التاريخ: آذار ١٣, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
 
مقدمات الثورة المصرية: "شباب 6 أبريل" من الاضراب العام "الرمادي" إلى الميادين

في السنين الخمس الأخيرة، اختبر شبان الثورة المصرية وشاباتها نشاطهم الاحتجاجي اختبارات جزئية كثيرة على شبكة التواصل الاجتماعي، وفي الشوارع، قبل يوم غضبهم الذي أطلق الثورة في 25 يناير، احتفالاً بعيد الشرطة. هنا محطات من مسار "حركة شباب 6 أبريل" ونشاطاتها في مرآة مدونات الناشطة أسماء محفوظ.

-1-


صبيحة 26 كانون الثاني الماضي، بعد ليلة على "يوم الغضب" الاول من "ثورة 25 يناير" المصرية، تصدرت الصفحة الاولى من صحيفة "الأهرام" القاهرية، صورة لوزير الداخلية المصري، حبيب العادلي، والى جانبه باقة من الورود، وعنوان عريض يعلن ان "المواطنين احتفلوا (أمس مع) الشرطة بعيد(ها) مبتهجين فرحين وتبادلوا الورود والشوكولا". لو شاء قارىء صباحي لهذا العنوان ان يستكمل منطق كاتبه الطفلي والفكاهي الساخر على الطريقة المصرية، لأضاف اليه عبارة يتوجه بها الى شبان "يوم الغضب" وشاباته: "وأنتو بتزعقوا ليه؟!". ولقارىء آخر ان يتخيل ايضاً ان "الأهرام" تصور المصريين في عيد الشرطة (وهو يوم عطلة رسمية في بلدهم)، أطفالاً في حضانة وزير الاطفال، او مروّض الأطفال، حبيب العادلي، او ان العيد هو عيد العشاق او عيد الأم، وان المتظاهرين امس من شبان القاهرة وشاباتها، هم اطفال العقوق او الضلال. وهذه هي حال الشابة المصرية اسماء محفوظ (26 سنة) الضالة، التي دفعها عقوقها وجحودها الى الاحتفال على طريقتها بالعيد في عشيته. فبعدما وزعت على موقع "يوتيوب" على شبكة الانترنت، شريطاً مصوراً تظهر فيه غاضبة في دعوتها شابات بلادها وشبانها الى التظاهر غداً، أتبعت الشريط هذا بآخر يُظهرها في حفلة عامة بين رجال مسنين، وتقترب من احدهم، قائلة له، فيما هي تصافحه: "هل اقدر (أن) اعرف انتو بتضربونا ليه (في الشوارع) يا سيادة اللواء؟!".

-2-


كانت اسماء محفوظ، وهي طالبة في جامعة خاصة في القاهرة، بدأت نشاطها في التعبير عن احوال بلدها الزرية، على شبكة التواصل الاجتماعي "فيسبوك" في العام 2008، مع توسع دوائر المراسلات والمناقشات الاحتجاجية وتزايد أعداد المتراسلين والمتناقشين الشبان والشابات على الشبكة في مصر.
آنذاك – ومنذ ظهور حركة "كفاية" الاحتجاجية في العام 2005، وقيام السلطة المصرية بقمعها في الشارع واعتقال مؤسسها ايمن نور وسجنه، وما اعقب ذلك من نشوء حركات ومجموعات مشابهة – اكتمل إرساء نظام الرئيس حسني مبارك تسلطه على الدولة والمجتمع، على أربعة اركان متداخلة:


1- حزب حاكم يحتكر إدارة سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وأجهزتها الامنية ومؤسساتها العامة كلها، ويسيّرها تسييراً فوضوياً وعرفياً، على قاعدة من شبكات الولاء والاستزلام، تخترق المجتمع وسلطات الدولة من قمة هرمهما الى قاعدتيه.


2- محمية اقتصادية خاصة ومغلقة من رجال الاعمال والمال والسماسرة والصفقات، الذين جمعهم جمال مبارك حوله، تمهيداً لعزم والده الرئيس حسني مبارك على توريثه عرش مصر "الرئاسي". تربعت هذه المحمية في قمة جهاز الحزب الحاكم، وامتدت شبكاتها الرمادية الواسعة للنهب والفساد الاقتصادي والاداري الى قلب مؤسسات الدولة وأجهزتها البيروقراطية، المهملة والمهترئة، والتي تعمل، الى جانب القطاع الخاص الاقتصادي، على نحو يشبه "رقّ اقتصادي، إداري وقانوني"، وفقاً لعنوان مقال ترجمته منال نحاس ("الحياة" 23 شباط الماضي)، وكتبه في "لوفيغارو" الفرنسية (17 شباط)، مدير "مركز الحرية والديموقراطية في البيرو"، هيرنا ندو دي سوتو.
المقال هذا تلخيص لدراسة ميدانية تحليلية كلفت الحكومة المصرية المركز إجراءها، فبيّنت نتائجها المكتوبة في ألف من الصفحات العام 2004، أن "الاقتصاد السفلي الذي يشغّل 9,6 ملايين شخص خارج الإطار القانوني، هو اكبر رب عمل في مصر. وقدّرت الدراسة قيمة التبادلات والملكيات غير الشرعية في مصر، بـ248 بليون دولار، اي ما يعادل 30 ضعفاً من قيمة سوق الشركات المسجلة في بورصة القاهرة". وفي الخلاصة كتب دي سوتو ان "التحرر من التمييز العنصري الاقتصادي" في مصر، يحتاج الى "إرساء اطار قانوني حرّ جديد وفاعل. وقد تهب رياح الديموقراطية على مصر، لكن رغبة الشارع المصري في تحسين مستوى عيشه لن تُبلغَ، ما لم يجرِ اصلاح الاطار القانوني والاداري، وتُرفع القيود عن النمو والمبادرة الفردية".


3- جهاز أمني لجب (مليون وسبعماية ألف رجل) لتسوير محمية النهب والفساد وسلطة الحزب الحاكم، وحمايتهما، تعويضاً عن افتقارها والحزب الى ولاءات وعصبيات أهلية، طائفية او إتنية او جهوية، يرتكزان اليها في المجتمع المصري، على غرار السلطات الديكتاتورية، الامنية والاقتصادية المشرقية التي ترتكز الى هذه الولاءات والعصبيات.


4- جهاز إعلامي من المنتفعين والمرتزقين النافخين في أبواق صحافية مرتبطة بالحزب الحاكم ومحميته الاقتصادية.


فبعد تحييد المؤسسة العسكرية المصرية من سدة الحكم، عقب تسلطها على الدولة والمجتمع المصريين، منذ انقلاب "الضباط الاحرار" الناصريين في العام 1952، وبعد إبقائها متمتعة بإدارة مؤسسات اقتصادية كبرى مستقلة وضم ضباطها الكبار المتقاعدين الى المحميّة، نهضت السلطة المصرية على هذه الاركان الأربعة، تاركة الدولة والمجتمع في ركود وخواء سياسيين واقتصاديين واجتماعيين وثقافيين، يعودان الى بدايات النظام الناصري.
أما أحزاب المعارضة الكرتونية الشائخة، فجعلها النظام ديكوراً خاوياً، مستعملاً جماعة "الإخوان المسلمين" فزاعة لتخويف المصريين والعالم. وبناء على هذا كله قامت البروبغندا الاعلامية للحزب والسلطة ببث فكرة توريث عرش مصر لنجل الرئيس، قائلة في كل يوم وساعة: "هوّ في حدّ غير جمال إبن الريس؟ هوّ مين، هوّ فين؟! ليس هنالك احد افضل من جمال".

-3-


في ظل هذين الركود والخواء بدأت تنشأ، عبر شبكات التراسل على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" مجموعات شبابية من فئات متوسطة مصرية، وجدت في هذه الشبكة متنفساً للتبادل والمناقشة. انطوى هذا الفضاء على تمردات فردية اخذت أصداؤها تلتقي وتجتمع في روافد وتيارات نشأت عنها علانية عامة تعبيرية متشابكة، تعويضاً عن الحصار السياسي والإعلامي والاختناق الاجتماعي السائدين في مصر. بعض من شبان هذه الشبكات وشاباتها، كان بدأ عمله المهني في الخارج، بعد تحصيله مؤهلات دراسية جامعية ومهنية محدثة، لم تسعفه في العثور على فرصة عمل مناسب ومجزٍ في بلده المختنق بالفساد والمحسوبية وشراء الولاء لقاء لقمة العيش. ومنهم من ظل عاطلاً عن العمل، مختنقاً بيأسه، فوجد في العلانية العامة للمراسلات متنفساً للتعبير الحر، بعيداً من الحياة اليومية الغارقة في الفوضى والزحام العارمين، وفي تردي الخدمات العامة وانحطاطها وخرابها العميم، ناهيك عن تمزق النسيج الاجتماعي والوطني للتواصل الانساني، وعن تفشي التسيب والعدوانية والمهانة في الحيز العام الحافل بأخبار الفضائح اليومية الوقحة لأهل السلطة والحزب الحاكم.


فإذا اضفنا الى هذا كله الدرك الذي انحدرت إليه صورة مصر والمصريين في العالم، نعلم لماذا سارعت مجموعة شبابية من متراسلي "فيسبوك"، الى تبني فكرة دعوة الى اضراب عام في مصر، أطلقها الصحافي مجدي احمد حسني، تضامناً مع عمال مدينة المحلة المصرية المضربين في آذار 2008، بعد موجة عارمة من ارتفاع الأسعار.
لم يكن احد من المجموعة يعلم مسبقاً مآل الدعوة، ومدى التجاوب معها، في مجتمع لم يعتد مثل هذه الدعوات منذ زمن بعيد، رغم احتقانه المكتوم. مجموعات شبابية كثيرة شاركت في مناقشة الفكرة، فتبناها حوالي 70 ألف شخص من المتراسلين، وحدد للإضراب العام موعد في 6 نيسان 2008. لكن الدعوة لم يكن لها من اطار ينظمها خارج الاطار الشبكي الأفقي والحر والمفتوح.
طوال الايام السابقة على موعد الإضراب العام نشطت المراسلات والمناقشات بين أصدقاء وصديقات مجهولين راحت تتزايد اعدادهم وتتضاعف. ثم لم يلبث الحديث عن الإضراب العام المفترض، ان انتقل الى غيرهم من المدونين على الانترنت، واختلط بأحاديث دوائر وفئات من الناس في تواصلهم ولقاءاتهم اليومية المباشرة، فانتشرت الدعوة المرتقبة والتداول فيها، وسريا سريان شائعة انفصلت عن مصدرها الأول، وعن مطلقيها الذين استمرت مداولاتهم في شعاب الشبكة الالكترونية ودوائر العلاقات الواقعية، من دون حدود ولا تمييز.

-4-


وزير الداخلية وضباط جهازه الأمني ومخبروه، استشعروا بأن الدعوة تثير لفظاً وبلبلة غير متوقعين بين الناس وفي الشارع، وسط طغيان حالٍ من الترقب والحذر والحيرة. الجهاز الأمني احتاط للأمر، فنشر في شوارع القاهرة، فجر نهار 6 نيسان 2008، وحدات كبيرة العدد من رجال "الأمن المركزي". مشهد انتشار رجال الأمن الكثيف زاد من ترقب الناس ومن أحاديثهم عن الإضراب الذي أصبح واقعاً ملموساً، مما حملهم على عدم إرسال أولادهم الى المدارس. ومن كان في حيرة من أمره بين الذهاب الى عمله وعدم الذهاب، مكث في منزله مترقباً ما سيحدث، فتزايدت أعداد الموظفين الذين لم يذهبوا الى أعمالهم. ومن خرج من منزله في ذلك النهار رأى أن القاهرة كحالها في نهارات العطل الاسبوعية (الجمعة). لكن بدل خدر العطلة واسترخائها ساد حذر متوتر نتيجة كثافة وحدات الأمن في الشوارع، فخبر الناس تجربة الإضراب العام الذي كان جديداً عليهم وغير مسبوق في حياتهم. وراوحت التقديرات بين استجابة الناس الفعلية، وعن سابق تصور وتصميم، الى الإضراب، وبين توسلهم ما حدث بغية التعطيل عن العمل، وبين امتناعهم عن الخروج من منازلهم نتيجة الخوف.


لكن التجربة هذه حملت مطلقي الدعوة على التداول في هذا الاختبار، مكتشفين أن ما حدث يرقى الى تجربة جديدة غير مسبوقة في العمل الاحتجاجي، وفتحت في جدار الخوف من الإقدام على الفعل والتحرك، باباً واسعاً لم يكن في الحسبان بل خارج التوقعات. وهذا ما حمل مطلقي الدعوة على المسارعة الى إعلان ولادة "حركة شباب 6 أبريل".

-5-


أسماء محفوظ من أوائل ناشطي هذه الحركة. عن  مشاركتها الاولى في نشاطاتها الاحتجاجية في الشارع، قالت إنها كانت "خائفة جداً" في التظاهرة أمام نقابة الصحافيين في القاهرة. في اللغة المصرية الدارجة التي يكتب بها الناشطون والناشطات جميعاً رسائلهم المتبادلة على "فيسبوك"، كتبت على صفحتها: "مكنتش عارفة حد، بس نزلت وتعرفت (الى) الناس" في الشارع. "بعدما رجعت الى البيت، رحت أوصف على الفيسبوك ما حدث، وأشجع الناس ينزلوا الى الواقع. كان بابا خايف عليّ أوي، وأهلي حاولوا يمنعوني كتير. كنت عارفة كويس الأمن بيعمل إيه، وبيخوف البنات إزاي. بس كنت أقول لنفسي لو أنا خفت وغيري خاف"، سوف نبقى على حالنا خايفين، ولن نتغير، وعلى بلدنا السلام. أي سوف نبقى مهانين في بلدٍ مهان، ونتعرض للضرب في الشوارع، فيما ينقل الإعلام الرسمي خبر ما يحصل على شاكلة خبر "الأهرام" عن الاحتفال بعيد الشرطة في "25 يناير". قد لا تعلم محفوظ أن التقليد الاعلامي هذا موروث في مصر، مذ كانت وزارة الإعلام تسمى "وزارة الارشاد القومي" في عهد "الضباط الاحرار" الناصريين، قبل أن يطور عهد الرئيس مبارك "الارشاد" في عصر "الانفتاح (أي النهب) الاقتصادي"، لتصير الورود والشوكولا رمزاً للعلاقة الرقيقة والأنيقة بين عناصر جهازه الأمني والمواطنين الذين دعتهم محفوظ وغيرها من مثيلاتها وأمثالها، الى المشاركة في تظاهرات "يوم الغضب"، فلبى الدعوة حوالى 70 ألفاً من شبان مصر وشاباتها. وسرعان ما تحول ذلك اليوم ثورة شعبية عارمة أسقطت في الايام التالية النظام المصري.


وزيرا الداخلية والاعلام المصريان، حبيب العادلي وأنس الفقي، وأقرانهما من رجال السلطة وحزبها الحاكم، كانوا منذ سنوات سابقة لتظاهرات عيد الشرطة وخبره الوردي في "الأهرام"، يتندرون على أولئك الشبان والشابات، فيسمونهم ساخرين متهكمين "شباب الفيسبوك"، معتبرين كل ما يقومون به "لعب عيال". هذا على الرغم من أن خروج عشرات أو مئات من هؤلاء "العيال" الى الشوارع، كان يستدعي أن تسبقهم الى أي مكان يتواعدون على اللقاء فيه، ألوف مؤلفة من رجال الأمن المركزي، مدججين بالهروات والدروع والقنابل المسيلة للدموع، ترافقهم جموع من رجال عصابات البلطجية المستأجرين.

-6-


جعلت "حركة شباب 6 أبريل"  من ذكرى الإضراب العام السنوية محطة للتظاهر، الى جانب محطات ومناسبات وجماعات أخرى ناشطة في القاهرة. أسماء محفوظ روت على صفحتها في "الفيسبوك"، وقائع مشاركتها في تظاهرة 6 أبريل (نيسان) 2010، فكتبت بعد يومين أن "6 أبريل هو اليوم الوحيد الذي توقفت فيه عن العياط (البكاء). مقدرتش أعيط إلا آخر النهار، بعد الضرب والاهانة. 3 شهور ونحنا نفكر ونحلم بثلاثة مطالب هي مفتاح الحرية: تغيير 3 مواد من الدستور، أن يقدر كل مصري يترشح للانتخابات الرئاسية، إلغاء قانون الطوارئ، مناقشة قانون مباشرة الحقوق السياسية في مجلس الشعب. رفضنا أن نكون تنظيماً سرياً، وأعلنا مطالبنا (هذه) للدنيا كلها، وقلنا لوزارة الداخلية إننا حنعمل وقفة أمام مجلس الشعب الساعة 12 ظهراً. الساعة 8 الصبح عرفت أن اسماعيل الشاعر – مدير الأمن – كان في الميدان ويباشر بنفسه توزيع الأمن والبلطجية. تحركت من البيت واتفقت أقابل ندى ونيللي وعواد قدام جامع الفتح في رمسيس. وأنا في الطريق جالي (جاءني) اتصال يقول متروحيش. أي وجه معروف بينقبض عليه. انتظرت معاد المظاهرة، وشفت الأمن مستعداً. جميع مداخل ومخارج ميدان التحرير مغلقة. قررنا أن نتجمع في الشوارع الضيقة. لما وصلنا أمام مجلس الشورى، عساكر الأمن عملوا علينا أكورديون. مش عايزين عددنا يزيد. بكل عنف بدأنا نهتف 5 دقائق. فجأة حسيت كبّاسة بتكبسنا في بعض. إحساس بشع ونحنا في مفرمة. كل شوية يشدوا واحد مننا ويطلعوه برا، ويرموه وسط 10 بلطجية يكسروا فيه. شفت أنجي بتنشد من شعرها ومن ملابسها. بنات غيرها واقفة معانا لأول مرة أشوفهن، كانوا يضربوهن بالشلاليط (الأحزمة الجلدية). منتهى الوحشية والقذارة. عملنا أكثر من مسيرة وإحنا نهتف وننضرب. لما وصلنا قرب مجمع التحرير اتلموا علينا من كل مكان: بلطجية وقيادات أمن مركزي، بعصيان (عصي) وعربيات ترحيلات (سيارات اعتقال). شفت 10 بلطجية بيضربوا بنتين. حاولت أشدهم. بصيت ملقتش حد من الناشطين الشباب. أخذتهم عربيات الترحيلات. خلاص الأمن نازل يضربنا ويسحلنا ويسرق حلمنا وفلوسنا وموبيلاتنا. وأنا بتكلم في التلفون أحدهم شد الموبايل من إيدي بشكل عنيف أوي، كأنه بياخذ وشي (وجهي) كله مني، وراح يجري (يركض) زي الحرامية. الضباط حموه. ضابط قلي (قال لي) عايزة موبايلك؟! تعالي معانا، ولقيتهم بياخذوني، وسمعت اسماعيل الشاعر بينادي في ميكروفون وبيقلهم هاتولي البت دي".

-7-


من فضاء العلانية العامة الشبكية، التي باشرها "شباب 6 أبريل"، بعد اختبارهم الاضراب العام "الرمادي"، الى الحوافز التي زودهم اياها ذلك الاختبار، فاندفعوا الى التظاهر في الشارع،  بدأت تتكون وتتراكم تجارب وخبرات ونشاطات احتجاجية جزئية، هي نفسها التي اعتمدها شبان الثورة المصرية وشاباتها في "25 يناير". كأنهم في احتجاجاتهم الجزئية طوال ثلاث سنين، كانوا يبتكرون "خطة طريق" مسبقة – لكن ديموقراطية، احتمالية وغير مدركة ولا مؤكدة – لاسقاط النظام المصري. وربما لولا التجربة التونسية التي سبقهم اليها شبان تونس وشاباتها، لما أزف موعد تجربتهم الاخيرة الكبرى التي باشروها غير مدركين مآلها، برغم أن النداء المصور الذي أطلقته أسماء محفوظ على موقع "يوتيوب" مساء 24 يناير (كانون الثاني)، قالت فيه بصوتها: "بكرا بداية النهاية، أول خطوة حقيقية على طريق التغيير. لا تأخر. العلم مع كل واحد. البلد دي بلدنا، وحقنا نطالب إننا نعيش بالبلد دي كبني آدمين وكمصريين. بكرا يا شباب حستناكو. بكرا أملنا. بكرا حلمنا".