التاريخ: آذار ١٤, ٢٠١١
المصدر: nowlebanon.com
 
استراتيجيّة وتكتيك - حازم صاغيّة

أحياناً يبالغ أقطاب 14 آذار في التكتيك فيكادون يضيعون الاستراتيجيّة. على ذلك سأضرب أمثلة ثلاثة:


أوّلاً، موضوع الصراع مع إسرائيل: فلأنّ المطلوب إحراج "حزب الله" في المساجلة الداخليّة، يتمّ تزيين الكلام عن "مقاومة" إسرائيل وتوجيه السلاح إليها بدل توجيهه إلى الداخل. أعتقد أنّ هذه اللغة سيّئة على المدى البعيد، ليس حبًّا بإسرائيل طبعاً بل حبًّا بلبنان. ذاك أنّ المشكلة هي: مقاومة أو لا مقاومة. فالأخيرة دائماً ما تبدأ صراعاً مع إسرائيل ودائماً ما تنتهي مشكلة مع الداخل. هذا ما حصل مع المقاومة الفلسطينيّة ثمّ عاد ليحصل مع مقاومة "حزب الله".

ثمّ هل تُحلّ المشكلة فعلاً إذا وجّه "حزب الله" سلاحه إلى الحدود، علماً بأنّ هذا سوف ينعكس حكماً على الداخل بسبب الردود الانتقاميّة الاسرائيليّة وضرورات حصول المقاومة على قواعد إسناد في ما وراء الحدود وسوى ذلك؟


الصراحة والصدق يستدعيان القول: نعم، إنّ لنا مشاكل مع إسرائيل إلاّ أنّها قابلة للحلّ بوسائل ديبلوماسيّة وسياسيّة، من خلال صلات بالمجتمع الدوليّ تعقدها دولة لبنانيّة محترمة وذات صدقيّة. أمّا المقاومة فليست مطروحة علينا لأنّنا لا نملك مقوّماتها، ولأنّ معضلات ما بعد انسحاب 2000 يمكن تذليلها بما هو أقلّ من مقاومة، فضلاً عن تسبّبها في تفجّر مخاوفنا الداخليّة بين بعضنا البعض، وتالياً إضعافها النسيج الوطنيّ الضعيف أصلاً.

 

ثانياً، موضوع العروبة: لبنان ينبغي دائماً أن يكون بلداً فاعلاً على مستوى العلاقات العربيّة. لكنْ ليس جائزاً من أجل إثبات "فارسيّة" "حزب الله" (وهو بالمناسبة توصيف عنصريّ) أن نلجأ إلى تشدّق شبه بعثيّ بـ"العروبة". فإذا كان بديهيًّا انتماء لبنان إلى العالم العربيّ، فمعروفٌ أنّ مفهوم "العروبة" بالغ الاختلاط والالتباس، الأمر الذي انعكس مراراً انعكاساً سلبيًّا على الوضع اللبنانيّ. ثمّ إنّ هناك العروبة الثقافيّة التي نمت أصلاً في جبل لبنان أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، وهناك العروبة السياسيّة التي ارتفعت أعلامها مع "البعث" في سوريّا ثمّ عبد الناصر في مصر. ولئن كانت الأولى مطلباً وحاجة وطنيّين لبنانيّين، فإنّ الثانية مفهومةٌ كرابط عابر للحدود ومُذيب للسيادات الوطنيّة. وأغلب الظنّ أنّ هذا ليس مقصوداً ولا مرغوباً.

 

ثالثاً، موضوع الشيعة: صحيح أنّ سلاح "حزب الله" هو الفعل الذي يحضّ على ظهور ردّ فعل. ولمّا كان الحزب شيعيًّا، كان المنطقيّ أن يأتي ردّ الفعل عليه من الطينة الطائفيّة نفسها.

لكنْ غالباً ما يؤدّي التعويل على التكتيك إلى قدر من التسامح مع ردود الفعل الطائفيّة على الفعل الطائفيّ. ذاك أنّ التسامح، في هذه الحال، "يشدّ العصب" الذي يُراد له أن يواجه الحزب ويوازنه. وهذا ما ينبغي الإقلاع عنه لجهة اعتماد تمييز أوضح وأدقّ، لا يقتصر على المناسبات الإعلاميّة، بين الشيعة والحزب.

هذا التمييز ضرورة ملحّة لبناء وطن، ليس فقط إبّان النزاع مع "حزب الله"، بل أيضاً، وخصوصاً، في المستقبل.