يقتضي الحديث عن التطبيع السياسي الالتزام بعدد من المبادئ والقيم التي تميز الثقافة السياسية لمجتمع من المجتمعات، بحيث تصبح تلك الثقافة المبنية على تلك القيم الحاضنة الرئيسية لكل ممارسة تستهدف تطبيع العلاقات بين مكونات المجتمع المختلفة.
ويمكن التأكيد، في هذا المستوى من التحليل، على المبادئ الرئيسية التالية:
- أولاً، مبدأ الحرية، في الاختيار الفكري والأيديولوجي، بحيث يملك أي إنسان، على قاعدة المواطنة الكاملة، الحق في الانتماء لأي من النظريات والتصورات الفكرية والسياسية، دون أن يكون لهذا الانتماء أي تبعات سلبية، بالنسبة لحقوق المواطنة، التي يتمتع بها أساساً، من جهة، ودون أن تترتب عن ذلك الانتماء، من جهة أخرى، أي امتيازات خاصة، لا تتوفر لغيره من المواطنين، لأن المساواة في المواطنة تحرم، في الأصل، كل تمييز بين الناس على أساس معتقداتهم وتوجهاتهم الفكرية والسياسية، ما لم تكن هذه الانتماءات محرمة دستورياً باعتبارها لا تتلاءم مع القيم الأساسية التي يقوم عليها المجتمع أو تستهدف تقويضها بالطرق غير الدستورية، وما لم يأتِ هذا الشخص، أو ذاك، من الأعمال، المجرمة قانونياً، ما يجعله فاقداً لحق من حقوق المواطنة وفق ما ينص عليه القانون السائد في البلد المعني.
- ثانياً، اعتماد المنهجية الديموقراطية، أسلوباً في اختيار الحكام على جميع المستويات، ذلك أن هذا الأسلوب هو الوحيد القادر على الحيلولة دون إفراغ المؤسسات من بعدها التمثيلي أو الشطط في اتخاذ القرارات، كما هو عليه الأمر عندما يتم تعيين أعضاء في عدد من المؤسسات دون الخضوع لمسطرة الانتخاب، لا سيما عندما تكون الغلبة لأسلوب التعيين بعيداً عن متطلبات تمكين تلك المؤسسات من استقلاليتها، والمحافظة على التوازنات التي تسمح لها باتخاذ القرارات، دون الخضوع لإكراهات القوى التي ساهمت، بهذا الشكل، أو ذاك، في تعيين بعض أعضائها. ذلك أن الأصل في المؤسسات الدستورية المنتخبة أن تكون على مسافة واحدة من الجميع عندما تتداول حول القضايا المعروضة على أنظارها. ومن شأن اعتماد الانتخاب لنيل العضوية في هذه المؤسسات تمكين أعضائها من السند الشعبي الكفيل بمنحهم هامشاً واسعاً من الحرية والاستقلالية المرتبطة بطبيعة التفويض الذي حظوا به، وبطبيعة المؤسسة التي يشغلون وظيفة العضو داخلها.
- ثالثاً، احترام مبدأ المنافسة النزيهة، ورفــــض سياسات الفرض بأشكالها كافة. فعلاوة على أن فتح باب المنافسة، على مصراعيه، يمكن ذوي الكفاءات المشهود لهم بها من تبوؤ مواقع هـــــامة في مختلف مؤسسات اتخاذ القرار، فإن هذا الأسلوب يفتح المجال أيضاً، أمام تقويــــم ممارسات من يتبوأون مواقع القيادة في مختلف مؤسسات المجتمع، على أساس البرامج التي دافعوا عنها، ووعدوا بتطبيقها متى تم اختيارهم في مواقع المسؤولية في مختلف المؤسسات، وبالتالي، يفتح أبواب تـــداول السلطة على مصراعيها، في جميع مراحل اختيار المسؤولين وفق مقتضيات الدستور الذي يعتبر في البلدان الديموقراطية النص المرجعي الأساسي في مختلف مناحي الحياة وتنظيم التعايش بين مكونات المجتمع.
- رابعاً، محض الحوار أولوية راجحة في التعاطي مع قضايا الخلاف، في أي مستوى من مستوياته، وفي مختلف تجلياته، للوصول إلى الحلول الممكنة، التي تدرأ المخاطر وتعتمد ما هو إيجابي للتقدم في عملية البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الوطني. ذلك أن الحوار هو السبيل الكفيل بالفرز بين المواقف والمعطيات التي تستند إليها وبه يمكن التقريب بين وجهات النظر المتباينة خاصة إذا كانت الأهداف المعلنة والغايات المتوخاة، صراحة، أو ضمناً، بين الفاعلين السياسيين واحدة، ومشتركة في عناوينها العريضة. فغالباً ما تكون المحصلة النهائية لهذه العملية إيجابية على العملية السياسية برمتها متى توفرت لدى مختلف الأطراف الإرادة السياسية حول القيام بكل ما يمكن القيام به لتتضافر جهودها لصنع مستقبلها المشترك في شكل تدريجي وبخطوات تضمن التقدم ما أمكن إلى الأمام عبر مراكمة المكتسبات والإنجازات مهما بدت بسيطة لأن عملية تراكمها تؤدي في نهاية المطاف إلى تحولات وطفرات نوعية. أما اعتماد العنف لحسم قضايا الخلاف دون إيلاء أي أهمية للحوار فلا يحتاج إلى البرهنة على نتائجه الكارثية في مختلف البلدان التي انزلقت إلى هذا المأزق الذي لم تجن منه المجتمعات غير تأجيج نزاعاتها والدخول في نوع من حرب الجميع ضد الجميع المدمرة.
- خامساً، التسليم بعناصر أرضية العمل الوطني، باعتبارها مجسدة للانتماء المشترك، واحترام متطلبات ترجمته على أرض الواقع، خاصة عندما يواجه المجتمع برمته، أو أحد أركانه الأساسية، تحديات الوجود والاستمرارية، لا سيما بسبب عوامل خارجية ترمي إلى ضرب مظهر أو بعض مظاهر السيادة الوطنية. ولعل التجلي الأساسي لمثل هذه الحالة، الصراعات التي يضطر المجتمع المعني إلى خوضها في مواجهة أي عدوان سياسي أو استراتيجي خارجي. إذ المطلوب، في هذه الأوضاع، استحضار مفردات الانتماء الوطني، بكل قوتها واعتمادها وحدة القياس الأساسية في التمييز بين مواقف مختلف القوى والتيارات السياسية التي تخترق المجتمع، والتي غالباً ما تغلب المصلحة الوطنية العليا على مصالحها الحزبية أو الفئوية الضيقة. ذلك أن الانطلاق، في شكل حصري، من هذه المصالح الخاصة، كثيراً ما أدى إلى وضع أصحابها في تناقض، صريح وواضح، مع مجمل المجتمع السياسي، وقواه. وبذلك يصبح، بصورة إرادية أو غير إرادية، الحليف الموضوعي للأعداء الخارجيين الذين يستهدفون الوطن برمته وليس فئة واحدة من فئاته حتى في الوقت الذي يركز في دعايته الأيديولوجية والسياسية أن ما يقوم به هو لفائدة الشعب برمته كما فعلت القوى الاستعمارية على الدوام. |