص الى الشوارع قبل أن يتفرقوا نزولاً عند طلب الجيش، عندما أعلن تعيين رئيس البرلمان رئيساً للبلاد بالوكالة.
وخرجت التظاهرات على رغم فرض حال الطوارئ في مدن مثل سيدي بوزيد والقصرين وقفصة والرقاب في جنوب البلاد ووسطها وغربها.


وكان الغنوشي عين بناء على الفصل 56 من الدستور والذي يترك الباب مفتوحاً لعودة  بن علي، لكن القانونيين وأركاناً في المعارضة والشارع طعنوا في الامر.
ويحدد الفصل 57 من الدستور على نحو دقيق الاجراءات الانتقالية على قمة هرم الدولة، وينص على انتخابات تشريعية في مدة أقصاها ستين يوماً، بينما لا ينص الفصل 56 على انتخابات ولا يعطي الرئيس بالوكالة صلاحيات الترشح للرئاسة.


من جهة اخرى، أفادت الوكالة التونسية للطيران المدني في بيان اعادة فتح كل المطارات التونسية امام الملاحة الجوية، غداة اعلان اغلاق المجال الجوي.
وبدأ اجلاء آلاف السياح من تونس. وأفاد مصدر إن نحو 200 شخص غادروا الى دولهم، فيما لا يزال 1800 آخرين ينتظرون رحلاتهم.

حرق ونهب


واستيقظت تونس في أجواء من الضغط، بعد ليلة من النهب في ضواحي تونس نسبها شهود الى انصار الرئيس المخلوع وقوى الامن التابعين لوزارة الداخلية. وحلقت طائرات الجيش الذي دعي الى احتواء العنف في اجواء العاصمة.
وبدأت الشرطة عزل قلب العاصمة التونسية باغلاق الشوارع المؤدية الى شارع الحبيب بورقيبة الرئيسي الذي شهد الجمعة تظاهرات عارمة ادت الى فرار الرئيس. واقيمت حواجز حديد  في الطرق المؤدية الى شارع بورقيبة مانعة السيارات القليلة والمارة من المرور.

 

وانتشرت دبابات وآليات مدرعة لنقل الجند في العاصمة، واعتقل الجنود وقوى الامن قبل الظهر العشرات من الاشخاص الذين كانوا ينهبون المحال والمنازل واقتادوهم في شاحنات.
وعثر على سيارات مسروقة تركت في الطرق، بينما احرقت متاجر فخمة، واستهدفت خصوصاً ممتلكات عائلة بن علي وزوجته ليلى.
وأفاد مراسلو "رويترز" أنهم شاهدوا مجموعات من رجال يرتدون ملابس مدنية يقودون سيارات عبر شوارع العاصمة التونسية بسرعة كبيرة وهم يطلقون الرصاص عشوائياً على مبانٍ وأشخاص.
ولم تتضح هوية تلك المجموعات، ولكن مصدراً عسكرياً رفيع  المستوى أفاد أن أفراداً على صلة بالرئيس  المخلوع  ينشرون انعدام الاستقرار في البلاد.
وأحرقت صور الرئيس السابق وعلق الشبان في المقاهي المكتظة على آخر المستجدات، بينما تشكلت الطوابير امام المتاجر القليلة المفتوحة.


وشهدت أحياء من ضواحي العاصمة ليلة رعب بسبب اعمال تخريب ونهب قامت بها عصابات من ملثمين، بحسب شهادات سكان مذعورين نقلتها القنوات المحلية طوال الليل.
وتعرض المركز التجاري الكبير "جيان" عند المدخل الشمالي للعاصمة التونسية، لعمليات نهب بعد مهاجمته الجمعة.
واتهم بعض السكان عناصر على علاقة بمقربين من الرئيس الفار زين العابدين بن علي بالنهب، وقال آخرون أنها من فعل مساجين حق عام فروا من مراكز اعتقالهم، واتهم البعض الآخر عناصر من الشرطة.
وأفاد ديبلوماسي فرنسي انه شاهد أحد انصار الرئيس الفار يشارك في التعدي على السكان في تونس.

تمرد سجناء


ووسط شرق البلاد، أعلن طبيب محلي مقتل ما لا يقل عن 42 سجيناً في حريق شب في سجن المونستير في أخطر حادث منذ اندلاع الاضطرابات منتصف كانون الاول. وشب الحريق عندما أضرم أحد المساجين النار في فراشه وسط مرقد فيه تسعون سجيناً خلال محاولة فرار تحولت الى ذعر بسبب اطلاق النار قرب السجن.
وفي المنطقة نفسها، اصيبت  نحو 20 امرأة بجروح على يد  عناصر غير منضبطة بلباس رجال شرطة استولوا على اسلحة في بلدة مساكن المجاورة.

وفي المهدية الى الجنوب، اوقع هجوم على سجن ثلاثة جرحى بحسب مدير مستشفى المدينة رضوان حربي الذي اشار الى احتمال سقوط قتلى داخل المعتقل.
وفي غرب تونس، تحدث شهود عن محاولات لشن هجمات على سجني المرناقية وفجة.
وفي القصرين في وسط غرب البلاد، أشار نقابي الى هجوم على سجن المدينة، متحدثاً عن احتمال تورط سكان للافراج عن اقارب لهم.
وبثت قناة "الجزيرة " الفضائية القطرية  أن المواطنين اعتقلوا مدير أمن الرئاسة التونسية علي السرياتي وصهر الرئيس المخلوع علي سليم شيبوب قرب الحدود الليبية عند منطقة بن قردان  خلال محاولتهما مغادرة الاراضي التونسية.

المنفى السعودي


وكان بن علي (74 عاماً) الذي حكم البلاد 23 سنة بلا منازع، فر الجمعة الى السعودية، بعد شهر من اندلاع حركة احتجاج على غلاء المعيشة والبطالة والفساد، في سابقة اطلق عليها اسم "ثورة الياسمين" وامتدت الى مختلف انحاء البلاد واسفرت عن سقوط عشرات القتلى برصاص قوات الامن.
ووصل الرئيس المخلوع ليل الجمعة - السبت الى مطار مدينة جدة على البحر الاحمر، يرافقه ستة من افراد عائلته بينهم زوجته ليلى.
وامتنعت السلطات السعودية عن الادلاء بأية معلومات عن مكان اقامة الرئيس المخلوع او مدة اقامته في السعودية.
وروى شهود  انهم رأوا موكباً رسمياً يتجه بعيد وصول طائرة بن علي الساعة 00:48 (21:48 بتوقيت غرينيتش) نحو قصر الضيوف في حي الحمرا الراقي القريب من الشاطئ. وقال آخرون إن بن علي نقل الى أبهة على مسافة 500 كيلومتر جنوب جدة.
وكانت طائرته حلقت في البداية مساء الجمعة في المجال الجوي المالطي "متجهة نحو الشمال"، كما صرح ناطق باسم الحكومة المالطية.
لكن مصدراً قريباً من الحكومة الفرنسية أفاد ان باريس "لم تكن ترغب" في استقبال الرئيس التونسي المخلوع، مبررة هذا الموقف بالاستياء الذي يمكن ان تعرب عنه الجالية التونسية في فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة.

راشد الغنوشي "سيعود"


وفي لندن، صرح زعيم حزب النهضة التونسي الاسلامي راشد الغنوشي  حيث يعيش منفياً، بأنه "يحضّر" للعودة الى بلاده، معتبراً انه من الممكن تأليف حكومة وحدة وطنية .
وقال زعيم الحزب الاسلامي الذي حظر نشاطه في عهد بن علي إن "هناك تشرذماً" للنظام السياسي، "وقد يستغرق الأمر بعض الوقت للاتفاق على قاعدة مشتركة، على مشروع لمجتمع مشترك".
وليست ثمة صلة  قرابة بين راشد الغنوشي ورئيس الوزراء المكلف محمد الغنوشي.
(وص ف، رويترز، أب، أش أ، ي ب أ)