|
على غرار "الانتشار الميداني" المدني الذي نفذته مجموعات من "حزب الله" فجر الثلثاء الماضي وما أثاره من مخاوف شلّت الكثير من المرافق التربوية والعامة، شهدت بيروت أمس موجة شائعات منظمة غير مسبوقة وخصوصاً في ساعات بعد الظهر والمساء استعادت معها العاصمة أجواء القلق والحذر الشديدين التي استتبعت تكثيف الاجراءات الأمنية للجيش وقوى الأمن الداخلي في عدد من مناطقها وخصوصاً اجراءات الحماية للسرايا الحكومية وسواها من المقرات الرسمية فضلاً عن تكثيف الدوريات.
وبدا واضحاً أن هذه الموجة جاءت في إطار تصعيد الضغوط المتنوعة التي تنذر ببلوغ الأزمة الداخلية مرحلة بالغة الخطورة تجسدها مبارزة مكشوفة وقاسية قد تتجه اليها البلاد مع اجراء الاستشارات النيابية في جولتها المؤجلة الاثنين والثلثاء المقبلين على قاعدة "كسر عظم" دستوري وسياسي من شأنه أن يفضي الى واقع لم تعرفه البلاد منذ تجربة التمديد للرئيس السابق اميل لحود.
ذلك ان قوى 14 آذار أعدت العدة لمواجهة الفصل الأخير من "الانقلاب ووضع اليد على السلطة بالضغط والترهيب"، كما تقول أوساطها، فيما مضت قوى 8 آذار الى احراق كل جسورها مع الرئيس سعد الحريري رافعة لواء اقصائه عن رئاسة الحكومة الجديدة والسعي بشتى الوسائل الى استقطاب ثمانية أصوات تحتاج اليها لقلب الغالبية النيابية وتسمية الرئيس عمر كرامي رئيساً مكلفاً. مع العلم ان تصعيد المبارزة الى هذا المستوى الخطير من الاستقطاب وضع رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط أمام استحقاق حاسم لتقرير وجهة خياره النهائي.
وإذ دعا جنبلاط الى مؤتمر صحافي سيعقده في الثانية عشرة ظهر اليوم في منزله بكليمنصو لاعلان موقفه من التطورات المتسارعة، علم انه دعا أيضاً أعضاء "اللقاء الديموقراطي" الى اجتماع في الخامسة مساء.
وأبرزت المعلومات المتداولة لدى فريقي 14 آذار و8 آذار شدة الصراع والتنافس على استقطاب الغالبية المقررة في الاستشارات التي بات امر اجرائها بحكم المؤكد في موعدها الاثنين ما لم تحصل مفاجآت جديدة تملي تأجيلها تكراراً.
وقالت مصادر بارزة في المعارضة لـ"النهار" إن جنبلاط حسم خياره وأبلغه الى المعارضة بدعمه لمرشحها، وانه لن يعطي اقل من سبعة نواب. كما أن المعارضة ابلغت الرئيس عمر كرامي ترشيحه وانه وافق على هذا الترشيح. وأضافت ان ثمة رهاناً على ورقة بيضاء يدلي بها نائبان من طرابلس ايضاً، مما يتيح للمعارضة الحصول على الغالبية وربما أكثر من 65 صوتاً في المقابل، أكدت مصادر قوى 14 آذار لـ"النهار" ان جنبلاط انحاز فعلاً الى المعارضة، لكنه لن يتمكن من توفير سوى خمسة نواب من "اللقاء الديموقراطي" بمن فيهم صوته، لأن معظم أعضاء "اللقاء" يرفضون التخلي عن تسمية الحريري. وقالت إن الصراع يدور حول سبعة أصوات، وقد احتسبت أصوات الأكثرية في اجتماع تشاوري أمس في مكان سري وتبين أن قوى 14 آذار لا تزال تملك الأكثرية. ولفتت الى ان احتمال حصول تحرك في الشارع من المعارضة في الأيام المقبلة قد يكون مؤشراً لعدم قدرتها على حسم الموقف لمصلحتها.
الحريري
وعكست الكلمة التي وجهها الرئيس سعد الحريري مساء أمس الى اللبنانيين من "بيت الوسط" بلوغ الأزمة طريقاً مسدوداً، مع تنامي المخاوف من تحريك الشارع بفعل تصاعد الاحتقانات. فوسط حشد من أعضاء "كتلة المستقبل" النيابية وأعضاء المكتب السياسي لـ"تيار المستقبل" وشخصيات سياسية قاطعه مراراً بالتصفيق، اتخذ الحريري موقفاً جازماً من مضيه في ترشيح نفسه لرئاسة الحكومة على رغم "الضغوط". وإذ رأى "اننا أمام منعطف مصيري جديد في تاريخ لبنان"، اكد "اننا لن نلجأ الى سياسة الويل والثبور وعظائم الامور لاننا اخترنا في الاساس الاحتكام الى الدستور ولا ضيم علينا في ان نتقبل النتائج السياسية لاي مسار ديموقراطي حتى لو كانت هذه النتائج تحصل بفعل موجات متعاقبة من الضغوط". واذ كشف انه قرر "الدخول في التسوية الى أبعد مدى ممكن وتجاوبتُ مع توجهات خادم الحرمين الشريفين والتزمت كامل البنود التي توصلت اليها الجهود القطرية – التركية المشتركة"، اضاف: "لكن مرة جديدة يتوقف قطار الحل بفعل فاعل ويعودون مع ساعات الفجر لابلاغ الموفدين القطري والتركي بمطلب واحد لا ثاني له: غير مقبول عودة سعد الحريري الى رئاسة الحكومة... طالبوا فقط باقصاء سعد الحريري عن التكليف برئاسة الحكومة". ولفت الى ان هذه التطورات "تستعيد تجربة العام 1998 والحملة السوداء التي استهدفت الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتلك الابواق التي اندلعت لتنادي باقتلاع رفيق الحريري من السلطة... الهدف من كل ذلك واحد: محاكمة الرئيس الشهيد رفيق الحريري واخراج سعد الحريري من المعادلة الوطنية والاعلان عن اغتياله سياسيا". الى ان قال: "بغض النظر عن مناخات الترهيب التي تحيط بالمسار الدستوري في الشارع وغير الشارع سنذهب الى الاستشارات النيابية الاثنين المقبل وسندلي برأينا وفقا للاصول ملتزما ترشيحي لرئاسة الحكومة".
وعقد في وقت لاحق مساء اجتماع استثنائي لقيادة قوى 14 آذار في "بيت الوسط" اصدرت على اثره بيانا نبهت فيه "جميع اللبنانيين الى المحاولات الجارية لوضع اليد على السلطة السياسية من طريق الضغط"، وأكدت المشاركة في الاستشارات النيابية المقررة الاثنين المقبل "بموقف موحد يقضي بتسمية الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة الجديدة". وقررت ابقاء اجتماعاتها مفتوحة لمواكبة التطورات.
وعلق رئيس مجلس النواب نبيه بري على كلمة الحريري فقال مساء لـ"النهار": "نرحب بهذا الكلام الذي اطلقه وبأنه يسير وفق الدستور، ولكن في الوقت نفسه نستغرب الهجمة على وزراء المعارضة عندما قدموا استقالاتهم من الحكومة فقامت القيامة ولم تقعد حتى الآن".
وردا على سؤال قال بري: "ارحب بخطاب الحريري بالقدر الذي استقبل به الرئيس فؤاد السنيورة هذا الخطاب". وبدا بري الذي لا يزال يعول على الرياض ودمشق، مدركا سلفا انه سواء فازت هذه الجهة او تلك في الاستشارات بزائد صوتين "فان الحكومة لن تؤلف ولن تقلع بسهولة" في رايه.
ونقل زوار رئيس الجمهورية ميشال سليمان عنه قلقه على الوضع العام، علما انه اولى أمس اهتماما خاصا الاستقرار المالي ومنع تدهور الليرة وتشاور في ذلك مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. وافاد زواره انه سيقوم بدوره في اجراء الاستشارات النيابية يومي الاثنين والثلثاء المقبلين ما لم يطرأ شيء يبدل هذا الموعد لضرورات المصلحة الوطنية وسيلتزم في نهاية الاستشارات اعلان الفائز فيها بأصوات الاكثرية كما سيلتزم ما يوجبه عليه الدستور متوخيا الحل الدستوري للمرحلة. ولم يستبعد هؤلاء الزوار توجه الرئيس سليمان الى دمشق قبل موعد الاستشارات.
ويشار في هذا السياق الى ان المناخ الداخلي شهد مجمل هذا الاحتدام عقب الانهيار السريع للوساطة التركية – القطرية التي انتهت فجر أمس باعلان رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني ووزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو "التوقف عن مساعيهما في لبنان في هذا الوقت" ومغادرة بيروت "بسبب بعض التحفظات" عن ورقة تمت صياغتها "تأخذ في الاعتبار المتطلبات السياسية والقانونية لحل الازمة الحالية في لبنان".
وبعد ساعات من عودته الى اسطنبول، دعا داود اوغلو مختلف الافرقاء اللبنانيين الى التحلي بـ"العقل" لتفادي انزلاق لبنان الى اضطرابات جديدة، مؤكدا استعداد تركيا لمعاودة وساطتها اذا اقتضى الامر ذلك.
|