|
مشهد المواطنين الذين سارعوا صباح أمس الى المدارس للعودة بابنائهم منها بعد الانتشار المنظم وغير المسلح على امتداد مناطق نفوذ 'حزب الله' وتلك المتداخلة مع سواها في بيروت والضاحية الجنوبية وصولا الى مشارف البقاع، حمل دلالات ميدانية لكل ما سبق وقيل سياسيا من ان مرحلة ما بعد صدور القرار الظني ليست كما هي قبل صدوره وتالياً فان كل الكلام الذي صدر عن قوى 8 آذار عن التمسك بتطبيق الدستور في الاشهر الاخيرة حلت محله العودة من جديد الى لغة الشارع.
وحصل هذا التطور الذي لم يتضح مساره اللاحق، بالتزامن مع انطلاق قطارين: قطار المحكمة الخاصة بلبنان على سكة القرار الظني الذي شرحه اركان المحكمة أمس ملياً، وقطار المسعى القطري – التركي الذي بدأ أمس تحركه في الاتصالات الواسعة التي اجراها في لبنان رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني ووزير الخارجية التركي أحمد داود اوغلو وقد اعتصما بصمت لافت خلال كل تحركاتهما اللبنانية.
وعلمت 'النهار' من أوساط بارزة في اللقاءات التي عقدها المسؤولان القطري والتركي ان ثمة تركيزاً على امرين رئيسيين: المحافظة على الاستقرار والاعداد للاستشارات النيابية الملزمة لتسمية الرئيس المقبل للحكومة والمقرر اجراؤها الاثنين والثلثاء المقبلين، على قاعدة احياء المسعى السعودي – السوري. لكنهما اصطدما بشروط اكثر من المعارضة نتيجة انجاز القرار الظني.
قطر – تركيا
ففي ترجمة للقمة الثلاثية السورية – التركية – القطرية التي انعقدت أول من أمس في دمشق، تحرك المسؤولان القطري والتركي ابتداء من ظهر أمس في اتجاه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والذي وصفت اوساطه المحادثات التي اجراها معهما بانها كانت 'معمقة ومفيدة'، وفي اتجاه رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي قال 'ان الاوضاع لا تزال قيد البحث وفق مبادرة س – س ودائما س – س'، كما في اتجاه رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري الذي تابع مجريات قمة دمشق.
وتشمل المحادثات ايضا في مقر اقامة موفدي القمة الثلاثية في فندق 'فينيسيا انتركونتيننتال' وبعيدا من الاضواء، شخصيات سياسية في 14 و8 آذار. وترددت معلومات عن شمول اللقاءات ليلا الامين العام لـ'حزب الله' السيد حسن نصرالله. وقال الرئيس بري لـ'النهار' انه في ختام لقائه الموفدين القطري والتركي ابلغهما 'ان الفريق الاخر فوت فرصة ذهبية كانت كفيلة بالخروج من هذه الازمة ووصلنا الى الاستشارات النيابية في مناخ افضل'.
واوضحت مصادر سياسية متابعة للاتصالات التي يجريها وزيرا الخارجية ان لا مبادرة محددة يحملانها، انما هما يبحثان مع المسؤولين اللبنانيين في ما ينبغي القيام به ويستمعون الى افكار، في محاولة لتقريب وجهات النظر وايجاد قواسم مشتركة يمكن البناء عليها.
وقالت ان هدف هذا التحرك هو البحث عن مخرج تحت سقف 'س – س'، مع تأكيد ضرورة الحفاظ على الامن وتفادي الحوادث واتاحة فترة من الوقت للمشاورات الناشطة داخليا وخارجيا. وفيما لم يعرف ما اذا كان موعد الاستشارات المحدد الاثنين والثلثاء المقبلين سيبقى قائما بمعزل عن تطور الاتصالات والمشاورات الناشطة بحثا عن حل، قالت المصادر المطلعة ان هذا الامر مرهون بوقته، وهو لم يطرح حتى الآن، ولكن اذا احتاجت المساعي والافكار المتداولة للحل الى مزيد من الوقت وقبل الذهاب الى الاستشارات، فقد يصير هذا الموعد قابلا للتأجيل.
انتشار غير مسلح
وكان اللبنانيون استفاقوا أمس على انباء انتشار غير مسلح لمجموعات منظمة اثار في البداية ذعراً لدى التلامذة واوليائهم في عدد من احياء بيروت والمناطق، فاقفلت مؤسسات تربوية عدة، مما دعا وزير التربية والتعليم العالي في حكومة تصريف الاعمال حسن منيمنة الى اصدار بيان طمأن فيه الى 'أن المدارس مستمرة في عملها العادي'، بينما ابلغت ادارات عدد من المدارس التلامذة ان فتح مدارسها اليوم رهن بالتطورات.
ونقل عن الرئيس بري بعد تبلغه انباء انتشار شبان يرتدون ثيابا موحدة في محيط الضاحية الجنوبية وعند مداخل بيروت قوله: 'لن اقبل بوجود اي شاب في الشارع وليذهب المواطنون الى اعمالهم والتلامذة الى مدارسهم في شكل طبيعي'. وقد تابع الامر مع 'حزب الله' وقيادات أمنية، نافيا لـ'النهار' ان تكون حركة 'امل' قد شاركت في هذا التحرك.
وفيما غاب اي موقف رسمي من الجهات الامنية المعنية، قالت مصادر في قوى 14 آذار لـ'النهار' ان الانتشار الذي بدأ عند الخامسة والربع فجرا وانتهى قبل انتشار قوى الجيش والامن بدءا من السابعة والنصف، امتد من محيط زحلة الى بيروت. واكدت ان ايا من العابرين لم يلحظ وجود اسلحة مع الشبان الذين كانوا يرتدون البسة موحدة كاكية وسترات سوداء ويحملون اجهزة اتصال لاسلكية. وتخوفت هذه المصادر من معلومات عن تحضير لعمليات حرق دواليب وقطع طرق في اطار 'تصعيد لهجة' الرسالة السياسية التي يريد 'حزب الله' وحلفاؤه ايصالها الى من يعنيهم الامر في الداخل والخارج.
ولفتت امس اجراءات امنية غير اعتيادية اتخذت خصوصا في السرايا الحكومية ومحيطها، والتي طلب من عدد من الموظفين فيها عدم التوجه الى مكاتبهم موقتا. وشملت الاجراءات القصر الجمهوري في بعبدا ومحيطه وبيت الأمم المتحدة 'الاسكوا' في وسط بيروت ومحيط مقر سيار الدرك في الأشرفية ومراكز رسمية وحزبية عدة. كما تخوفت من ان تكون الغاية من التصعيد الميداني، إذا حصل، محاولة الحؤول دون إجراء الاستشارات النيابية، أو اجراءها في ظل دخان كثيف وضاغط.
'المستقبل'
واعتبرت كتلة 'المستقبل' النيابية برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة، في بيان أصدرته بعد اجتماعها الاسبوعي أمس، 'أن التجمعات المنظمة التي قامت بها عناصر من 'حزب الله' وحلفائه (...) صيغة مغلفة وغير ناجحة لانقلاب مسلح لن يسكت عليه اللبنانيون'. وقالت الكتلة التي كررت تمسكها بترشيح الرئيس الحريري لتأليف الحكومة المقبلة ان 'لا مبرر' لتأجيل الاستشارات مما 'أعطى انطباعاً سلبياً عن حال البلاد وأسهم في خفض منسوب الثقة بالمؤسسات والنظام'. وأضافت أن انجاز المدعي العام للمحكمة الخاصة بلبنان دانيال بلمار القرار الظني 'تطور كبير ومهم' مع وجوب 'التزام أسس وقواعد النزاهة والعدالة'.
'حزب الله'
في المقابل لم يصدر عن 'حزب الله' أي موقف من التطور الميداني، فيما نقلت 'وكالة الصحافة الفرنسية' عن مسؤول حزبي في بيروت ان 'النزول إلى الشارع الذي حصل اليوم (أمس) هو جس نبض أو رسالة'. وأضاف: 'لا نعلم بالتحديد ما الهدف، قيل للشباب انزلوا فنزلوا ثم قيل لهم اطلعوا فانسحبوا'. وأقر بأن ذلك 'سبّب حالاً من الهلع في صفوف المواطنين، لكن كل شيء انتهى قبيل الثامنة'.
سئل هل يتوقّع مزيداً من هذه التحرّكات، فأجاب: 'عندما يكون السيف على رقبتك، ماذا تفعل؟ هل تبقى ساكتاً؟'. سياسياً، تساءلت قناة 'المنار' التلفزيونية التابعة لـ'حزب الله' في نشرتها الرئيسية مساء أمس: 'هل ينجح التحرّك القطري – التركي حيث أخفق المسعى السوري – السعودي؟ وهل تسمح واشنطن بامرار الوساطة الوليدة بعدما فجرت المسعى الأصل؟ وما كان مقبولاً قبل القرار الاتهامي هل يبقى سارياً بعده؟'. وذكرت 'ان المعارضة تناقش الأمر من موقع تفحص ما تحمله الوساطة الجديدة وعلى ضوء ذلك تقدر الموقف الذي يخدم المصلحة الوطنية'.
المحكمة
وقد أوردت المحكمة الخاصة بلبنان أمس في موقعها الالكتروني بيان المدعي العام دانيال بلمار الذي وصف خطوة القرار الظني الذي أودعه رئيس قلم المحكمة هرمان فون هايبل تمهيداً لتسليمه الى قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين بأنها 'محطة مهمة للشعب اللبناني وتعلن عن انطلاقة المرحلة القضائية لعمل المحكمة الخاصة بلبنان (...) وهي أيضاً مهمة للمجتمع الدولي ولكل من يؤمن بالعدالة الدولية'. وفي اشارة قوية الى القاعدة التي ينطلق منها القرار قال بلمار: 'مع بدء مرحلة المحاكمة ستتسنى لكم الفرصة لكي تقتنعوا بقوة الأدلة التي جمعناها'.
ولاحقاً صرح رئيس قلم المحكمة في مقابلة مع وكالات الانباء في مقر المحكمة قرب لاهاي بأن المحاكمة يمكن أن تبدأ في أيلول أو تشرين الأول المقبلين 'في وجود أو في غياب متهمين'. واستبعد جواباً عن سؤال 'ان يؤثر سقوط الحكومة اللبنانية على موازنة المحكمة للسنة الجارية'، مؤكداً ان 'التزام التمويل يقع على عاتق الدولة وليس الحكومة'.
وتعهد رئيس مكتب الدفاع في المحكمة فرنسوا رو بذل 'قصارى جهده كي يتمتع جميع أفرقاء الدفاع بالوسائل الضرورية (...) والتمتع بالوقت اللازم لتحضير دفاع فعلي'. إلى ذلك، أعرب بلمار في بيان لمكتبه مساء أمس 'عن قلقه الشديد ازاء بث بعض القنوات التلفزيونية اللبنانية من دون إذن تسجيلات' وهي مواد 'تعد سرية ومحمية ونشرت خرقاً للقانون'. وندد بهذا العمل وتعهد انه 'لن يدخر جهداً في سبيل اقامة العدالة'.
وفي حين رجح متابعون أن 'يأخذ فرانسين وقته' في درس القرار الظني ويستغرق أسابيع قبل إصدار قراره في شأن نشره، قالت لـ'النهار' مصادر متابعة أن القاضي بلمار سبق له ان سلّم فرانسين على دفعات خمسة فصول من القرار، ولم يُعلن إيداعه القرار لدى فرانسين إلا بعد تسليمه الجزء السادس الأخير، وتالياً يمكن أن يصدر القرار خلال أيام وليس أسابيع إذا اقتضى الأمر.
قائد الجيش
في غضون ذلك، استقبل الرئيس السوري بشار الأسد أمس قائد الجيش العماد جان قهوجي وأجرى معه محادثات تناولت 'التطورات الراهنة وعلاقات التعاون الأخوية بين جيشي البلدين الشقيقين، بما يخدم مصالحهما المشتركة ودور مؤسسة الجيش في تحصين أمن واستقرار لبنان'، كما أفادت الوكالة الوطنية للاعلام.
|