التاريخ: حزيران ١٧, ٢٠١٤
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
مصر والأمل الحذر - أمين الياس
لا يمكن أي زائر لمصر أن يعود خائبًا. فمهما كانت حال مصر وناسها، فإنّها تبقى كتلة حياة وحيويّة لا تهدأ.
 
صحيح أنّك ستلاحظ لحظة خروجك من أحد مطاراتها، أكان مطار القاهرة الجميل أو مطار برج العرب – الإسكندرية الجديد، أنّ مصر تعِبَة. طرقاتها مترهّلة، إضاءتها شبه معدومة، فوضى عارمة في السير وعدم احترام للإشارات الضوئيَّة، تعديّات على الأملاك العامَّة (خاصّة البحريّة منها على "شط اسكندريّة")، النفايات مبعثرة في كل مكان، رجال أمن يفقدون بعضًا من هيبة الأمن وهيبة الدولة. غير أنَّ مصر، وبعد البحث الأكثر عمقًا، هي أكثر من هذا بكثير.

قد يكون أهمّ ما يميّز "هبة النيل" أنَّ أهلها يعشقونها. فحبّ مصر باد في عيون وهمسات وحركات معظم المصريّين أكانوا أساتذةً أو طلّابًا أو مدراءَ كليَّات أو تجّارًا أو عمّالًا أو سائقي سيارات عموميَّة. فكل ما يمسَّ هذا الحبّ، أو كلّ ما يمسّ "الوطنيّة المصريّة" أو "القوميَّة المصريَّة" آيل إلى الزوال أو إلى الهزيمة. هذا تمامًا ما حصل مع "الإخوان المسلمين" الذين باتت تهمتهم اللصيقة بهم، بحسب ما يتداوله المصريّون، تغليبهم "القوميَّة الإسلاميَّة" على "القوميّة المصريّة". فلا شيء، بالنسبة للمصريّين، يعلو مصر ومصالحها وكرامتها ودورها الإقليمي ووزنها في رسم سياسات ومصائر هذه المنطقة.

ربما كانت "خطيئة الإخوان الكبرى"، أنّهم أعطوا الشعب المصري انطباعًا بأن الأمّة الإسلاميّة (كبُعد سياسي) أهمّ من مصر، وأنّ المسلمين، أينما كانوا ومهمن كانوا، هُم أهمّ من المصريّين. فسياسة الإخوان كما يصوّرها الكثير من المصريّين كان فيها الكثير من التخلّي عن ميزات مصر وقوّة ومصر ودور مصر، الى درجة أنّهم وجدوا أنفسهم غرباء، في لحظة ما، عن أرضهم، عن تاريخهم، وعن بعضهم البعض.

وعليه، لا يتردّد الكثير من المصريّين في اعتبار خروج الإخوان من الحكم هو ضرب من ضروب "التدبير الإلهي". يقولون: "لقد حاول [الرئيس السابق] حسني مبارك تشويه سمعة الإخوان وصورتهم طوال ثلاثين عامًا، غير أنّ ما قام به الإخوان خلال سنة واحدة من حكمهم كان كافيًا لتدمير صورتهم بشكل كبير عند قسم مهمّ من الشعب المصري".

يكفي لك، لتلاحظ مدى غربة الإخوان عن الروح المصرية، أنْ ترى الناس وهي تحتفل بانتخاب المشير عبد الفتاح السيسي رئيسًا للجمهورية. فهذه امرأة ثلاثينيّة، محجّبة تلبس الجلباب المصري الأسود الضيّق، ترقص على أنغام "بشرة خير" وسط الميدان القريب من "قلعة قتباي" برفقة ابنتها التي لم تتعدَّ الثماني سنوات أو التسع وسط ليل الاسكندريّة الصاخب، وهي محاطة بمئات من النساء والرجال الذين يرقصون هم أيضًا. فكيف لمجتمع، محافظ نعم، ولكنّه محبّ للغناء وللرقص وللسهر وللفنون وللاختلاط أيضًا، أنْ يحكمه أناس يحرّمون الفن والاختلاط مع الجنس الآخر ومع أتباع الأديان الأخرى؟ سؤال يمرّ لحظة في ذهنك أنت وتمرّ بسيارتك وسط الحشود الفرحة بانتخاب من يعتبرونه ممثّلًا لروح مصر وتاريخها ودورها.

تبوّؤ المشير السيسي منصب رئاسة الجمهوريّة هو فاتحة مرحلة جديدة في مصر. مرحلة ينتظر فيها الرأي العام المصري الخروج من حالة عدم الاستقرار التي أصابت مصر منذ 25 يناير 2010؛ حالة من اللاستقرار تحوّلت بفعل حكم الإخوان المسلمين إلى عدم توزان أصاب كلّ أوجه الحياة المصريّة. واضح ممّا تسمعه من المصريّين حول انتخابهم الرئيس السيسي فكرة أنّهم وجدوه الرجل الأكفأ لإدارة هذه المرحلة. رجلٌ يأتي من موقع يجعله قادرًا على فرض رأيه وأجندته ليس فقط على الكارتيل الذي يسيطر على مصر، بل أيضًا على الدول الداعمة لحكمه من مثل السعودية والإمارات ودول الخليج عامّة التي تبدو مستعدّة لتمويل مصر مقابل أنْ تقوم مصر، بفعل قوّة جيشها، بلعب دور الضامن الأمني لاستقرار هذه الأنظمة أكان بوجه القوّة الإقليميّة الإيرانيّة أم بوجه المشروع السياسي للإخوان المسلمين الذين، وما أنْ وصلوا إلى حكم مصر، حتّى بدأوا يمدّون أيديهم إلى دول الخليج بهدف زعزعة استقرارها وأخونة أنظمتها.

وإذا كان السيسي، في نظر المصريّين هو الأكفأ حاليًّا لإدارة المرحلة، فإنّه يدرك تمامًا أنّ شعب مصر لم ينتخبه مكافأة له. بالعكس، إنّ السنوات الأربع المقبلة هي فترة امتحان للرئيس المصري الجديد. إذ يبدو المصريّون مصممين على المحاسبة؛ يقولون: "لقد انتهت تلك الأيام حيث يمتد عهد الرئيس إلى ثلاثين أو أربعين عامًا. فمن أسقط حكم [الرئيس] مبارك وحكم الإخوان ليس عاجزًا عن إسقاط أي أحد آخر لا يلبّي تطلّعات الشعب المصري". فالمصريّون يعتبرون أنّ من واجبهم الوطني أنْ يعطوا السيسي فرصة لتحسين أوضاع البلاد، وهذه الفرصة قد تمتدّ لأربع أو لثماني سنوات. غير أنّهم يطلبون في المقابل السَيْر بمصر نحو الامام ولو حصل الأمر ببطء. هم مستعدّون للتضحية لعِلْمِهم بأنّ مستقبل مصر على المحكّ، من هنا إصرارهم على حقّهم بالمحاسبة.

يشكّل الرئيس السيسي نقطة تتقاطع فيها مصالح قوى عدّة داخل مصر. من ناحية، يمثّل السيسي سلطة الجيش المصري بما تمثّله هذه المؤسّسة الأمّ من قوّة قوميّة ومعنويّة وعسكريّة واجتماعيّة واقتصاديّة. بناء على هذا الواقع، ومع مجيء السيسي رئيسًا، انتهت حالة الصراع الضمني بين سلطة الظلّ التي يمثّلها الجيش المصري والسلطة المدنيّة-الدينيّة الظاهرة التي مثّلها سابقًا الإخوان المسلمون. فوجود السيسي، بصفته المدنيّة، على رأس الدولة المصريّة، هو ضمانة مهمّة للجيش المصري تسمح له بالانكفاء عن التدخّل المباشر والفجّ في الحياة السياسيّة اليوميّة. ذلك أنّ الرئيس السيسي لن يحكم مصر إلّا من ضمن الثوابت العامّة الاستراتيجيّة التي تحكم خيارات الجيش المصري في الحفاظ على أمن مصر القومي.

من ناحية أخرى، فإنّ السيسي أيضًا يأتي بدعم من الكارتيل الاقتصادي المسيطر على مصر. فالجيش المصري، بشكل أو بآخر، هو أحد أهمّ مكوّنات هذا الكارتيل. غير أنّ ما يميّز الرئيس السيسي، هو أنّه ليس صنيعة هذا الكارتيل، بل إنّه يُمكن اعتباره "أوّلًا بين متساوين". إذًا، ومن موقعه القوي داخل هذا الكارتيل، يستطيع الرئيس السيسي أن يحفظ بشكل أو بآخر مصالح هذا الكارتيل دون أن يكون ألعوبة بين يديه؛ الأمر الذي سيمكّنه أيضًا من فرض الكثير من الإجراءات الإصلاحيّة على هذا الكارتيل بما يساهم في عمليّة إعادة توزيع للثروة على المصريّين. ويبدو المصريون مطمئنين إلى هذا الجانب من شخصيّة الرئيس السيسي ذلك أنّه يبدو قريبًا من الكثير من علماء مصر وفنانيها والنُخب المثقّفة أكانوا داخل الإقليم المصري أم في دول الخارج، والذين لديهم العديد من الخطط والدراسات والمشاريع الإنمائيّة التي، وفي حال تحقيقها، يمكن مصر أنْ تحقق قفزة مهمّة في عمليّة التنمية المستدامة وتحقيق العدالة الاجتماعيّة. هناك أيضًا ناحية مهمّة من نقاط قوّة الرئيس السيسي وهي وعيه لأهميّة أنْ يكون على علاقة طيّبة مع السلطتين الدينيّتَين في مصر، وأقصد بهما مؤسَّسة الأزهر والكنيسة القبطيّة. وقد كان هذا الأمر واضحًا منذ 30 يونيو عندما قرر المجلس العسكري تنحية الرئيس محمد مرسي بمباركة الأزهر وكنيسة مصر. فالسيسي لن يعمد، كما حاول الإخوان، أنْ يفرض رأيه، من الناحية الدينيّة، على الأزهر وأن يشاركه السلطة والمرجعيّة الدينيّة على مسلمي مصر. أمّا في ما خصّ الكنيسة القبطيّة، فإنّ الرئيس السيسي يبدو واعيًا لمدى التأثير القوي لهذه الكنيسة في شريحة كبيرة من الشعب المصري، خاصّة أنّه يعلم مدى مساهمة هذه الكتلة في تحرّك 30 يونيو وفي الاقتراع الكثيف له في انتخابات الرئاسة.

إذًا، وبعد ثلاث سنوات من المعاناة وعدم الاستقرار، يبدو المصريّون متفائلين بحذر. رجلهم المختار، وهو الرئيس السيسي، تحت الامتحان والتحدّي. بالنسبة إليهم، لا مجال للتمييع ولا لإضاعة الوقت. فمستقبل مصر ومصيرها في خطر. هناك حاجة ملحة للتغيير، للإصلاح، لتحديث البلاد ولتنميتها. وكلّ ما هو أقلّ سوف يواجه بغضب وثورة الشعب المصري من جديد.

دكتور في التاريخ المعاصر