تتردد في أوساط عدد من المراقبين والمتابعين لقضايا المنطقة أسئلة كثيرة في شأن ملامح تغيير في السياسة الخارجية الأميركية حيال قضايا منطقة الشرق الأوسط ونزاعاتها، لا سيما تجاه الحرب الدائرة في سورية منذ أكثر من ثلاث سنوات. متغيرات عدة حصلت في الأشهر القليلة الماضية أهمها الحدث الأوكراني في أوروبا وتداعياته على العلاقات بين واشنطن وموسكو، وإصرار الرئيس السوري على إجراء انتخابات رئاسية تسمح له بالبقاء ولاية جديدة لسبع سنوات مقبلة، إضافة إلى توقف عملية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية المتعثرة أصلاً على وقع مفاجأة المصالحة الفلسطينية بين السلطة الوطنية وحركة «حماس». بالطبع هذه التطورات تشجع على توقّع، أو تلمّس ملامح تغيير في سياسة الإدارة الأميركية.
إنما إذا أنعمنا النظر، والتدقيق في ما يصدر عن هذه الإدارة في العلن وما تمارسه بالفعل على الأرض في شؤون الشرق الأوسط وقضاياه ونزاعاته، فنستنتج أن سياسة الإدارة باقية على حالها.
أكثر من سبب يدفع إلى هذا الاستنتاج، أولها المفاوضات النووية مع إيران. فلن تعيد الإدارة الأميركية النظر في سياساتها في المنطقة قبل نهاية المفاوضات النووية، أو أقله قبل معرفة مصير هذه المفاوضات، أي حتى نهاية تموز (يوليو) المقبل. كما يصعب أن نتوقع أن توقف واشنطن هذه المفاوضات حتى لو لم يتم التوصل إلى تفاهمات أو تسويات، ما سيؤدي إلى تمديد فترة المفاوضات إلى ستة أشهر جديدة، مرة أو مرتين وحتى أكثر.
السبب الثاني والمتعلق مباشرة بالشأن السوري، مفاده برأي الإدارة الأميركية أنه لم يحصل في سورية حتى الآن أي تغيير حاسم على الأرض يدفع الإدارة إلى إعادة النظر في سياستها تجاه الحرب في سورية.
أما الانتخابات الرئاسية المنوي إجراؤها وعلى رغم وصفها بـ «المهزلة»، فتبقى غير كافية في نظر المسؤولين الأميركيين لاتخاذ مواقف وسياسات جديدة كونها غير جدية في أي حال. ومن جهة أخرى، واشنطن على اقتناع بأن ما يروج في الإعلام من انتصارات يحققها نظام الأسد هو من باب الأوهام لا أكثر وأن ما يجري هو بمثابة Pause أو «وقفة» في حرب طويلة لن تسمح بإعادة تعويم بشار الأسد بعد المجازر والدمار والمآسي والخسائر التي حصلت وستحصل في سورية.
أما السبب الثالث وهو الحدث الأوكراني، فيرى عدد من المراقبين والمعنيين بشؤون العلاقات الروسية - الأميركية أن الوقت لا يزال مبكراً لمعرفة أثر تداعياته على العلاقات بين واشنطن وموسكو. أولاً لأن ما يجري في أوكرانيا لم يرسُ على نهاية واضحة، بل بنظر البعض لا تزال الأزمة في أوكرانيا وما قد تستدعيه من مواقف وأفعال وردود أفعال روسية غير معروفة أو محسومة. ثانياً، واشنطن لم تهضم كفاية حتى الآن ما آلت إليه العلاقات مع موسكو نتيجة الأزمة في أوكرانيا، وفي ظل الدور الروسي في سورية خصوصاً، وفي منطقة الشرق الأوسط عموماً من مصر إلى إيران وغيرهما. وتحتاج واشنطن في نظر خبراء العلاقات مع روسيا إلى مزيد من الوقت لاستيعاب ما يجري قبل أي تغيير في السياسة.
لا تغيير قريباً
تأسيساً على كل ما سبق، وبمعزل عما إذا كان أداء الإدارة الأميركية هذا صائباً أم لا بالنسبة إلى الملفات الثلاثة التي ذكرناها، نستطيع القول إنه إذا صح تحليل المراقبين والخبراء، لن نشهد تغييراً في أداء هذه الإدارة قريباً. وما يرشح عن دعم أميركي لفرق معارضة مقاتلة في سورية، لا سيما في الجنوب وبعض المناطق الشمالية مثل حركة «حزم» وغيرها، لا يعدو كونه توسيعاً مدروساً ومحدوداً لسياسات سابقة بدأت قبل حوالى سنتين.
بل إن ما يجري على أرض المعركة في سورية هو استمرار ممنهج للتدمير والقتل والتعذيب وبكل الأسلحة بما فيها غاز الكلور الذي يحكى عن استعماله أخيراً، إضافة إلى البراميل المتفجرة التي اعتادت وسائل الإعلام الأجنبية الحديث عنها وكأنها أمر مألوف، من منظور أن الحرب في سورية هي جبهات قتال بين دول متحاربة بينما في الواقع تسقط هذه البراميل على رؤوس الأبرياء من المدنيين.
أما خارج أرض المعركة، فتمارس واشنطن ضغوطاً قاسية على الأطراف الراغبة في تسليح المعارضة.
ولا بد في هذا السياق من الإشارة إلى العرض العسكري الأخير بعد المناورات غير المسبوقة للجيش السعودي في حفر الباطن، والذي ظهّر الحذر السعودي من إيران. فهذا العرض تميز بأمرين، الأول استعراض صواريخ «دي إف 3 إس» الصينية. والأمر الثاني هو حضور قائد الجيش الباكستاني الجنرال شريف. فالأمران يعززان صدقية معلومات متداولة بأن المملكة دعّمت قواتها بصواريخ صينية جديدة هي «دي إف 21».
كل ما سبق يؤدي إلى نتيجة واحدة هي استمرار النزف السوري، ما يحوّل سورية إلى اشلاء مدمرة ومتروكة للاهتراء. وفي هذا الإطار، يردد البعض في واشنطن أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بالسيطرة على سورية من زاوية أنه لن يبقى شيء حتى تسيطر عليه إيران.
بالطبع، هذا نوع من المبالغة الفجة التي تدافع عن أداء هذه الإدارة تجاه الحرب في سورية.
ينبغي أيضاً أن يضاف إلى مشهد استمرار الحرب في سورية نتيجة تراجع واشنطن عن القيام بما يساعد على وقفها تفاقم أزمة اللاجئين السوريين في دول الجوار.
ويحاكي التراجع الأميركي عن السعي الجاد والفعال لوقف الحرب في سورية موقف واشنطن المتفرج على تدفق النازحين إلى لبنان. فقد بات العدد يتجاوز المليون ونصف المليون سوري. ما يعني أن أهم مشكلة تواجه لبنان اليوم هي مأساة اللاجئين السوريين بما أنه لا أفق واضحاً لما ستؤول إليه الحرب في سورية، أو متى سيتوقف القتال ويعود السوريون إلى بلادهم.
وفي سياق الحديث عن التغيير أو عدمه في السياسة الأميركية لا يمكن تغييب صورة معركة رئاسة الجمهورية في لبنان. هل يفيد حلفاء إيران وسورية من جمود السياسة الأميركية، ويحصدون ما يسعون إليه من الإمساك بمفاصل الدولة نتيجة انتخابات تأتي برئيس وفق مواصفات يرضون عنها، أو في أسوأ الأحوال عدم إجراء هذه الانتخابات وجر البلاد إلى مؤتمر تأسيسي، وإعادة تركيب النظام السياسي في ظروف أمنية ودولية ومحلية لمصلحتهم؟
أكثر من طرف يقول ومنذ بدايات الثورة في سورية إن هدف إيران البعيد المدى هو الإمساك بالساحة اللبنانية بواسطة طرف أو اطراف مسيحية متحالفة معها تدعم المحور الإيراني - السوري وتساند نظام آل الأسد في ما سيتبقى له من مناطق في سورية القديمة إذا ما قدر له ذلك.
الخشية أن تنجح الضغوط الخارجية ومن أكثر من جهة غربية وعربية في إيصال «الرئيس المسيحي القوي» الذي يرضي «حزب الله»، أو الرئيس الضعيف الذي يرضى عنه ويقبل به الجميع، وفق صفقة ظاهرها تسويات وتفاهمات تجميلية وباطنها إمساك المحور الإيراني - السوري التام بمفاصل الدولة والأمن والاقتصاد (ملف النفط)، ما سيؤدي إلى تداعيات خطيرة أولها تشجيع التطرف في أوساط السنّة، ويهدد الاستقرار النسبي في لبنان.
يردد العارفون أن السياسة الأميركية تجاه لبنان، إذا كان هناك من سياسة تجاه لبنان، تهدف أولا إلى محاربة التشدد والإرهاب، وثانيا المحافظة على الاستقرار النسبي الممكن.
هل تسمح واشنطن بتقويض أهدافها؟ الإجابة تحتاج إلى مزيد من الوقت!
* إعلامي لبناني
|