الثورات هي بمثابة براكين اجتماعية، تلقي بنيرانها، وسوائلها وغازاتها على ما حولها من زرع وضرع وبشر، وهي أيضا تنطوي على اقتلاع للأنظمة الاجتماعية والسياسية والقيم السائدة، والنخب المُهيمنة والحاكمة، واستبدالها بنُخب ومؤسسات جديدة. وبتعبير آخر فإن الثورة هي هدم القديم واستحداث الجديد. وبين لحظة الهدم ومرحلة البناء يختلط رُكام القديم بمواد بناء الجديد، فيبدو المشهد أقرب إلى الفوضى، تعلو فيه الأصوات، ويسقط أو يتساقط فيه أفراد، وفئات، وطبقات، وتسيل فيه دماء، ويؤخذ كثير من الأبرياء بالشُبهات. ولأن الوطن العربي، الذي يمتد من الخليج العربي إلى المُحيط الأطلنطي، بسُكانه الذين يصلون إلى خمسمائة مليون، يقع في أهم أرجاء المعمورة، ويقع على أهم بحار العالم «الأبيض والأحمر والأطلسي والهندي»، ويتحكم في أهم مضايقه «جبل طارق، وقناة السويس، وباب المندب، ومضيق هرمز». فقد سال لُعاب كل القوى العُظمى للسيطرة عليه، لاستغلال موارده، خاصة من النفط والغاز، واستغلال عُماله وأسواقه وأراضيه، وحرمان الخصوم من الفوز بتلك الموارد والأسواق. فقد كان ولا يزال متوقعا أن تكون هناك توترات داخلية في أقطارها، واقليمية بين تلك الأقطار، ودولية مع قوى أعظم. وبسبب هذه التشابكات والتعقيدات، ينبغي للخُبراء والنُشطاء العرب أن يُبادروا الى تنظيم حوارات حول تبعات ومسؤوليات ثورات الربيع العربي. الجدير بالذكر في هذا الصدد ثلاث مُشاهدات: ■ أولها، أنها وضعت حدا للمقولات الاستشراقية، التي روّج لها برنارد لويس (Bernard Lews) وصامويل هنتنجتون (S. Huntington) التي تدعي أن الإسلام والثقافة العربية مُعاديتان للحُرية والديمقراطية، وحقوق الإنسان، فجاءت ثورات تونس ومصر وليبيا والبحرين وسورية لتدحض هذه المقولة المغلوطة. ■ ثانيها، أن شباب الأمة العربية «18-30 سنة» هم الذين فجروا ثورات الربيع العربي. وهم الذين ضحوا بأرواحهم أو مستقبلهم من أجل رفعة بلادهم. ومع ذلك خرجوا من مهرجانات هذه الثورات بخُفّي حنين إلى تاريخه. ■ ثالثها، أن الشعوب العربية كسرت جُدران الخوف التي أقامها حُكامها المُستبدون حولهم، طيلة العقود الستة الماضية. لذلك لن يستطيع أي حاكم جديد، مهما كانت شعبيته وقوته في اللحظة الراهنة، أن يحكم حُكما مُطلقا أو مُستبدا، فشعبه سيكون له بالمرصاد، رقابة وحسابا. وهذه الحقائق الثلاث تستوجب دراسة وتحليل توابعها حاضرا ومستقبلا. ومن ذلك تحديدا ما يلي: أولا، ضرورة دعم الشباب «أي من هم دون الأربعين من أعمارهم» لاسترداد ثوراتهم، التي اختطفها منهم الإسلاميون في بعض بُلدان الربيع العربي، أو العسكريون في بعضها الآخر. ويكون ذلك بالنص في دساتير هذه البُلدان على نسبة لا تقل عن أربعين في المائة من مقاعد المجالس المُنتخبة والهيئات التنفيذية، للشباب الذين هم نصف الحاضر وكل المستقبل. ثانيا، ضرورة دعم المرأة، التي هي نصف المجتمع، وهي الأم والزوجة والابنة، في المُشاركة السياسية والمجتمعية الفاعلة. وعدم الاكتفاء بالعبارات الغامضة أو المطّاطة، من قِبل «تمثيل مُشرّف أو مُناسب»، والنص صراحة على نسبة لهُن في كل المجالس المُنتخبة والهيئات التنفيذية، لا تقل عن خمسين في المائة. وهو أقل ما يجب لتعويضهن عن حرمانهن تاريخيا ومُعاصرة. ثالثا، وبمُناسبة الحِرمان التاريخي، والشيء بالشيء يُذكر، فإن الأقباط بدورهم يستحقون تعويضا عن حِرمانهم التاريخي من المواقع التي يستحقونها في هيكل السُلطة، رغم أنهم الأكثر تعليما، والأكثر وعيا، والأكثر مُساهمة في الناتج المحلي الإجمالي لمصر، فنسبتهم في إجمالى السُكان هي 11 في المائة، ولكنهم يُساهمون بنسبة أربعين في المائة من الناتج القومي. فلا أقل من أن يكون هناك نص صريح يضمن لهم هذا الحق المُستحق. طبعا، تم الاستفتاء على الدستور، واقراره، ويبدو الوقت مُتأخرا للأخذ بهذه المقترحات. ولكن لا مانع من أن يطرحها الطامحون، للبرلمان خلال الأشهر الستة القادمة. *مفكر وكاتب مصري
|