خطران داهمان يهددان لبنان، الأول كياني والثاني اقتصادي يحمل مخاطر أكبر من التدهور النقدي الذي ضرب لبنان في منتصف الثمانينات من القرن الماضي. وهذان الخطران يجب أن يشكّلا بالضرورة أولوية مطلقة في المستقبل القريب لأي سلطة سياسية قائمة أو آتية. "نحن الوزراء والنواب أفسدنا الإدارة" فؤاد السنيورة
ثمة سؤال يُطرح بإلحاح: كيف يمكن سلطة سياسية (أي الرؤساء الثلاثة ومجلس الوزراء ومجلس النواب) أن تتجنب اتخاذ أي إجراء إزاء تطور يشكّل خطراً غير مسبوق ليس على الاستقرار السياسي والاقتصادي فحسب بل على الكيان اللبناني نفسه؟ المشكلة تكمن في التزايد المستمر في أعداد النازحين السوريين إذ أصبح عددهم المسجّل رسمياً فقط يزيد على المليون نازح. أما العدد الفعلي فأصبح يقارب المليون والأربعمئة ألف نازح، حسبما أعلن وزير الداخلية منذ فترة، بالإضافة إلى بضع مئات الآلاف من العاملين السوريين الموجودين في لبنان منذ سنوات. فإذا اعتبرنا عدد المقيمين في لبنان قبل حركة النزوح حوالى 4 ملايين يصبح عدد النازحين والعمال السوريين في لبنان حالياً يناهز ثلث السكان المقيمين! هذا وضع لم تعرفه دولة من قبل ويشكّل قنبلة موقوتة اجتماعية وسياسية، بالأخص بالنسبة إلى هوية الكيان اللبناني ووجوده، وبغض النظر عن هوية النازح.
عدد النازحين يتزايد يومياً، ومن المتوقع أن يستمر في التزايد لفترة طويلة. طبعاً نسمع الكثير من الشعارات والتصريحات حول التضامن وضرورة إنشاء مخيمات أو حتى توسّل التعاضد الدولي بالنسبة إلى استقبال النازحين. هذه كلمات، أما عملياً فلا شيء يحصل. كيف نفسّر عدم قيام السلطة السياسية لغاية الآن بإجراءات فعلية بالنسبة إلى هذا التطور الوجودي الخطير، وهذا واجبها لا بل سبب وجودها الأول؟
الجواب يبدو واضحاً وبسيطاً بعد قليل من التفكير. إن أصحاب السلطة او القرار السياسي في لبنان ليسوا على احتكاك مباشر بهؤلاء النازحين، كما أن الوضع المالي لأصحاب السلطة وحياتهم اليومية لا يتأثران بهذا الواقع. فالنزوح السوري هو واقع افتراضي بالنسبة لهم. أما فعلياً، فإن الناس ذوي الدخل المحدود هم الذين يعايشون النازح يومياً. كما أن النازح السوري الفقير ينافس اللبناني الفقير على عمله، واللبناني الفقير هو الأكثر تضرراً من هذه الأزمة بالتحديد. والمنافسة شديدة في قطاعات العمل التي ينشط فيها ذوو الدخل المحدود، أي القطاعات التي ينشط فيها تقريباً نصف العمالة اللبنانية بصفتهم أصحاب محلات صغيرة للمأكولات، وسائقي سيارات أجرة، وعمّال مؤسسات خدماتية كالمطاعم ومحطات الوقود، ومقدّمي خدمات بسيطة في المنازل والمؤسسات، هذا بالإضافة إلى النشاط التقليدي للعمال السوريين في قطاعي البناء والزراعة. أضف إلى ذلك أن أصحاب المؤسسات اللبنانية - ويجب تحميل هؤلاء مسؤولية كبيرة في هذا الشأن - يستفيدون من هذا الواقع، إذ يرون في النازح يداً عاملة أرخص من اليد العاملة اللبنانية، إضافة إلى عدم خضوعها لتكاليف الضمان الاجتماعي المتوجبة عليهم.
أما الخطر الاجتماعي والسياسي الذي يمثّله العدد الكبير للنازحين بشكل غير معهود فهو بالنسبة إلى المسؤول السياسي مشكلة مسؤول آخر، وفي كل الأحوال هي مشكلة يمكن توريثها للحكومة المقبلة. وبالفعل، فالدستور يقول بأن السلطة الإجرائية أو التنفيذية هي مناطة بمجلس الوزراء ككل، أي عملياً مناطة بلا أحد إذ لا يمكن تثبيت مسؤولية القرار النهائي على شخص محدد. وسوف يكون باستطاعة أي مسؤول - هذا إذا ما سُئِل يوماً عما فعل إزاء هذا الخطر - أن يقول بأنها كانت مسؤولية الآخر. هذا نظام سياسي بدون "أم صبي".
الخطر الثاني يأتي من الوضع المالي الصعب والمرشح أن يزداد سوءاً إلى حد انفجار أزمة غير معهودة إذا لم تتخذ إجراءات محددة نعرضها أدناه. الوضع المالي، والدين الحكومي تحديداً، أصبح حالياً مصدر خطر كبير على الاستقرار المالي والنقدي. الخطر ليس وليد البارحة، إنما هو نتيجة تراكم سياسات منافع وهدر منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي. أسارع إلى القول هنا إن المسؤولية تقع على السلطة السياسية ككل منذ ما بعد اتفاق الطائف، أي ما يسمّى فرقاء 8 و14 آذار مجتمعين وكل من شارك في السلطة خلال تلك الفترة.
ولتلمّس بعض نتائج تلك السياسات، فلنتمعّن قليلاً في الأرقام التالية، وكلها مستقاة من منشورات وزارة المال. لقد أنفقت الحكومات المتتالية منذ 1993 لغاية 2013، أي خلال 21 عاماً، حوالى 166 مليار دولار، منها 9% فقط (15 مليار دولار) على مجمل النفقات الاستثمارية. نعم 9%، ومن هذه 6 إلى 7% فقط (10-11 مليار دولار) على مشاريع بنى تحتية لما يسمى عادة "إعادة الإعمار". وتتضمن هذه المبالغ طبعاً نفقات هدر وما شابه. لذلك، يُرجى من المسؤولين والمراقبين التوقف عن ترداد أن الحجم الكبير للدين الحكومي مرده الإنفاق على "إعادة الإعمار"، كما يُقال في الأدبيات الرسمية، وحتى في نصوص احتفالية في وثائق اجتماعات باريس. أما القسم الأكبر من هذه النفقات، وهو حوالى الثلثين، فكان أولاً على فوائد الدين ومن ثم على مجمل الرواتب والأجور.
لذلك ليس من المستغرب أن تظل البنية التحتية متردية وبحاجة إلى استثمارات ضخمة. وفي الوقت نفسه، وحسب إحصاءات البنك الدولي، في حين كان الدين الحكومي في لبنان من بين المستويات الأدنى في العالم في أوائل التسعينات من القرن الماضي ارتفع لسنوات ليصبح ضمن المستويات الأعلى في العالم. والمشكلة الأساسية هي أن هذا التدهور كان بسبب النفقات الجارية وليس بسبب الاستثمار الإنتاجي أو "إعادة الإعمار".
إذاً، إن صعوبة الوضع المالي هي تراكمية منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي. وتشديداً على اللامبالاة السياسية، لم يُجر منذ ذلك الوقت أي نقاش جدي حول مسألة الدين سواء في مجلس النواب أو في مجلس الوزراء. لا نقاش بتاتاً. أما الدراسة التي وضعها عملياً صندوق النقد الدولي في نطاق اجتماعات "باريس 3"، فلم يُنفّذ أي من الإصلاحات الرئيسية المقترحة فيها والتي كان من المفترض أن تكون داعمة للمساعدات المالية آنذاك. وحالياً لا توجد أي سياسة مالية محددة لمعالجة مسألة استمرار ارتفاع الدين. والسبب هو نفسه الذي يفسر تجاهل السلطة السياسية للخطر الكياني المتمثّل بالأرقام الهائلة والمتزايدة يومياً للنازحين السوريين في لبنان، فثروات المسؤولين السياسيين خارج لبنان وأوضاعهم المالية عامة هي بالتأكيد بمنأى عن أي تدهور مالي- نقدي محتمل. لذا، لِمَ العجلة في معالجة خطر الدين المتزايد؟
فلنطرح الآن السؤال العنوان. ما هو المسار الاقتصادي-السياسي المتوقع في المدى القريب، فلنقُل خلال الفترة لغاية آخر 2015؟
الجواب السريع هو أن الوضع المالي العام القائم حالياً هو سيئ، ومن المتوقع أن يزداد سوءاً إذا استمر "حزب الله" في القتال في سوريا لفترة غير قصيرة مع ما يرافق ذلك من استمرار المقاطعة الاقتصادية الخليجية من استثمارات وسياحة في أجواء نزوح سوري ضاغط باستمرار. إذاً من الأرجح أن يبقى مستوى النمو الاقتصادي ضعيفاً إن لم يصبح سلبياً، وأن تستمر أي حكومة في الإنفاق بدوافع سياسية وبغض النظر عن الوضع المالي أو الاقتصادي عامة، مما سيدفع مستوى الدين الحكومي نسبة إلى الناتج إلى مستويات خطيرة، أي إلى مستويات سوف تزيد من كلفة وصعوبة إعادة تمويل استحقاقات الدين، وهذا كحد أدنى.
هذا التوقع يرتكز أيضاً إلى مؤشرات اقتصادية غير مطمئنة. فهناك هبوط حاد في النمو الاقتصادي منذ العام 2011 وصل، حسب ما قدّر البنك الدولي أخيراً، إلى 0.9% في العام 2013، وذلك مقابل معدل سنوي مقداره 9.2% خلال 2007-2010. وعاد العجز في الموازنة نسبة إلى الناتج المحلي إلى الارتفاع بشكل ملموس، وذلك لأول مرة منذ 2006، فتعدّى 140% في 2013 مقابل 134% في العام السابق. أما المؤشر الاقتصادي الأكثر دلالة في هذا السياق فهو العجز في ميزان المدفوعات لثلاث سنوات متتالية (2011-2013) وذلك لأول مرة منذ الاستقلال، وهو أمر لم يعرفه لبنان حتى خلال أعوام الحرب.
هذه المؤشرات مقلقة وليست خطيرة بحد ذاتها لو لم يصاحبها الواقع والتوقعات التالية: استمرار الحرب في سوريا كما مشاركة "حزب الله" فيها، وبالتالي استمرار النمو الاقتصادي الضعيف في أحسن الأحوال إن لم يتحول إلى انكماش اقتصادي أي بنسب نمو سلبية، واستمرار ارتفاع العجز والدين بشكل رئيسي من خلال استمرار ارتفاع عدد العاملين في القطاع العام وارتفاع النفقات إجمالاً، وبالأخص عجز السلطة السياسية، إن لم يكن عدم اهتمامها الفعلي بمعالجة هذا التطور. خبير اقتصادي
|