|
للوهلة الأولى يبدو طبيعياً الاعتقاد بأنّ سقوط نظامي حسني مبارك وزين العابدين بن علي، الحليفين للغرب، يصبّ في مصلحة إيران التي تُقدّم نفسها على أنها رأس حربة العداء للغرب في المنطقة. لكنّ النظرة الاستراتيجية المتفحّصة لا تُقدّم مؤشرات واضحة بأنّ هذه النتيجة أكيدة، وهذه النظرة الاستراتيجية تعتمد على عناصر منها:
أولاً، أنّ الانتفاضات والثورات العربية، تكاد لا تعطي أيّ شاهد على أنّ فريق «الممانعة» في المنطقة في حال أحسن، من حيث التذمر الشعبي والاحتجاجات السياسية والجماهيرية، فالبنية التحتية لقيام مثل تلك الاحتجاجات لجهة غياب الحكم الرشيد وتغلغل الفساد والاستبداد وشح الحريات وإفقار المجتمع تنموياً وسياسياً... عوامل قائمة ومتجذرة بكل قوّة في دول الممانعة ومجتمعاتها، حتى ليصحّ القول: إن الممانعة لا تملك المناعة من الثورات الداخلية وهبوب رياح «ربيع» مصر وتونس وليبيا عليها، فالعدوى تكاد تعمّ الجميع. وما يلفت الانتباه، استطراداً، أنّ أكثر الدول التي فرضت حظراً معلوماتياً على الإنترنت و «الفايسبوك» و «التويتر» و «يوتيوب» أو تشويشاً على تغطية القنوات الفضائية للأحداث في تونس ومصر وليبيا... كانت إيران والصين وكوريا الشمالية، إضعافاً منها لعامل المحاكاة والمشابهة من قبل شعوبها!!
ثانياً، لقد كان الثوار الشباب في مصر حريصون منذ البداية على أنّ ثورتهم هي من صنع أيديهم ومن دون مساعدة أجنبية أو خارجية وعلى الخصوص أميركية. وكان الثوار الليبيون حريصون وهم يقبضون على عناصر من القوات الخاصة البريطانية على الأراضي الليبية أنْ يبعثوا برسالة غاضبة تقول إنّ مثل هذه الممارسات تُسيء إلى ثورتهم من خلال تقديم الفرصة للقذافي بـ «تخوينهم» وإضعاف صورتهم أمام الناس. ومنذ البداية أعلن المصريون رفضهم لتدخل أميركا وإيران و «حزب الله» (أليس عميق الدلالة توقف السيد حسن نصر الله عن خطاباته الموجهة للمصريين؟) وفي هذا إضعاف لأحد الأسس التي قامت عليها اللعبة الإعلامية الهجومية في إيران، والتي تعزف على مسألة التدخل الخارجي في الدول الحليفة للغرب في المنطقة.
ومن جانب آخر، بدا أنّ الخيار الذي تسعى الجماهير العربية إليه هو خيار الديموقراطية والحرية والتنمية العادلة وليس الخيار الإيرانيّ أو الإخوانيّ. وما تقوله إيران إنّ الثورات العربية تستلهم الثورة الإسلامية الإيرانية، يتبدى أنّ عكسه هو المرجّح، حيث يستلهم مير حسين موسوي ومهدي كروبي «الربيع العربي» في الدعوة لإصلاح نظام خامنئي - نجاد. وهذا كله يعني أمرين اثنين: الأول، إفلاس الإيديولوجيا الثورية الإيرانية في مواجهة احتجاجات الداخل وإقناعه بصلاح النموذجين السياسي والتنموي اللذين تقدمهما تلك الإيديولوجيا. والثاني خسارة ما يسمى بـ «حرب الأفكار» مع المحيط العربي. وليس فقيراً بالإيحاءات (حتى لو افترضنا أنه موقف تكتيكي) إصرار «الإخوان المسلمين» في مصر على أنّ ما يريدونه دولة مدنية لا دينية، أو قول راشد الغنوشي زعيم «حركة النهضة» في تونس إنّ ما يجذبه نموذج تركيا لا نموذج إيران.
والمقاربة السابقة تكتسب رجاحتها في ما إذا كان البديل الذي يتبلور في تونس ومصر بعد مبارك وزين العابدين، وربما في ليبيا بعد القذافي، هو نموذج ديموقراطي يجمع بين التسامح السياسي وحكم القانون وبناء دولة المؤسسات وبين بدايات ازدهار اقتصادي سيكون ثمرة لـ «الحوكمة» ومحاربة الفساد وتفعيل أدوات الرقابة والمحاسبة والمساءلة في الحياة العامة. ثالثاً، يمكن التعافي المصري المقرون بالصعود الواضح للوطنية المصرية وعودة الاعتزاز بالنفس، على خلفية النجاح السلمي التاريخي للمصريين في تنحية الرئيس حسني مبارك، أنْ يُقدّم دفعة معنوية هائلة، ودفقاً عاطفياً قومياً يأبى أنْ يكون تابعاً لخطاب إيراني مغلق، تسلل إلى شرائح من المجتمعات العربية نتيجة المأزق السياسي الذي تعانيه الأنظمة، وهو مأزق لا نقول إنه انتهى في حالة مصر تحديداً، ولكنّ الأكثر ترجيحاً أن الكُوى التي فُتحتْ في مصر لتجاوزه وتخطيه عقب ثورة «25 يناير»، باتت، على الأغلب، شبه مقفلة على الرياح الإيرانية.
وإذا كان المحلل الإسرائيلي ألوف بن ذهب في قراءته لعبور البارجتين الإيرانيتين إلى قناة السويس مؤخراً إلى أنّ سماح القاهرة بعبور البحرية الإيرانية يدل على «تغيّر في ميزان القوى في المنطقة»، قائلاً إن ذلك يشير إلى أنّ «مصر لم تعد ملتزمة التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل تجاه إيران، وأنها راغبة في التعامل مع إيران»، فإن المرجّح، حتّى لو تحسّنتْ العلاقة بين القاهرة وطهران في العهد المصري الجديد، فإن هذه العلاقة ستكون قائمة على المنافسة الإقليمية بعيداً من اختلال أدوات وأوراق القوّة من جانب القاهرة، والذي حكم شكل هذه المنافسة في السنوات الأخيرة لحكم حسني مبارك. * كاتب أردني
|