التاريخ: شباط ١٨, ٢٠١٥
المصدر: موقع العربي الجديد
نحو تجديد التفكير العربي - عبد الفتاح عزاوي
يبين محمد عابد الجابري في كتابه (بنية العقل العربي) أن هناك ثلاث سلطات أساسية، تحكم إلى حد كبير تفكيرنا، وهي: سلطة اللفظ، سلطة الأصل وسلطة التجويز.
فيما يتعلق بسلطة اللفظ، لا يزال تفكيرنا يحن إلى الصور الشعرية والخطابية والبلاغية، بعيدا عن الاستخدام السليم لبنياتنا العقلية في البحث عن الحقائق وتفسيرها. ويوضح الجابري هذا الأمر بالقول: ''... إن تفكيرنا وكتاباتنا ما زالت واقعة تحت سلطة الخطابة والنظرة السحرية للعالم، وهو أمر يتناقض مع قرن العقل والآلة''.

أما بالنسبة لسلطة الأصل، فما زال تفكيرنا محكوما بمنطق قياس الجديد على القديم، والفرع على الأصل، الأمر الذي يمنع فعل التجديد من طرق باب العقل العربي الذي أصبح مجمدا إلى أجل غير مسمى. 

وإلى جانب السلطتين المذكورتين، هناك سلطة التجويز التي اختزلها صاحب العقل العربي في التوصيف التالي: ''...الاعتقاد العفوي في أن كل شيء جائز ويجوز، حتى الأمور غير المعقولة يمكن أن تكون جائزة وممكنة ومحتملة الحدوث''.

فكيف يمكننا أن نحارب هذه السلطات الثلاث التي كبلت تفكيرنا؟ سؤال أصبح يطرح بحدة، في زمننا الراهن المتسم بالفشل والإخفاق على جميع المستويات، إذ يكفي أن ننظر إلى منطقتنا العربية التي تشهد أسوأ حالاتها، في ظل تفشي الطائفية والاقتتال الداخلي وغياب العدالة والحرية. 

فإذا كنا قد فشلنا، بالفعل، في بلورة مشروع نهضوي عربي، فإن الحل الوحيد القادر على انقاذنا ولملمة جراحنا المثخنة، هو ضرورة اعتماد الديمقراطية الحقيقية خطوة أولى، من أجل تصفية مشكلاتنا الداخلية، للاعتبارات التالية: 

- أغلب مآسينا ناجمة عن تراكمات الأنظمة الشمولية التي أجهزت على الحقوق والحريات، كالحق في العمل والتطبيب والسكن، وحرية التعبير والانتماء السياسي والمشاركة في الحياة العامة .... 

- اقتصار معنى الديمقراطية في أوطاننا على المشاركة السياسية التي لم تسلم، بدورها، من تزوير إرادة الأمة، واستعمال المال الحرام في الاستحقاقات الانتخابية.

- عودة المكبوت المتمثل في النزعات الطائفية، الأمر الذي جعل الأوطان تربة خصبة لنمو بذور الإقصاء والتهميش والانتقام.

وإذا كانت مسافة الألف ميل تبدأ من الخطوة الأولى التي ذكرناها سالفا، فإن الخطوة الثانية يجب أن ترتكز، أساساً، على إعادة بناء الذات، وتمنيعها من أجل الحفاظ على وجودنا وخصوصيتنا داخل عالم مليء بالمتناقضات والمخاطر، وحجز مقعد مع ركب الدول المتقدمة.