التاريخ: شباط ٢٢, ٢٠١٥
المصدر: جريدة الحياة
ألف سنة من العزلة و... بالون أصفر - سامر فرنجية
وفق قوانين تقييم اللغة السياسية اللبنانية، يمكن اعتبار الخطاب الأخير لسعد الحريري في ذكرى اغتيال والده خطاباً «تصعيدياً»، أعاد فيه التأكيد على طبيعة الخلاف مع الخصم المحاور، من المحكمة الدولية إلى مشاركة الحزب في الصراع السوري وصولاً إلى مسألة حصرية السلاح وضم لبنان إلى سياسات المحاور الإقليمية.

فتحت شعار ‫«عشرة، مئة، ألف، مكمّلين»، وأمام التمثيل الرفيع لـ «التيار الوطني الحر»، استأنف زعيم «تيار المستقبل» تقليداً ١٤ آذارياً، هو إعادة التأكيد على الثوابت في مهرجان سنوي بات يشبه الطقوس الدينية، تتمّ تلاوتها في يوم واحد، ومن ثمّ التنصّل منها من خلال توضيحات وتبريرات وتفاهمات، قبل إعادة العملية مجدّداً السنة المقبلة.

على الأرجح، كان حسن نصرالله يستمع إلى الخطاب وهو يتناول مأكولاته المفضلة، من الملوخية والمجدرة والسمك. فقرّر الرد بهدوء، وهو الذي اعتاد على هذه الطقوس منذ عشر سنوات. هكذا أخرج شهداءه في مواجهة شهادة الحريري، واضعاً إياهم تحت عنوان «الثبات» في وجه حركة المستقبل الممتدة على مئات أو حتى ألوف السنوات. وبعد إدانته «جريمة» قتل العمال المصريين و«حادثة» اغتيال الحريري، ردّ على محاوره بدعوته إلى الذهاب معاً إلى سورية كمدخل لرحلات جهادية أخرى إذا اقتضى الأمر. وفي استحضار غريب لرواية ج. م. كوتزي، «في انتظار البرابرة»، دعا الجميع إلى حسم أمورهم «قبل ذوبان الثلج» الذي يهدّد بتدفق البرابرة المختبئين في تلال السلسلة الشرقية وجبالها.

ربّما استدرك الحريري رد نصرالله، فلم ينتظر وقتاً طويلاً قبل الرجوع عن تصعيده. ففي الخطاب ذاته الذي يؤكّد فيه الخطر الوجودي الذي يمثّله حزب الله على لبنان، مهاجماً النظام السوري (وقد تكون هذه اللفتة الإقليمية الوحيدة الموفّقة في الخطاب)، عاد الحريري من تصعيده وأكّد ضرورة الحوار لمواجهة خطر الصراع المذهبي والفراغ الرئاسي. وفي هذا الموقف الإيجابي، لاقاه نصر الله فأطلق بعض البالونات الصفراء بدل الرصاص، كمبادرة حسن نيّة، مظهراً مدى استعداده للتنازل عن بعض من حقوق حزبه المكتسبة منذ ٢٠٠٨.

فالحوار الجاري يتمّ وفق معايير حزب الله، وإنْ كان هذا حواراً لا يعني التوقّف عن مساءلة الحزب عن مشاريعه العبثية، على ما أكّد الحريري. ففي موضوع الإرهاب، مثلاً، شدّد الحريري على مسؤولية حزب الله في استجلاب الجنون الإرهابي على لبنان واستدراج البلد إلى حرب محاور قد لا يتحملها. غير أنّ اتهاماً كهذا يبقى لفظياً، ويترجم عملياً بدعم الجيش والقوى الأمنية، وسحب أي غطاء عن متّهمين قد ينتمون إلى بيئة «تيار المستقبل»، أي الانضواء في «الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الارهاب» التي عرضها نصرالله، بعدما اكتشف أنّه ليس من «اتفاق على أن إسرائيل هي عدو الجميع».

بات ترحيل النقاط الخلافية إلى مهرجانات إعادة تأكيد الثوابت طريقة ١٤ آذار للتأقلم مع الواقع المأزوم. فأُخرِجت مسألة اغتيال الحريري من السياق السياسي العام ونفيت إلى محكمة دولية كان من المفترض أنّ تحميها قبل أن يتبيّن أنّها مقبرة سياسية. ثمّ رُحِّل موضوع الحرب والسلم إلى الأمم المتّحدة وقرارها ١٧٠١، الذي اعتبر آنذاك انتصاراً لهذه القوى، قبل أن يتأقلم معه حزب الله ويبدأ بتفخيخه، ومن آخر محاولاته ربط جبهة الجنوب بجبهة الجولان. وآخر هذه الترحيلات كان التدخّل في سورية، حيث تحوّل تيار المستقبل إلى صمام أمان حزب الله الداخلي، بعدما أوصل هذا الأخير الوضع إلى شفير الحرب الأهلية (مجدّداً). وفي كل مرّة كانت قوى ١٤ آذار تظن أنّ حزب الله لن يستطيع مقاومة الواقع، أكان الواقع القانوني أو الدولي أو السوري، معتبرةً أنّ سياسة الترحيل تعمل لمصلحتها. غير أنّه وعكس ما كان يردّد الرئيس الشهيد، فإن هناك من هو أكبر من بلده، والذي هو من يستطيع التلاعب على سياسات الترحيل هذه.

فالحوار اليوم، مهما كان ضرورياً، محاولة أخرى لترحيل نقاط الخلاف عملاً بشروط حزب الله. واستبعاد نقاط الخلاف للتركيز على الصراع السني - الشيعي المجرّد من أسبابه إنما يجري وفق مفهومين مختلفين للانتماء الطائفي للطرفين. في وضع كهذا، باتت هوية حزب الله الطائفية سبباً لعدم تنازله عن أي من مطالبه، كون الحرب الأهلية خياراً موجوداً، أمّا هوية تيار المستقبل الطائفية، فتحوّلت سبباً لتنازلاته، كون الإرهاب خطراً يتحمّل حصرياً مسؤوليته. فحزب الله ليس مجرّد محاور، بل هو أيضاً حل لهذا الحوار، وفق تفسيره، يدافع عن «الإسلام بكامله في مواجهة أبشع تشويه للإسلام في تاريخ البشرية»، أي بكلام آخر، يدافع عن المستقبل من خطر أنفسهم عليهم.

نعم، الحوار قد يكون ضرورياً، على الأقل بتأمينه بعضاً من تواصل قد يمنع الانفجار أو يؤخره. غير أنّه يصب في مصلحة طرف أكثر مما في مصلحة الآخر. وهذا الواقع لم تخْفِه مهرجانات تأكيد الثوابت. فالمشكلة قد تكون في شعار هذا المهرجان: بعد عشر سنوات كالتي مرّت، هل يريد فعلاً تيار المستقبل استكمال هذا النهج لألف سنة جديدة؟

هذا السؤال ليس في عهدة من تبقى من هذا التيار، إذ أصبح موجهاً إلى الجميع. ففشل تيار المستقبل وقبله ١٤ آذار في مواجهة حزب الله لا يلغي المشكلة التي يشكّلها هذا التنظيم، وهي مشكلة باتت تمتدّ إلى ما وراء الحدود.