أطلق فيديو حرق تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» للطيار الأردني معاذ الكساسبة مروحة من الاستنكارات المنسجمة مع موقع كل طرف من الأطراف من مجريات المنطقة. القاسم المشترك بينها أنها ترفض الربط بين هذه الأفعال وبين الإسلام كعقيدة دينية يدين بها أكثر من مليار إنسان تتوزعهم بلدان العالم قاطبة. هذا من دون أن تقول لمشايعيها لماذا ترفض هذا الربط، ومن أين جاء أهل الربط بمسوّغات ربطهم الدينية و/أو التاريخية. وعلى رغم مرور حوالى ثلاثة أسابيع، فإن مضامين بعض الاستنكارات لا تزال تغري بالنقد.
شيخ الأزهر أحمد الطيب، على سبيل المثال، استنكر إقدام تنظيم «الدولة الإسلامية» على قتل الطيار الأردني الأسير معاذ الكساسبة حرقاً، ووصفه بـ»العمل الإرهابي الخسيس»، داعياً إلى «قتل وصلب وتقطيع أيدي وأرجل إرهابيي» التنظيم.
قد يرى البعض في هذا الاستنكار أعلى درجة من درجات الغضب، يعبّر عنها أحد أبرز المرجعيات السنّية في العالمين العربي والإسلامي. غير أن التعمّق قليلاً في البيان الصادر عن الأزهر، يظهر أنه يعتبر «القتل والصلب وتقطيع الأيدي والأرجل» جائزاً شرعاً، بصرف النظر عن كيف يطبّق وعلى من، فيما فعل الحرق الذي طبّقه «داعش» على الكساسبة غير جائز. الأول يمثل حكم الإسلام الصحيح عملاً بالآية التي تقول «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ (...)». أما الحرق فهو حكم «الإسلام المغشوش» و»الفكر التكفيري» و»أفكار التطرف والغلو»، كما عبّر بيان الأزهر نفسه. أفعال هؤلاء، بحسب الأزهر، «ليست أفعال أهل الإسلام، بل هي أفعال غير المسلمين». إدخال غير المسلمين هنا، يتناقض تناقضاً صريحاً مع بيان توضيحي للأزهر صدر أواخر العام الماضي، جوهره أنه «يرفض تكفير (داعش)... لأنه لا تكفير لمؤمن مهما بلغت ذنوبه».
لقائل ان يقول أن رفض الأزهر للتكفير، يندرج في باب تسامحه التاريخي، لكن حكم التقطيع الذي أجاز تطبيقه على «داعش» لا يجوز تطبيقه إلا على الذين يحاربون الله ورسوله. وهؤلاء كما يفترض منطوق الآية، فضلاً عن درجة العقاب (التقطيع)، لا يمكن أن يكونوا إلا كفاراً. بيان الأزهر، باختصار، متناقض ذاتياً، وإن نجح في شيء فإنّما نجح في إظهار «داعش» أكثر انسجاماً وتماسكاً على المستوى العقيدي. وهو أظهر أيضاً، أو هكذا تراءى، أن خلاف الأزهر الجوهري معه يقتصر على الوسائل لا على الأصول والغايات.
إذا كان هذا موقف أحد أبرز المرجعيات السنية في المنطقة، فما هو موقف المرجعيات الشيعية التي يفترض أنها والأزهر تتشاطران الدين عينه، إيران مثلاً؟
دانت إيران إعدام «داعش» للطيار الأردني معاذ الكساسبة، واصفة هذا العمل بـ «الإرهابي وغير الإنساني والذي لا يمت للدين الإسلامي بصلة». البيان، للوهلة الأولى، يبدو سياسياً في جوهره، كان من الممكن ان يصدر عن أي مسلم عادي، لا يزعم أن ملايين المسلمين حول العالم يقلّدونه ويعتبرونه القائم مقام الإمام المهدي. الأرجح ان إيران تعتبر ان الدين الذي يصدر عنه «داعش» دين مختلف كلياً عن دين الجمهورية الإسلامية، حتى لو انه يدّعي الأخذ بالقرآن والسنّة. باختصار، ترى إيران أن لا حاجة لها للدفاع عن الإسلام، بغية نقض تسويغات «داعش» الشرعية لجرائمه. ذاك أنها، والحالة هذه، ستكون مضطرة لتوفير تبريرات، لا مستندات شرعية لها أيضاً، لقتال حزب الله في سورية ضد مؤمنين مثله يتشاطرون وإياه الدين عينه، وإن اختلفوا مذهبياً في نظرتهم إلى رموزه وتاريخه.
بدت إيران الثورة الإسلامية، غير معنية بتفنيد حجج التنظيم المتطرف، على رغم أن بعضها يجد تأصيله في نصوص مرجعية بالنسبة الى الشيعة الإمامية. بتعبير آخر، بدا ولي أمر المسلمين قليل الاكتراث بأمر المسلمين وأمر دينهم. الدين، بنظره، في خدمة السياسة، لا العكس.
هكذا، إذاً، اتفقت المرجعيتان الإسلاميتان الأبرز على ان ما قام به «داعش» مستنكر وغريب، من دون أن تجدا نفسيهما مضطرتين إلى تفسير أفعال التنظيم الإرهابية لعموم المؤمنين، وإلى نقض مسوغاتها الشرعية. الأمر الذي لا يمكن أحداً، لا يمتلك مثل قوّة تأثيرهما، أن يقوم به.
الحق أن النقد الأشجع والأقوى جاء من مكان آخر، وبالتحديد من واشنطن.
فخلال اجتماع «صلاة الإفطار الوطنية» في البيت الأبيض توجه الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى المغالين في التهجم على الإسلام في الغرب قائلاً: «حتى لا يتملكنا السرور ونعتقد أن ما يحصل (الإرهاب) خاص بمكان واحد، يجب علينا ان نتذكّر أنه إبان الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش ارتكب الناس أفعالاً فظيعة باسم المسيح». كلام أوباما، الذي وصف بأنه الكلام الأكثر نقدية والأعلى نبرة حيال تاريخ المسيحية، الذي يصدر عن رئيس أميركي لا يخفي إيمانه، استدعى ردود فعل يمينية حادة عليه.
والحال ان الأبرز في هذه التعليقات، إشارة البعض إلى ان تعليق أوباما أعقب نشر استطلاع للرأي أجراه مركز «بيو» للأبحاث في أيلول (سبتمبر) الماضي أظهر ان 50 في المئة من الأميركيين يرون أن الإسلام يشجع على العنف أكثر من غيره من الأديان. بتعبير أدق، حاول أوباما، في عبارته المقتضبة هذه، ان يهز بعض القناعات الإستشراقية الراسخة لدى جمهور كبير في الغرب عن الإسلام، والشرق عموماً، وعلاقتهما بالعنف.
هل بين المرجعيات المكرّسة في منطقتنا، من يجرؤ على نقد تاريخ الفتوحات الإسلامية، أو أي محطة أساسية من المحطات المؤسسة لتاريخنا، وما رافقها من سلوكيات فظيعة؟
حتى الآن، التدين الطائفي الطاغي يجيب بالسلب عن هذا السؤال. فهو يصدر عن السياسة المذهبية التي ترى إلى الدين بما هو أداة حرب دائمة، والتي ترى إلى التاريخ بما هو ركن من أركان الدين. لكن، عاجلاً أم آجلاً، سنجد أنفسنا أمام حقيقة أن نقد التاريخ شرط إخراج «داعش» من الحاضر.
«داعش»، أو بالأحرى كل ظواهر الإرهاب، جزء من تاريخنا المدنّس.
* كاتب وصحافي لبناني
|