التاريخ: آذار ٢٠, ٢٠١١
المصدر: جريدة الحياة
 
إيديولوجيا الثورات؟ نعم ولا - حازم صاغيّة

أصحيحٌ أنّ الحركة الثوريّة التي لفحت، وتلفح، العالم العربيّ، لا إيديولوجيا لها؟
نعم، بمعنى مسافتها عن الإيديولوجيّات القصوى التي تريد لهذه الأرض أن تستورد طوبى ما، أو أن تكون مختبراً لها. هكذا انزوت، مع انفجار الحركة الثوريّة، أنماط الوعي التي عرفتها منطقتنا، القوميّ منها والدينيّ واليساريّ الثوريّ.


لكنْ لا بمعنى التأثّر الذي تسلّل إلى أولئك الشبّان من إيديولوجيّات قليلة الإيديولوجيّة، أو إيديولوجيّات حدّ أدنى تعكس هموم الافراد والجماعات من دون أن تتوسّط هذا الانعكاس وطأة الأنظمة الفكريّة المُحكَمة.
لقد كثر الحديث عن أدوات الاتّصال والتواصل الاجتماعيّين، بحيث كُسر احتكار أجهزة الدولة للإعلام، كما نُزعت هيمنة السلطات على صناعة العقول. وإذ تولّى الانترنت خصوصاً إنشاء شبكات وعناقيد واسعة نسبيّاً تتعاطى شؤوناً يُفترض أنّها حصريّة، ولدت روابط تمقتها الأنظمة التي تعيش على تفتيت مجتمعاتها وتذريرها، وعلى إعدام كلّ فضاء عامّ، كما احتلّ التجرّؤ على المقدّسات الزمنيّة وغير الزمنيّة مساحات حرّة غير مسبوقة.


لكنْ، إلى ذلك عاش عالمنا، منذ أوائل التسعينات، قريباً من أفكار لم تحل ضبابيّتها النسبيّة دون تجاوزها الحدود الوطنيّة، مستفيدة من قوّة مصدرها، أي زخم الولايات المتّحدة: حقوق الانسان، المجتمع المدنيّ، منظّمات الـ «أن جي أو» (NGO)، حقوق الجماعات المغايرة أخلاقيّاً وجنسيّاً، فضلاً عن المغايرة السياسيّة والفكريّة، مكافحة الفساد، توكيد خصوصيّة الفرد، القرف من العنصريّة، موضوعة الأقليّات الدينيّة والعرقيّة، الثقافة الشعبيّة والديموقراطيّة...


ولم يكن بلا دلالة أنّ مواقع الوعي الايديولوجيّ القديم، ومنذ بدايات عهد بيل كلينتون الأوّل، لم تتوقّف عن القصف المركّز المستهدف هذه المفاهيم الجديدة. فإذا عُقد مؤتمر للأقليّات، أجمعت تلك المواقع على أنّ أميركا تخترع مشكلة لا وجود لها لأنّها لا تبغي إلاّ تجزئتنا. وإذا عُقد مؤتمر للمرأة ردّت المواقع ذاتها بأنّ نساءنا بألف خير لا يعانين إلاّ اضطهاد الغرب اللعين. حتّى نقد الفساد، استعين عليه بسقط المتاع الماركسيّ للقول إنّه وصفة للتدخّل في سيادات البلدان، وصفةٌ تغفل عن «التشوّه البنيويّ في اقتصادات التبعيّة». وهذا ما لا يصيب الحاكم الفاسد بغير السعادة والحبور.


والحقّ أنّ الولايات المتّحدة وأوروبا، على رغم أخطاء كثيرة شابت تلك المسيرة، استثمرتا جهداً ومالاً جدّيّين، وهلهلتا نسيج الصداقة مع بعض أنظمة حليفة، واستحقّتا، للسبب هذا، إدانات واسعة من الحكّام ومن محكومين ناهضوا «المعونات الأجنبيّة». لكنْ على النحو هذا تلاحمت الأفكار، القديم منها التي تهبّ من جهة الحاكم ومثيلتها التي تهبّ من جهة المحكوم، خصوصاً متى كان الأخير يفضّل تجرّع السمّ على الاعتراف للغرب بفضل واحد. هكذا غدا في وسعنا الكلام على ثقافة شعبيّة جامعة وعابرة للمواقع السياسيّة والاجتماعيّة.


والحاكم استفاد من ذلك، أكان حليفاً سياسيّاً لواشنطن أم لم يكن. فلكي يجنّب شفتيه كأس حقوق الانسان، أو كأس الشفافيّة حيال القرار الماليّ، كان يزجّ بالسيادة الوطنيّة في الميدان. أمّا المحكومون الذين كان الخوف من الغرب والغريب يدفعهم إلى الالتحام بالحاكم، فكانوا يخسرون فرصة أتيحت للمرّة الأولى في التاريخ، هي ولادة السياسات المجتمعيّة كمنافس للسياسة السلطويّة. إذ منذ متى كان الحاكم العربيّ مدعوّاً إلى «تحمّل» لوبيّات المجتمع التي بات «تمكينها» متاحاً، ومنذ متى كان المحكوم العربيّ يمارس مثل هذه الرقابة مدعوماً بوسائل اتّصال وتواصل تسهّل المهمّة، وبتعاطف متفاوت من قوى دوليّة كبرى؟


هذه العناصر اتّخذت شكل التراكم البطيء الهادئ الذي يفعل فعله في شبيبة يتعاظم بَرمها بالعالم القديم في استبداده وفي أفكاره، كما يتنامى بَرمها بالعنف والاستبداد اللذين تعدنا بهما المعارضات التقليديّة، القوميّة والإسلاميّة واليساريّة، للحاكم.


وإذا صحّ أنّ حرب العراق والمآلات المحزنة التي أفضت إليها قد أعاقت وجهة التأثّر هذا، فأغلب الظنّ أنّ صعود باراك أوباما، الأسود والمسلم الأب، وسّع مساحات التفاؤل بقدرة الفرد على التدخّل في «قدره» وفي «أقدار» غيره. فليس عديم الدلالة، بالتالي، أن يرفع الشبّان المتظاهرون في عديد المدن والعواصم شعارات كتبوا الكثير منها بالانكليزيّة، كما لو أنّنا حيال صنف من أمميّة شبابيّة عابرة للأمم، أو أن تبدأ بالظهور مراجعات مفادها أنّ فوكوياما لم يخطئ الخطأ الذي افترضنا، فإذا صحّ أنّه بسّط الوجهة الصاعدة وتسرّع في رسمها، بقي أنّ الديموقراطيّة الليبراليّة هي وحدها الوجهة.
أتشكّلُ هذه في مجموعها «إيديولوجيا»؟. الأمر يستدعي التفكير بعيداً عن العصبيّة!