|
مع ان انجاز القرار الاتهامي للمحكمة الخاصة بلبنان وتسليمه الى قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين امس لم يكن مفاجئاً لاحد فإن هذه الخطوة ارخت بظلالها على مجمل الوضع الداخلي الذي شهد تطورات موغلة في التآزم على خلفية ارتباطه بملف المحكمة. ذلك ان انجاز القرار الاتهامي، ولو لم يقر بمضمونه السري بعد، خطا بالأزمة من مرحلة "ما قبل" القرار الى "ما بعده"، وهو امر بالغ التأثير في مجريات الازمة وكذلك الجهود الخارجية والمحلية المبذولة والمتجددة لاحياء ما اصطلح على تسميته معادلة "س. س"، اي المبادرة السعودية – السورية، علماً ان تسليم القرار تزامن مع نفخ قمة دمشق الثلاثية امس بين سوريا وقطر وتركيا الروح مجدداً في هذه المبادرة، وعاد الامر بعد القرار وبعد قمة دمشق ليرتبط بمكوكيات ومناورات ديبلوماسية وسياسية معقدة، ربما ارتسم عنوانها الاولي امس ايضاً مع ارجاء الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة المكلّف، في تطوّر عدته قوى 14 آذار "اجهاضاً" لاحتمال كان شبه حتمي لتسمية سعد الحريري مجدداً رئيساً للحكومة الجديدة بفعل "ضغوط" متنوعة.
وقد أعلنت المحكمة الخاصة بلبنان مساء في بيان اوردته في الموقع الالكتروني الخاص بها ان رئيس قلم المحكمة هرمان فون هايبل اكد "ان المدعي العام لدى المحكمة (دانيال بلمار) قدّم قرار اتهام الى قاضي الاجراءات التمهيدية مرفقاً بالعناصر المؤيدة. وقد أودعت المستندات المتعلقة باغتيال رئيس الوزراء اللبناني سابقاً رفيق الحريري وآخرين لدى قلم المحكمة عند الساعة 16:35 من بعد ظهر الاثنين الواقع فيه 17 كانون الثاني 2011. وسيتولى قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين النظر فيها. ويبقى محتوى قرار الاتهام سرياً خلال هذه المرحلة".
وفي وقت لاحق بث الموقع الالكتروني للمحكمة بياناً لبلمار قال فيه ان "المدعي العام لدى المحكمة الخاصة بلبنان اودع قراراً ظنياً سرياً في اطار الاعتداء على رئيس الوزراء اللبناني سابقاً رفيق الحريري وآخرين الذي وقع في 14 شباط 2005. وقد أودع المدعي العام القرار الظني لدى رئيس قلم المحكمة الذي سيحيله بدوره على قاضي الاجراءات التمهيدية". واضاف: "يشكل القرار الظني بداية المرحلة القضائية لعمل المحكمة. وسيمضي المدعي العام وفريقه قدماً في اداء المهمات المنوطة بهم على صعيد النشاطات التحقيقية المتواصلة والادعاء في قضية الحريري. وسيشرح المدعي العام أهمية هذا الاجراء عبر بيان اعلامي يبث غداً (اليوم) على الموقع الالكتروني للمحكمة".
اما أبرز الخطوات التالية بعد تسليم القرار الاتهامي الى قاضي الاجراءات التمهيدية، فتتمثل في مراجعة فرانسين مسودة القرار الاتهامي وان يقرر ما اذا كانت ثمة ادلة كافية لتبرير المحاكمة بتهمة واحدة او اكثر. وفي وسع فرانسين حين ينتهي من مراجعة المستودة ان يطلب مزيداً من المعلومات من المدعي العام او يؤكد او يرفض تهمة او اكثر من تلك الواردة في اللائحة. وعلى رغم عدم وجود مهلة محددة لتأكيد او رفض التهم، يقول رئيس قلم المحكمة هرمان فون هايبل ان قراراً في هذا الشأن قد يستغرق ما بين ستة وعشرة اسابيع.
وفي ضوء تلميح الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في كلمته مساء الاحد الى موقف سيتخذه قريباً من هذه الخطوة، سألت "النهار" مساء امس مسؤولاً في الحزب عن هذا الموقف فأجاب: "لا تعليق رسمياً لدى حزب الله" على تسليم القرار الاتهامي الى قاضي الاجراءات التمهيدية. غير ان محطة "المنار" الناطقة باسم الحزب اتهمت الولايات المتحدة "بدفعها بالقرار الاتهامي الى اتون الحركة لاشعال فتيل تفجير كل جسور الحل وتخريب الجهود الرامية الى حل الازمة اللبنانية". واضافت ان "الاميركيين يسيطرون على الاتهامات شكلاً ومضموناً".
إرجاء الاستشارات
في غضون ذلك، اثار ارجاء الاستشارات النيابية الملزمة التي كانت مقررة امس واليوم الى الاثنين والثلثاء المقبلين، تعقيداً اضافياً في وقائع الازمة الداخلية، فيما ساد فتور لافت حيال قمة دمشق الثلاثية في انتظار وصول رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني ووزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو اليوم الى بيروت لاطلاع المسؤولين والمعنيين على نتائج هذه القمة. وعلمت "النهار" ليلا ان المسؤولين تبلغوا ان داود أوغلو سيصل الى بيروت في العاشرة والربع قبل ظهر اليوم، ثم يصل رئيس الوزراء القطري في الحادية عشرة الا ربعا. وسيقابل المسؤولان اولا الرئيس سليمان، ثم رئيس مجلس النواب نبيه بري فرئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري، على ان يلتقيا لاحقا أحد المسؤولين الكبار في "حزب الله".
وكشفت مصادر واكبت الاتصالات التي تلاحقت قبل ظهر أمس في شأن الاستشارات لـ"النهار" ان كل المعطيات كانت تشير الى ان نتائج الاستشارات معقودة اللواء سلفا لتسمية الحريري، رئيسا مكلفا للحكومة الجديدة. فمن اصل 128 نائبا أظهر "بوانتاج" أجراه المعنيون ان 107 نواب كانوا سيدلون بأصواتهم ويسمون مرشحهم، بينهم كتلة "اللقاء الديموقراطي" برئاسة النائب وليد جنبلاط التي تضم 11 نائبا. وبدا واضحا ان الكفة مالت الى الحريري اذ ان كتلة جنبلاط كانت ستسميه بمجموع نوابها، مما يوفر له الغالبية المطلوبة مع أصوات قوى 14 آذار. وبقي قرار التأجيل عالقا حتى الحادية عشرة قبل الظهر، اي قبل ساعة واحدة من موعد بدء الاستشارات، إذ سعت رئاسة الجمهورية الى الحصول على موافقة جميع الاطراف على التأجيل.
وأوضحت المصادر نفسها ان رئيس مجلس النواب نبيه بري، بعد التشاور مع حلفائه في المعارضة ومع النائب جنبلاط في لقائهما عصر الاحد، اقترح التأجيل، ولم يمانع رئيس الجمهورية ميشال سليمان اذا كان الجميع يوافقون على ذلك. وعلم ان سليمان تشاور مرارا مع الحريري، وقبل ساعة من موعد بدء الاستشارات صدر البيان بارجائها أسبوعا. وفهم من التعليل الوارد في بيان الرئاسة ان قرار التأجيل لم يأت بعد موافقة جميع الاطراف بل "بعد تقويم موقف مختلف الاطراف اللبنانيين وتوخيا لتأمين المصلحة الوطنية".
وعلمت "النهار" ان فريق المعارضة رغب في التأجيل، خصوصا ان الاتفاق المسبق على مرشح وحيد في المعركة لم يكن قد حسم نهائيا مع ان الرئيس عمر كرامي كان هو المرشح المبدئي، كما أن النتيجة بدت مرجحة سلفا للرئيس الحريري. كما علم ان الحريري وفريق 14 آذار كانا رفضا التأجيل باعتبار ان التسمية محسومة لمصلحتهما فضلا عن التحسب لتعرض الحريري لمزيد من الضغوط في حال التأجيل. ولكن بدا ان الجميع سلموا في النهاية باعطاء قمة دمشق الثلاثية فرصة علها تفضي الى مخرج لاحقا، إن على صعيد التكليف أم التأليف. وفي هذا السياق تطرق الرئيس سليمان في كلمته امام السلك الديبلوماسي في الاستقبال السنوي التقليدي في مناسبة حلول السنة الجديدة الى الازمة وتطورها الى استقالة الحكومة.
وقال: "مع امتناننا للأشقاء العرب ولمبادراتهم في دعم لبنان وتحصين سلمه الاهلي وامكان الافادة من مساعيهم الحميدة، فان المسؤولية الاولى والأهم تبقى على عاتقنا نحن كلبنانيين لاجتراح الحلول السياسية المناسبة والثبات عليها". وأكد أن "الفرصة ما زالت متاحة امامنا، على رغم التجاذب القائم، كي نثبت قدرتنا على ادارة شؤوننا بأنفسنا واتخاذ الخيارات الشجاعة والحكيمة".
|