بدأت ثورة أحمد عرابي مطلع العقد التاسع من القرن الـ19، بمطلب بسيط هو مساواة المصريين بغيرهم في الترقي إلى المناصب العليا في الجيش، ولكنها استحالت بعثاً للعسكرية المصرية من مرقدها، وتأكيداً على بروز الوطنية المصرية في مواجهة التحدي البريطاني. وعلى رغم هزيمة بدت منطقية لرجل حارب جيشاً متقدماً بقوات متقادمة، وجابه إمبراطورية عالمية من داخل فضاء ولاية «خديوية»، فقد كان جرحها غائراً، حتى أن المصريين سمّوها آنذاك «هوجة عرابي»، وهو اسم حمل تساؤلاً مريراً: هل يستطيع المصريون (الفلاحون) أن يستعيدوا حضورهم السياسي والعسكري في التاريخ بعد طول قطيعة... هل في مقدورهم أن يبنوا الجيش ويخوضوا الحرب أم أن مسلك عرابي نزوة عسكرية وهوجة سياسية؟
وفي تموز (يوليو) عام 1952 انتفض الجيش المصري ضد مؤسسة الحكم الملكي، والاحتلال البريطاني، على نحو مثل تكراراً (ناجحاً) لثورة عرابي، قام به الجيل الأول من شباب المصريين «أبناء الفلاحين» والطبقة الوسطى المحدودة، الذين دخلوا الكلية الحربية بعد معاهدة 1936، وكانوا جميعاً من ربيبي حركة التحرر الوطني بشتى أطيافها؛ ولذا فإن القول بهيمنة الجيش على النظام السياسي لجمهورية يوليو، لمجرد أن الرؤساء الثلاثة لجمهورية يوليو كانوا ضباطاً في الجيش، يبقى بحاجة إلى مراجعة، بالنظر إلى نوعية الضباط الذين قاموا بالثورة، إذ لم يكن تكوينهم الشخصي عسكرياً (تقنياً)، بل أقرب إلى (إنتليجنسيا عسكرية)، حيث انتمى الكثيرون منهم إلى تيارات سياسية راوحت بين اليــسار واليمين والإخوان المسلمين، لعل بعضهم كان معجباً بعرابي نفسه، وبدعوته إلى تحرير العسكرية المصرية من قبضة غير المصريين، بينما كان آخرون يقدرون سعد زغلول وثورة 1919 وحزب الوفد، على رغم انتقادهم تردده في قضيتي الاستقلال الوطني، والأزمة الاجتماعية.
في هذا السياق، تبرز أهمية السمات النفسية لقادة الجمهورية الأولى الأكثر بروزاً، فالأول «جمال عبدالناصر» لا يمكن اعتباره مجرد عسكري ضل طريقه إلى السياسة إلا إذا اعتبرنا قادة تاريخيين من طراز نابليون بونابرت، وشارل ديغول مجرد عسكر. فالمؤكد أن ناصر كان قارئاً واعياً للتاريخ، مدركاً لمنطق سيره ولطبيعة القوى المتحكمة فيه والصانعة له، غاضباً من هيمنة الغرب على شرقنا العربي، توّاقاً إلى الخلاص منها. يشي بذلك موقفه في حرب فلسطين وإدراكه المبكر لجوهر الصراع في المنطقة والوظيفة الحضارية لإسرائيل. ويشي بذلك أيضاً وعيه العميق بدور قناة السويس ليس على المستوى الإستراتيجي أو الاقتصادي فحسب، بل على المستوى الرمزي كمعنى ومغزى، ومن ثم تلهفه الشديد على تأميمها رغم الاخطار المحدقة؛ لأن فعل التأميم لم يكن يمثل له مجرد تحقيق عائد مادي أو سياسي، بل كان فعل تحرر كامل من ذلك النوع الوجودي الذي يؤسس للذات القومية / الحضارية، إذ يخلقها خلقاً ويصهرها صهراً على طريق إعادة اكتشاف نفسها، وهو أمر صدق تماماً في ما بعد، حيث غير قرار التأميم وما تبعه من ملابسات الحرب والديبلوماسية في طبيعة النظام الدولي القائم، وأدى - وفق الراحل العظيم جمال حمدان في كتابه «استراتيجية الاستعمار والتحرير» - إلى توقيف موجة الاستعمار وتدشين موجة التحرير في التاريخ السياسي العالمي أواسط القرن العشرين.
أما الثاني (أنور السادات)، فيصعب القول إنه حكم باسم الجيش بين عامي 1970-1981، لأن رتبته العسكرية كانت قد توقفت عند مــستوى (رائد) عندما قامت الثورة وترك الـــخدمة نهــائياً. بل إنه كان انقطع عن الخدمة لسنوات عدة عندما فُصل منها بتأثير نشاطه السياسي إبان الحرب العالمية الثانية، فلم تمتد خدمته سوى سنوات قليلة. والأهم من ذلك أنه قضى بالبزة المدنية نحو 18 عاماً، خدم خلالها في مواقع عدة من بينها رئاسته مجلس الأمة، ناهيك عن عمله نائباً للرئيس عبدالناصر قبل توليه الحكم بعام واحد.
وعلى العكس كان الثالث (حسني مبارك) قائداً عسكرياً كبيراً، غير أنه لم يحتل موقع الرئاسة بانقلاب عسكري أو ترشيح مباشر من الجيش، بل ورث السلطة من سلفه، بعد سبع سنوات تقريباً من مغادرته الخدمة العسكرية، قضاها في موقعه السياسي الجديد نائباً لرئيس الجمهورية.
لقد نهض المشروع الناصري بمهمة بناء الجيش الوطني على قاعدة الدولة الحديثة، فتم الانصهار الكامل بين الجيش والشعب في بوتقة الوطنية المصرية، ولم يقم الجيش بتكرار الانقلاب ضد أي نظام حكم قائم بعد ذلك لرسوخ عقيدته العسكرية، كجيش وطني. وعلى رغم أن رأس الجيش وقائده العام، ظل ضابطاً برتبة كبيرة، إلا أنه كان دوماً برتبة وزير، أي عضو في حكومة يرأسها وزير أول مدني، فيما ظل رئيس الدولة هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولم يعرف طوال 60 عاماً منصرمة خلافات وقعت بين القيادة العامة (العسكرية)، والقيادة العليا (المدنية) وصلت إلى مستوى عال من التحدي أو الخطورة.
وربما تحدث البعض عن أن الجيش قام بنصف انقلاب على الرئيس السابق يومي 9 و 10 شباط (فبراير) اضطره إلى التنحي، غير أن أي مراقبة لمسار الثورة المصرية لا تجد دلائل على هذا الانقلاب، على رغم إمكان ذلك، النظرية على الأقل. فقد تدخل الجيش بطلب رئيس الدولة، وعندما تدخل أخذ موقف الحياد، وحمى الدستور والشعب، وكانت حمايته للرئيس في بداية الأزمة نتيجة تلقائية لحمايته الدستور، وعندما تأكد له تعارض الشرعية الدستورية مع الــشرعية الشعبية، ومصالح البلاد مع شرعية النظام، حسم موقفه لمصلحة الوطن والشعب، وذلك أمر متقدم جداً قياساً إلى دور الجيش في النموذج التركي مثلاً، قبل حكم العدالة والتنمـــية، بل إنه يكاد يلامس دور الجيوش في العالم الغربي خصوصاً فرنسا. وإذ لا يمكننا اعتبار عام حكم الإخوان المشوّه والمختزل، جمهورية ثانية بالمعنى الحقيقي، بل نبقيه مجرد عام استثنائي في مرحلة انتقالية معقدة، فإنني شخصياً لا أخشى من الدور الســـياسي للجيش في الجمهورية الثانية (الحقيقية)، وإن أتى منه رئيس الجمــهورية المقبل، إذ لن يستطع أن يفعل شـــيئاً لمصلحة رئيس فقد شرعيته في نظر الجماهير وإن كان قائده السابق، ولن يستطع كذلك، بعقيدته الوطنية، الانقلاب على رئيس آخر لديه شرعية شــعبية، وإن لم ينتم إلى المؤسسة العسكرية.
غير أن الخشية تأتي من الدور الاقتصادي المحتمل تمدده في الواقع المصري، وهو أمر تتبدى في الأفق بوادره، سواء في ما يتعلق بإشرافه شبه الكامل على محور تنمية قناة السويس، أو بإسهامه المتوقع في مشروع المليون وحدة سكنية المزمع تنفيذه بالتعاون مع شركة «إعمار» الإماراتية، أو بإسهاماته الواسعة (الراهنة)، خصوصاً في قطاعات كالطرق والإسكان وغيرها، وهو أمر يفترض منطقياً أن يزداد نمواً في المستقبل القريب.
مصدر الخشية هنا هو الخبرة السلبية للستينات، إذ تمدد الجيش في الحياة العامة المصرية تمدداً واسعاً، فترأس قادته شركات القطاع العام، والأندية الرياضية والمؤسسات المدنية الحكومية، واحتلوا المواقع الكبرى في أجهزة الخدمة المدنية والبلديات، فكان منهـــم المحافظون، ورؤساء المدن، ناهيك عن الإســهام الكبير في الحكومات المتــعاقبة، مع التكـــنوقراط نتيجة التجاهل الشــــديد والضــعف الأشد للقيادات المدنية الحزبية والسياسية، على نحو أفقد الجــيش المـــصري احترافيته تدريجاً، وأفـــسد الحــياة العامة في المقابل، وكان للأثرين معاً دور كبير في هزيمة يونيو العسكرية!
وعلى رغم أن الجيش لم يذوِ مع الهزيمة، وأن المجتمع لم يتفتت مع النكسة، مثلما تفتت بعد انكسار المشروع العلوي، حيث كان المشروع الناصري تمكن من صوغ كتلة تاريخية حديثة، تراكمت لديها طبقات سميكة من الروح الوطنية أمكن معها استعادة الاحترافية العسكرية، فلم يمر وقت طويل قبل أن تنتصر حرب أكتوبر للمصريين، تجاوزاً للنكسة، فإن الذي لم تتمكن مصر من تجاوزه حتى عاصفة 25 يناير، هو ذلك الانحياز من جانب بنـــية الدولة وأجهزتها البيروقراطية إلى المكون العسكري على حساب المكون المدني.
وفضلاً عن ذلك، أعطى الجيش، خصوصاً في العـــقد الأخير من حكم الرئيــس الســابق، صلاحية مطلقة في أمور هيكلته وتــســليحه وموازنته، تخرجه من دائرة المحاسبة البرلمانية، التي كانت غائبة عملياً وإن لم يكن تـــشريعياً أو قانونياً، بحكم العرف الناجم عن الهيمنة المطلقة لرأس الدولة، ومقايضاته الكثيرة على استبداده والتي صنعت في النهاية ما يسمى بـ «الدولة الرخوة»، وهو أمر سلبي يجب السعي إلى تجاوزه وليس إلى إعادة تكريسه، وإلا فهو العجز عن استيعاب درس التاريخ، التاريخ المصري نفسه.
قد يكون مفهوماً أن يعتمد الرئيس المقبل على الهيئة الهندسية في القوات المسلحة، وأجهزة الخدمة المدنية بها في الفترة التالية لانتخابه مباشرة، نتيجة للانهيار الواضح في أجهزة الخدمة العامة ومؤسسات الدولة المدنية والتي لا تساعد على تحقيق إنجازات سريعة يحتاج إليها الحكم الجديد، إذ تكاد تكون القوات المسلحة هي الجهاز الوحيد القادر على العمل المنظم، والإنجاز الفعال في مصر حالياً. غير أن ذلك الحال لا بد من أن يكون مدروساً بدقة، سواء في حدوده، فلا يكون هناك ذلك التوسع المفرط، أو في زمانه، فلا يكون له طابع الاستمرار الطويل، وأن يتوازى معه العمل السريع على تقوية أجهزة الدولة المصرية، فلا يكون الجيش بديلاً منها، وهو أمر لا نتصور أن الجيش بعقيدته الوطنية ســيمانعه، لأنه لا يصدر عن موقف سلبي منه، ولا عن تعصب للمكون المدني ضده، ولا حتى عن فهم يتصور صراعاً وهمياً بين الجانبين، بل من إدراك يؤمن بضرورة التخصص وتقسيم العمل لأي مجتمع حديث، ويسعى لأن يبقي الجيش في أعلى درجات الجاهزية، فلا يكون هناك ما يشغله عن مهمته المقدسة في حماية البلاد من العدوان الخارجي في ظل ظروف يفــترض أن يتــعاظم فيها الدور الإقليمي لمصر مع ما يثيره ذلك من ثارات وتناقضات وربما صراعات تطرح عليه تحديات كبرى، وتفترض منه جاهزية أكبر.
* كاتب مصري
|