التاريخ: آذار ١٣, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
 
التطرف الإسلامي في أميركا: اسئلة نمطية بلا أجوبة - هشام ملحم

جلسة الاستماع التي نظمها يوم الخميس النائب الجمهوري بيتر كينغ للنظر في ما سماه "مدى التطرف في الجالية الاميركية المسلمة وردها على التطرف" والتي اثارت جدلا غير مسبوق واتسمت بالحدة وبالمشاعر العاطفية القوية، لم تكن الاولى من نوعها التي تنظمها لجان الكونغرس ولن تكون بالطبع الاخيرة.
وخلال السنوات الخمس الماضية جرى تنظيم اكثر من 22 جلسة مماثلة في مجلسي النواب والشيوخ لمناقشة مشاكل التطرف في الجالية وسبل مكافحته ومحاولة تقويض جهود تنظيم "القاعدة" وغيره من التنظيمات لتعبئة الشباب المسلمين في اميركا للقيام بعمليات ارهابية في داخل الولايات المتحدة وخارجها. معظم هذه الجلسات كانت تطرح الاسئلة المقلقة حول هذه الظاهرة الجديدة، او الاسئلة المثيرة للاستغراب لانها نابعة من اقتناعات نمطية، ومعظمها خلا من الاجوبة المنشودة.


عاصفة الانتقادات التي سبقت وأعقبت جلسة كينغ تعود بمعظمها الى شخصية هذا النائب ومواقفه وتصريحاته الاستفزازية، واتهاماته المبالغ فيها مثل ادعائه ان 80 في المئة من المساجد في اميركا يقودها رجال دين متطرفون، من دون ان يقدم أي دليل لدعم مثل هذا الاتهام، ولسجله السابق كمدافع قوي عن "الجيش الجمهوري الايرلندي" حتى في الوقت الذي كانت تصنفه الولايات المتحدة رسميا كتنظيم ارهابي.


معظم الانتقادات التي وجهت الى كينغ، بما فيها طريقة اختياره الشهود للمثول امام لجنة الامن الوطني التي يرأسها، مثل استبعاده ممثلين عن المنظمات الاميركية المسلمة الكبيرة، كانت محقة، لانها تساهم كما قالت النائبة الديموقراطية شيلا جاكسون لي في "شيطنة وتشويه" سمعة الجالية المسلمة في اميركا.
ورجح النائب الديموقراطي بيني طومبسون العضو في لجنة الامن الوطني ان تصير الجلسة مصدرا لتعبئة المتطرفين. في حين عبر النائب الديموقراطي كيث أليسون، اول اميركي مسلم ينتخب عضواً في مجلس النواب، بشكل مؤثر للغاية عن معاناة المسلمين من الصور النمطية عنهم في المجتمع الاميركي حيث يتم تشويه سمعتهم بسبب اعمال افراد مسلمين، محذراً من خطر التشكيك بوطنية الجالية المسلمة بسبب الاعمال الشريرة التي يقوم بها بعض المنتسبين اليها.


وكان كينغ قد اظهر ان هذه المخاوف حقيقية حين قال قبل الجلسة: "هناك خطر حقيقي على البلاد يأتي من الجالية المسلمة، والطريقة الوحيدة للوصول الى جوهر الحقيقة هو التحقيق في ما يحدث في اوساط الجالية". ولم تبالغ افتتاحية لصحيفة "النيويورك تايمس" حين اتهمت كينغ بتخويف الاميركيين من المسلمين واستغلال المخاوف النابعة من الاعتبارات الأتنية والدينية بدلا من معالجتها.
واظهر استطلاع للرأي اجرته منظمة غالوب، ان 52 في المئة من الاميركيين يوافقون على جلسة الاستماع مقابل 38 في المئة قالوا انهم لا يوافقون عليها. ولكن الاستطلاع اظهر ايضا ان اكثرية الاميركيين لا يعتقدون ان المسلمين في اميركا هم متطرفون جدا في معتقداتهم الدينية او انهم متعاطفون مع تنظيم "القاعدة". ومع ذلك اظهر الاستطلاع وجود مواقف مقلقة ايضا، من بينها ان هناك عددا متزايدا من الاميركيين الذي يعتقدون ان المسلمين في بلادهم ملتزمون بدينهم اكثر من التزامهم بالولايات المتحدة.


وتعرض كينغ للاتهامات بأنه يمارس المعايير المزدوجة او الخبث لانه اظهر في السابق تعاطفا وتأييدا قويا للجيش الجمهوري الايرلندي في ثمانينات القرن الماضي حين كان هذا التنظيم يقوم بعمليات تفجير او هجمات ضد القوات البريطانية والتي كانت تؤدي الى وقوع ضحايا مدنيين ايضا. وكان كينغ، المتحدر من اصل ايرلندي، يدافع بقوة عن الايرلنديين "الذين يناضلون ضد الامبريالية البريطانية في شوارع بلفاست" في ايرلندا الشمالية، وقال في خطاب القاه عام 1985 انه " اذا قتل مدنيون في هجوم ضد منشأة عسكرية فهذا شيء مؤسف بالتأكيد، ولكنني لا استطيع من الناحية الاخلاقية لوم الجيش الجمهوري الايرلندي بسببه".


واثارت جلسة الاستماع بعض الاسئلة الضرورية والعميقة التي لا تناقش عادة في مثل هذه الجلسات، او حتى بين المسلمين انفسهم، من بينها الاسئلة التي طرحها احد الشهود الطبيب زهدي جاسر الذي يرأس منظمة اسمها الملتقى الاسلامي الاميركي للديموقراطية، الذي يدعو المسلمين للاندماج الكامل بالمجتمع الاميركي وعدم اعتبار انفسهم كجالية خارج هذا المجتمع. ويهدف جاسر من هذا الملتقى الى تقديم بديل من التنظيمات الاسلامية المعروفة في اميركا والتي يرى انها لا تحارب التطرف بشكل مفتوح وصريح. ويدعو الى ما يسميه "جهاداً مفتوحاً" ضد التطرف ويتهم العديد من المساجد في اميركا بتشجيع "الاسلام السياسي" بدلا من "الاسلام الروحي". وقال ان هناك اقلية من المسلمين تريد البقاء خارج النسيج الاميركي وان هذه الاقلية ترى "ان الاولوية هي للدولة الاسلامية، وان القانون الاسلامي يعلو على القانون الاميركي".


ولكن على رغم كل هذه الانتقادات المبررة لكينغ، الا ان عاصفة الاحتجاجات لم تُخْفِ حقيقة ان هناك مشكلة مقلقة وظاهرة خطيرة وجديدة تواجه الجالية المسلمة في اميركا، والمتمثلة بما يسمى الخطر الارهابي الداخلي  المستوحى من تنظيمات اسلامية متطرفة مثل "القاعدة".


 وكانت وزيرة الامن الوطني جانيت نابوليتانو قالت الشهر الماضي للجنة ذاتها: "ان احد العناصر اللافتة في المشهد الخطر حاليا هو ان المؤامرات التي تستهدف اميركا تظهر ازدياد تورط المواطنين الاميركيين او حَمَلة بطاقات الاقامة في البلاد"، وكانت بذلك تشير الى "تنظيمات ارهابية تستوحي ايديولوجية القاعدة". وكان وزير العدل اريك هولدر صرح بأن الخطر المحدق بالبلاد "قد تغير من القلق في شأن الاجانب الذين يأتون الى البلاد، الى القلق بشأن افراد موجودين في البلاد. مواطنون اميركيون، ترعرعوا هنا او خلقوا هنا، وقرروا  لسبب او لآخر اختيار التطرف وحمل السلاح ضد الوطن الذي خلقوا فيه".


ويلاحظ الخبير في الشؤون الارهابية بيتر بيرغن انه خلال السنتين الماضيتين برزت ظاهرة خطيرة يصفها "بأمركة" قيادة "القاعدة"، إذ يشير في دراسة حول هذا الموضوع الى العدد الملحوظ من المواطنين الاميركيين الذين صاروا في مراكز قيادية في "القاعدة" وغيرها من التنظيمات المتطرفة. ويشير بالتحديد الى أنور العولقي المولود في ولاية نيومكسيكو الاميركية من والدين يمنيين والذي يؤدي الآن من اليمن دورا رئيسيا في "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، الى عدنان شكري جمعة وهو اميركي من اصل سعودي نشأ في بروكلين وفي ولاية فلوريدا والذي يدير الآن قسم العمليات الخارجية في "القاعدة". وكان جمعة مسؤولا عن تجنيد نجيب الله ظاظا الاميركي الافغاني الاصل لمهاجمة اهداف داخل الولايات المتحدة قبل اعتقاله. وهناك ايضا عمر حمامي، الاميركي الذي اعتنق الاسلام في ولاية ألاباما، والذي صار من الشخصيات القيادية في تنظيم "الشباب المجاهدين" في الصومال. وربما اخطر هؤلاء المدعو ديفيد هادلي، وهو اسم مستعار لمواطن اميركي من اصل باكستاني كان قد قام بدراسة ومسح الفندق الذي هاجمته مجموعة ارهابية من تنظيم "عسكر طيبة" في مومباي في الهند عام 2008 وأدى الى مقتل 160 شخصا.


وفي السنتين الماضيتين، صدم الاميركيون للعدد المتزايد من المواطنين الاميركيين او المقيمين شرعيا في البلاد من الذين قاموا او حاولوا القيام باعمال ارهابية إما مستوحاة من التنظيمات الاسلامية المتطرفة او باشراف منها، ومن بين هؤلاء الى نجيب الله ظاظا، الاميركي الباكستاني الاصل فيصل شاه زاد الذي نظمته حركة "طالبان" في وزيرستان في باكستان لتفجير سيارات مفخخة في نيويورك، والضابط الاميركي نضال حسن المولود في اميركا لابوين فلسطينيين والذي هاجم زملاءه في قاعدة فورت هود وقتل 13 منهم. ووفقا لدراسة وضعتها "جمعية اميركا الجديدة" تم الادعاء على 43 مواطناً اميركياً او اجنبياً مقيماً شرعيا في البلاد (من حملة بطاقة غرين كارد) من المتعاطفين مع تنظيمات اسلامية سنية متطرفة خلال عام 2009، بتهم ارتكاب جرائم ارهابية أما داخل الولايات المتحدة او خارجها.


النائب كيث اليسون الذي انتقد زميله  كينغ على الطريقة التي شوه فيها الجالية المسلمة في اميركا لانه حاول محاكمة الجالية بكاملها بسبب جرائم بعض افرادها، وضع اصبعه على لب المشكلة حين قال انه يجب التحقيق بمختلف الاسباب التي تدفع ببعض الافراد  في أي مجموعة الى التطرف، لكنه شدد على ان هذا امر مختلف كليا عن تشويه جالية بكاملها تنتمي الى دين معين.