في ضوء كل التخبط السياسي الذي يغوص فيه عالمنا العربي وما يتبلور في أرجائه من دويلات طائفية وإتنية، طبيعي أن يتساءل البعض إن كانت أجناس من البشر تفضل أجناساً أخرى. لكن لو استنطقنا بعض الفلاسفة لأطلعونا على مفاتيح النوعي من السلوك اللذين قد يقع فيهما أو يرقى اليهما أي نوع من الناس، وفق الظروف التي يجد نفسه فيها.
ففي "استعباد النساء" يلاحظ جون ستيوارت ميل أن النساء القريبات من السلطة، مثل العائلات المالكة أو الإقطاعية في زمنه في إنكلترا كنّ يخضن النقاش بالأمور السياسية والشؤون العامة ويفضلن موضوعات كهذه للحديث بينما كانت تقتصر أحاديث نساء الطبقات البعيدة عن السلطة على الموضوعات الأضيق تأثيرًا مثل شؤون الأولاد والعمل المنزلي وأسعار السلع.
وفي "نقد الفكر الديالكتيكي" يبيّن جون بول سارتر بشكل دراماتيكي ومقنع كيف يتحوّل الإنسان من فرد مسؤول إلى غوغائي ضمن قطيع من فاقدي المسؤولية الفكرية عندما يشعر أن حياته وحياة الجماعة التي ينتمي اليها مهددة بالخطر من جماعة أخرى. أما فريديريش نيتشه فيعتبر أن الخوف ممن يفوقونه قدرة يبعد الإنسان عن الاهتمام بالإبداع الفني أو بالتعبير عن ذاته الحقيقية، ويغرق الأذكياء في نسج الحبائل للإيقاع بمن هم أقوى منهم، بينما يستكين الأقل ذكاء للعيش ضمن قطيع يحكمه إما "السيد" وإما الذكي (الكاهن المتقشّف) الذي استنبط قيمًا تأخذ السيادة من أصحابها وتعطيه إياها.
فلو حاولنا تطبيق هذه الآراء الثلاثة على وضعنا القائم لوجدنا:
1 - وفق نظرة ميل: إن من شأن نظامنا الديموقراطي أن يشعرنا أننا أرباب السلطة الأقرب إلى القدرة، لكن مخلّفات تاريخية وتقليدية زدناها على النظام وعلى ما نتمسّك به من دستور الطائف تشعرنا بالبعد، كأفراد، عن مواقع القرار وتجعلنا نرزح تحت نير مخلفات بالية لا تعني فراداتنا ولا تعني شيئًا أيجابيًا لوطننا. فالطائفية والعشائرية ورسوخ أشخاص وعائلات في مواقع السلطة مهما حصل ومهما أساؤوا ومهما برهنوا عن ضعف قدراتهم القيادية أو حتى الذهنية تجعلنا نشعر بأننا واقعون ضمن قطعان من طوائف وأزلام، وأننا كأفراد أصحاب فكر وإرادة لا نقدّم ولا نؤخر في الوضع القائم والمستنسخ.
النظام الديموقراطي يتطلّب أن نكون أفراداً مسؤولين عن المصلحة العامة، بينما العناصر المناقضة له تحيلنا إلى ببغاوات تردّد فكر الطائفة وأقوال الزعيم. الجميع يتكلّم في السياسة، لكن قليل من شبابنا المستنير يطالب بإلغاء النظام الطائفي ويبدي قلقًا على البيئة ويستفزهم تفتيت الجبال لتحال إلى دراهم زائلة في جيوب بعض أصحاب البطون الكبيرة التي لا قعر لها، أو يقلقهم ما يرافق هذا التفتيت من تحويل جبالنا الفارهة الجميلة إلى أبنية فارغة يؤذي قبحها العيون وتمنع الهواء عن الصدور. أما أكثر الكلام في السياسة فتشاطر لا يصل إلى نتيجة أو ترداد لبروباغندا يبثها زعماء مرتهنون يحيلون خوفنا من العدو إلى خوف من أبناء وطننا الذين يجمعنا بهم المصير الواحد.
ومن الأدلة على أن تشاطرنا في الكلام في السياسة هو غير الاندفاع المسؤول إلى تغييرٍ منقذ أو محسّن للأوضاع على الأرض ما وجده إدمون غريب في إطروحته للدكتوراه. إذ وجد أن مقالاتنا العربية تنتهي بالنقد والتفنيد دون تقديم الحلول بينما المقالات في الصحف الأميركية تكرّس حوالى ثلثها لطرح الحلول للمشكلات المعروضة.
2 - وفق نظرة سارتر: أما الخوف الذي يهدّد البقاء، فنعيش أصنافا منه، منها الحقيقي ومنها ما تختلقه المخيّلة الغوغائية في خوفها على بقائها أو خدمة لنرجسية مجروحة بسبب التفكير الفئوي المنبث في أذهان الناس. فالخوف من عدو ظالم سارق تسانده معظم القوى العالمية حوّلنا من أفراد مرتاحين لاستخدام عقولهم بتؤدة وثقة (كما يظهر في فكر وأدب وأفلام وموسيقى ما قبل احتلال فلسطين) إلى جماهير هاربة لا تدري متى يحين دورها في التخريب والقتل وسرقة الأرض والدوس على الكرامة. ولأننا نشعر بقلة الحيلة أمام هذا الخوف الطاغي، ولأننا فقدنا عقلانيتنا في مواجهته، أخذ بعضنا يتماهى بالقوي المنتصر على طريقة: "اليد التي لا تقدر على كسرها قبّلها وادعي عليها بالكسر"، وحوّل آخرون الخوف إلى مكان أسهل، أي من خوف من العدو إلى خوف من بعضنا بعضاً مسيحيين ومسلمين و/أو سنة وشيعة.
3 - وفق نظرة نيتشه: ولو رأى نيتشه كل هذا الخوف الذي يعيشه معظمنا، وما أضيف اليه من امتعاض فئات بيننا من كون بعضنا واجه العدو الذي كنا قد أقنعنا أنفسنا أنه لا يقهر ولا يواجه، لقرر أننا ابتعدنا أكثر وأكثر عمّن يحملون قيم "الأسياد" الصادقة الصافية وقويت لدينا قيم "العبيد" المرائية والتي يحكمها بالدرجة الأولى الخوف من الآخر. لكن يوجد بين "عبيد" نيتشه من يسميهم "الكهنة المتقشّفين" المخططين الناجحين بناة الحضارات ولو قلّ عندهم الإبداع الصاعد من حيوية الذات واقتصر إبداعهم على حيل منظّمة لإبداعات الآخرين تحكمها الرغبة في الاستيلاء على السلطة وعلى ما أنتجه سواهم. أما ما يوازي هؤلاء عندنا فهم من يتبنون نظرة تجعلهم أربابًا على القيمة، دون أن يهتموا بتنمية أتباع لهم كما يفعل من يصفهم نيتشه لأنهم يسارعون إلى قتل المغايرين لهم دون أن يعطوهم مجالاً كافيًا ليغدوا من أتباعهم. والفرق الثاني بين هؤلاء وبين "الكهنة المتقشفين" عند نيتشه أن الآخرين يسرقون الحضارة من مبدعيها ويحافظون عليها محوّرين قيمها لمصلحتهم، بينما "كهنتنا" يسعون إلى القضاء على كل معالم الحضارة على طريقة "عليّ وعلى أعدائي يا رب" مما يظهر أنهم ليسوا من بين الأكثر ذكاء بين فاقدي السطوة.
ولعل الأكثر ذكاء عندنا من بين فاقدي السلطة أو الاقتدار يستخدمون ذكاءهم في التقرّب من أصحاب السلطة أو المال بدل تقويض سلطة هؤلاء وزعزعة دعائمها كما يفعل "كهنة" نيتشه. فمعظم ما نسمعه على التلفزيونات وما نقرؤه في الصحف من تحاليل فذة وآراء ذكيّة تبقى بعيدة عن الإبداع الناهض من حيويّة الذات المسؤولة أو المنطلق من إرادة خيّرة للتغيير الجذري الذي لا يكون جذريًا إلا بانتقاد المسؤولين عن التردي ومحاولة إزالتهم من مواقع القرار.
إذًا، فوفق ما يقوله هؤلاء الفلاسفة، لسنا في الأصل جنسًا بشريًا أقل من سوانا، لكن ظروفنا تبعدنا عن السلطة وعن العقلانية الراديكالية الجريئة المؤدية إلى تغيير القيمين عليها. فـ "كهنتنا المتقشفون" يفضلون ممالأة ذوي السلطة على مواجهتهم ويتشاطرون للتقرّب منهم لا للحلول في أماكنهم. ولا أعتقد أن هذا الاختلاف يعود إلى الجنس المتوارث بل إلى تاريخ من العيش كمحكومين.
لكن إن كنا واقعين تحت ظروف لا يد لنا فيها، فلنا اليد في أمور قد تغيّر ما نتخبط فيه. ففي متناولنا كأهال ومربين أن نربي أولادنا على الشعور بأنهم أصحاب سلطة وقرار وبأنهم مواطنون وليسوا أزلامًا لأحد. يمكننا العمل على أن نزيل عنهم الخوف من وهم "الخطر الشيعي أو التكفيري"، بإقناعهم أن الخطر يكمن فقط في ما يؤدي اليه هذا الخوف. أما الخطر من العدو الحقيقي فقد أعطيناهم مثلاً واقعياً على أن مواجهته ممكنة من طريق التعبئة الواثقة من النفس وطريق التكاتف الذي عشنا أجمل معانيه مع معظم مواطنينا في 2006. فالتربية والمثال من شأنهما أن يزيلا عنصر الخوف المسربل من نفوس أبنائنا.
وحالياً نرى بيننا أعداداً، ولو قليلة، من أولادنا وأحفادنا من المجندين للدفاع عن البيئة وعن الطبيعة الصحية الجميلة وعن المواطنية الجامعة. فليتنا نملك الشجاعة والتواضع الخلاقين لنسير خلفهم ونستلهم قيادتهم. فإن كانت تربيتنا الطائفية العشائرية وتاريخنا المحكوم يجعلاننا ميؤوسًا منا، فأحرى بنا أن نسلّم قيادنا لأولادنا وتلامذتنا، من تخلصوا من عقد الخوف والتبعية. هم تربوا على غير ما تربينا عليه، فغدوا لا يصلحون أزلاما ولا قطعانا ولا متلهين بفائدة آنية هاربة أو متلهفين على ثروة زائلة. دعونا نلحق بهم وهم على أرض الوطن قبل أن يغادروه ويغادرونا يأسًا منه ومنا فنخسرهم ويخسرهم، وهم، على ما يبدو، أمله الوحيد.
|