التاريخ: آذار ١٧, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
 
تعميق الديموقراطية لتحفيز النمو - لويس حبيقة

للديموقراطية فوائد اقتصادية كبيرة، اذ ترتبط مباشرة بالحريات واحترام حقوق الانسان. فهي تعني واقعيا التغيير الذي يفترض أن يؤدي الى احترام حقوق الانسان وحرياته. تعاني المنطقة العربية ضعف التنمية الانسانية التي هي أساس التطور والتقدم. ثمة أسباب عدة تبرر ضرورة تطوير التنمية الانسانية، وهي أولا أنها تضع الانسان في صلب اهتمامات الحكومة والدولة، وتساهم ثانيا في رفع انتاجية المواطن والعامل تحديدا. فالانسان المنتج هو الذي يتمتع بكل حقوقه الاجتماعية، وما الأمثلة القليلة المعاكسة الا موقتة حكما. فالصين مثلا، أصبحت تعي هذا الواقع وها هي تبدأ الاهتمام أكثر بمواطنيها حتى ان أدى ذلك الى خسارة بعض من نموها السنوي القوي. تؤدي التنمية الى توعية الانسان على حقوقه وواجباته ومستقبله، وتساهم تاليا في خفض نسب الانجاب، تماما كما حصل منذ قرون في المجتمعات الغربية. تؤدي التنمية الانسانية الى المحافظة على البيئة والسعي الى خفض نسب الفقر والاهتمام بالفقراء، وتساهم في انشاء مجتمع مدني حيوي يساعد على تثبيت الاستقرار الاجتماعي الضروري للاستقرار السياسي. فالحكومات الواعية هي التي تهتم بمؤشرات التنمية الانسانية التي ساهم الاقتصادي "أمارتيا سن" Sen في وضعها منذ عقود ونال بسببها جائزة نوبل للاقتصاد لعام 1998.


تنبّه تقارير التنمية الانسانية للدول العربية التي تصدر عن برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة الى ضرورة احترام حقوق وحريات الانسان وتعطي الحلول والتوصيات.  وتحدث تقرير 2002 عن 3 أسباب أساسية لانتشار الفقر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وهي الافتقار الى الديموقراطية، تدني مستويات التعليم وعدم المساواة بين الجنسين. السبب الأول واضح جدا، ويرتبط بقدرة المواطن على اختيار المسؤولين عنه وتبديلهم دوريا اذا شاء. أما التعليم، فيحتاج الى الكثير من التطوير في الآداب والعلوم والتكنولوجيا، وهو مفتاح التطور في العالم. أما المرأة العربية وهي نصف المجتمع أو أكثر، فلا تزال مهمشة اقتصاديا ولا تساهم تاليا في النمو والتنمية كما تستطيع وترغب. يربط تقرير 2004 بين النقص في الحريات والضعف في التنمية العربية، ويؤكد تالياً أنه لا مجال لحصول التنمية الحقيقية من دون احترام الحريات ومن دون تحقيق الديموقراطية. ان ما يحصل في العديد من دول المنطقة يؤهل الاقتصادات الى تحقيق الكثير من التنمية في السنوات المقبلة. ثمة من كان يعتقد أنه لو خُيّر المواطن العربي بين الخبز لنفسه وعائلته وبين حرية الاقتراع يختار الأولى الاّ أن الوقائع الأخيرة تشير الى عكس ذلك، فلا يشيء يتقدم على الحقوق والحريات.


لا شك في أن التقدم التكنولوجي سمح للانتفاضات العربية بالنجاح. عالميا، تضاعف عدد مستخدمي الأنترنت مرتين بين 2005 و2010، اذ بلغ عددهم ملياري شخص. أما توزعهم فلا يزال غير متساو بين الدول الغنية والفقيرة، اذ تبلغ النسبة في الأولى 71% وفي الثانية 21% مما يشير الى استمرار الفجوة التكنولوجية. فالمنتفضون واعون للعلاقة الايجابية بين الديموقراطية وحقوق الانسان ومحاربة الفقر الذي لا يمكن أن يكون ماديا فحسب، بل معنوياً ونفسياً أيضا، اذ يمنع الانسان من تحقيق رغباته وطموحاته وأمنه الاجتماعي. يعي المنتفضون أيضا العلاقة بين التعددية السياسية والتطور الاجتماعي الاقتصادي في دولهم. هناك مطلب عربي جامع هو الشفافية والمحاسبة، اذ أثبتت التطورات الأخيرة أن الشعوب العربية متعلقة بهما كغيرها من شعوب العالم. تشير كل الدراسات والوقائع الى ارتباط الديموقراطية والحريات بالتنمية الاقتصادية الاجتماعية في الاتجاهين، وها هي العلاقة الفاضلة تبدأ بالظهور جليا في المنطقة.


ثمة ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية والنفط ناتج من عمليات العرض والطلب ومن المضاربة التي تحصل في ظروف متقلبة كالتي نعيشها. في هاييتي مثلا، الدولة الفقيرة التي تعاني ظلم الفقر والطبيعة، ارتفعت أسعار المواد الغذائية 40% في أقل من سنة بما فيها تضاعف سعر الأرز مرتين في الفترة عينها. قامت التظاهرات فيها وفي غيرها كبوليفيا والبيرو والمكسيك وأندونيسيا. هناك وقائع مقلقة مماثلة ساهمت في فرض التغيير في بعض الدول العربية، ولن ترتاح المنطقة الا عندما يتم التجاوب معها كليا.


أولا: محاربة الفقر، اذ كيف يمكن أن نقبل أن يعيش مثلا 40% من المصريين بأقل من دولارين في اليوم الواحد؟ هذا مرفوض وغير انساني ويشكل سببا أساسيا وكبيرا ومحقا للانتفاضة. معدل التضخم المصري السنوي يوازي 17% تقريبا، أي أعلى بكثير من ارتفاع الدخل والأجور. ويبلغ الناتج المحلي المصري نحو 215 مليار دولار أي 10% من ناتج المنطقة كلها، والتي توازي 3,7% فقط من الناتج العالمي.  مقارنة بتايلندا مثلا التي هي أصغر من مصر، تبلغ صادراتها الصناعية أكثر من 10 مرات الصادرات المصرية. وتشير الأرقام الى الدور الاقتصادي العالمي الضعيف الذي تؤديه دول المنطقة. ففي الدول الفقيرة عموما تنفق العائلة بين 60 و80% من دخلها على الطعام مقارنة بما بين 10 و20% في الدول الصناعية. أي ارتفاع في أسعار المأكولات كما يحصل اليوم يدفع بالملايين الى صفوف الفقراء والمعوزين والمحتاجين. الأوضاع ليست أفضل في العديد من الأقطار العربية، وما حصل في مصر هو مؤشر كبير يجب التنبّه إليه.


ثانياً: تحفيز النمو، اذ أن ارتفاع نسبة النمو الفردي في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي الأضعف في العالم أي 1,9% مقارنة بـ2,1% في أميركا اللاتينية و5,5% في دول أوروبا الوسطى والشرقية و4,3% في آسيا و2% في دول أفريقيا. ضعف النمو يؤدي الى ضعف الصادرات بما فيها النفط ومشتقاته حيث لا تصدر المنطقة العربية الا 14% من قدرتها، مما يشير الى ضخامة الفرص الضائعة. تعود الأسباب الى غياب اليد العاملة المتخصصة في العديد من الميادين وأهمها العلوم.  وتعود أيضا الى ضعف البنية التحتية في الكمية والنوعية في النقل والاتصالات والكهرباء والمياه وغيرها والتي تدخل في صلب حقوق المواطن وحرياته. ثمة صعوبة في تمويل الاستثمارات للمواطن العادي وللشركات الصغيرة والمتوسطة كما تفتقر المنطقة الى المؤسسات القوية في مختلف الميادين.


من الضروري أن تسعى الأنظمة الجديدة النابعة من الانتفاضات الى معالجة النواقص المذكورة حتى لا تفشل. ان العودة الى الوراء مستحيلة والأمثلة الدولية عديدة. استحالة الرجوع الى الماضي لا يمكن أن تبرر الاهمال والتقاعس وغياب المسؤوليات. الأمل كبير وينقصه التطبيق العاجل على الأرض.