التاريخ: كانون ثاني ٢٩, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
"جمعة الغضب" انتهت بإمساك الجيش بأمن مصر
مبارك أقال الحكومة وتعهّد "خطوات جديدة" للإصلاح

القاهرة – من جمال فهمي والوكالات:


تسارعت الاحداث في مصر بوتيرة عالية بعد خروج الآلاف الى شوارع القاهرة وعدد من المدن المصرية في "جمعة الغضب" عقب اداء الصلاة للمطالبة برحيل الرئيس المصري حسني مبارك، لينتهي اليوم الطويل بعد ساعات من حبس الانفاس بظهور مبارك نفسه على شاشة التلفزيون واعلانه انه أقال الحكومة وانه سيؤلف حكومة جديدة اليوم للتعامل مع اولويات المرحلة المقبلة، متعهداً "خطوات جديدة" على طريق الاصلاح. وحذّر من ان مصر يجب ان تعي ما يدور حولها من امثلة لعدم الاستقرار.


وفيما كانت الاضطرابات تعم المدن المصرية، كانت الانظار تتجه الى واشنطن لاستطلاع الموقف الاميركي من التطورات الجارية في اكبر دولة عربية حليفة للولايات المتحدة وترتبط بمعاهدة سلام مع اسرائيل. لكن الادارة الاميركية كررت بكلمات اشد حزماً دعوتها النظام المصري الى الاسراع في اجراء اصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية تستجيب لمطالب المتظاهرين

 

وسبقت ظهور مبارك، ساعات من الفوضى راجت فيها شائعات كثيرة عن مصير النظام وخصوصاً بعد اعلان وسائل اعلام مصرية نية مبارك توجيه كلمة الى الشعب، ونفيها ذلك. كذلك اعلن منع التجول من السادسة مساء الى السابعة صباحاً في القاهرة والسويس والاسكندرية، لكن هذا الحظر لم يدخل حيّز التنفيذ فعلياً، اذ اختلطت حشود المتظاهرين بقوافل الجيش التي كلفها مبارك مساندة الشرطة في حفظ الامن، فيما كانت كل خدمات الاتصالات متوقفة في مصر.


وقبل ان يطل مبارك الساعة 12:30 فجر اليوم ليلقي كلمته، كانت الفوضى تدب في اماكن عدة من القاهرة، وخصوصاً بعد احراق مقر الحزب الوطني الحاكم وامتداد النيران الى مبنى مجاور، ثم ما تعرض له المتحف الوطني المجاور ايضاً من عمليات نهب قبل ان يتولى عدد من الفنانين المصريين فرض طوق حوله وقبل ان تصل قوة من الجيش لحراسته.


واسفرت الاشتباكات التي دارت بين المتظاهرين وقوات شرطة مكافحة الشغب والامن المركزي في القاهرة والسويس والاسكندرية عن مقتل 20 شخصاً. واقدم المتظاهرون على احراق الكثير من مراكز الشرطة التي استولوا عليها. وكان في الامكان مشاهدة سيارات للشرطة في شوارع القاهرة مهجورة لان عناصرها اما انضمت الى المتظاهرين واما تركتها وفرّت الى منازلها.
وفي ظل صمت رسمي استمر ساعات، استرعى الانتباه اعلان واشنطن ان رئيس الاركان المصري الفريق سامي عنان الذي كان يزور الولايات المتحدة لاجراء محادثات دورية مع نظرائه الاميركيين، قطع زيارته وعاد الى القاهرة، وتزامنت عودته مع ظهور مبارك لتوجيه كلمته الى الشعب، فضلاً عن انتشار كثيف للجيش في الاماكن الحساسة من العاصمة وخصوصاً مباني التلفزيون والبرلمان ومجلس الوزراء.

الموقف الاميركي


وبعد ساعة من القاء مبارك خطابه، عقد الرئيس الاميركي باراك أوباما مؤتمرا صحافيا صرح فيه بأنه ملتزم العمل مع الحكومة المصرية والشعب المصري. وقال انه أبلغ مبارك خلال اتصال أجراه معه امس ان عليه مسؤولية التزام وعده بتنفيذ اصلاحات.
وكان أوباما دعا الى اجتماع لمتابعة الوضع في مصر، طالبا اطلاعه على المستجدات أولا بأول.


وصرح الناطق باسم البيت الابيض طومي فيتور بأن الاجتماع استمر 40 دقيقة استمع أوباما خلاله الى معلومات عن الوضع في مصر من مستشاره للأمن القومي طوم دونيلون وغيره من اعضاء فريق الامن القومي. وشارك في الاجتماع نائب الرئيس الاميركي جو بايدن، وكبير مستشاريه لمكافحة الارهاب جون برينان وعدد من المسؤولين الكبار في الاستخبارات والمسؤولين الديبلوماسيين.
وفيما نقلت شبكات التلفزيون الاميركية مشاهد المواجهات في الشوارع والمباني المحترقة في وسط القاهرة، أبدت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون قلقها من الاحداث في مصر. وقالت في مؤتمر صحافي: "نحن نواصل مراقبة الوضع عن كثب ونشعر بالقلق البالغ لاستخدام الشرطة المصرية وقوات الامن العنف ضد المتظاهرين وندعو الحكومة المصرية الى بذل كل ما في وسعها لكبح جماح قوات الامن".


واضافت: "في الوقت عينه يجب على المتظاهرين الامتناع عن القيام بأعمال عنف والتعبير عن أنفسهم سلميا. وكما كررنا مرارا نحن ندعم الحقوق الانسانية العالمية للشعب المصري بما في ذلك الحق في حرية التعبير والانتماء والتجمع... وندعو السلطات المصرية الى السماح بالتظاهرات السلمية والعودة عن الخطوات غير المسبوقة التي اتخذتها بقطع الاتصالات. ان هذه التظاهرات تشير الى وجود مظالم عميقة لدى المجتمع المصري وعلى الحكومة المصرية ان تدرك ان العنف لن يلغي هذه المطالب".
ووجهت أقوى دعوة حتى الان لاجراء تغييرات سياسية وغيرها قائلة: "نحن نعتقد ان على الحكومة المصرية ان تبدأ فورا اشراك الشعب المصري في تطبيق الاصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المطلوبة".


وفي استعادة لخطاب ألقته في قطر قبل اسبوعين، اي قبيل بلوغ الاحداث في تونس ذروتها باطاحة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، قالت كلينتون ان على الزعماء العرب "النظر الى المجتمع المدني على انه شريك وليس تهديدا". ومعلوم انه بعد غضون ساعات من كلمتها في الدوحة، فر زين العابدين بن علي من بلاده الى السعودية.
وأعرب الناطق باسم البيت الابيض روبرت غيبس عن "القلق البالغ من العنف في مصر". وقال في رسائل على موقع "تويتر": "قلقنا بالغ في شان العنف في مصر... على الحكومة احترام حقوق الشعب المصري واعادة تشغيل الانترنت والمواقع الاجتماعية".


الى ذلك أكد الناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية فيليب كراولي في رسالة على "تويتر" ان "الاحداث التي تتكشف في مصر تثير القلق البالغ". وأكد أن "تطبيق الاصلاحات مهم لرفاه مصر على المدى البعيد. على الحكومة المصرية ان تعتبر شعبها شريكا وليس تهديدا".


وفي مسعى للضغط على مبارك، قال مسؤول اميركي ان الولايات المتحدة قد تعيد النظر في سياستها من حيث المساعدات العسكرية الكبيرة وغيرها من المساعدات التي تقدمها الى مصر في ضوء الرد الحكومي على التظاهرات الحاشدة.


وفي تطور آخر، قال نائب رئيس هيئة الاركان المشتركة للجيش الاميركي الجنرال جيمس كارترايت ان رئيس أركان الجيش المصري الفريق سامي عنان قطع زيارة للولايات المتحدة ليعود الى مصر بسبب الاوضاع في بلاده. وفي وقت سابق، قالت وزارة الدفاع الاميركية "البنتاغون" ان عنان يرأس وفدا لمحادثات عسكرية من المقرر ان تستمر حتى الاسبوع المقبل.
وأوضح كارترايت ان "الامر الرئيسي الذي اعتقد انه مهم حقا هو ممارسة ضبط النفس من جانبنا وكذلك من جانب نظرائنا في الجيش المصري".


ونصحت الحكومة الاميركية رعاياها بـ"تأجيل اي سفر غير ضروري" الى مصر. ودعت المواطنين الاميركيين الموجودين في مصر الى تفادي التنقل والتزام الحيطة والحذر.
وقال رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الاميركي جون كيري: "ان لدى الرئيس مبارك فرصة لتهدئة الوضع بضمان قيام عملية انتخابية حرة ونزيهة وديموقراطية عندما يحين وقت اختيار قائد جديد للبلاد  في وقت لاحق من هذه السنة".


واعتبر ان الاحداث الجارية في مصر "تستدعي قلقا شديدا" ، ودعا الحكومة المصرية وقوات الامن الى "ضبط النفس" في مواجهة التظاهرات في العديد من المدن المصرية.
ودعا المصريين الى القيام بتظاهرات "سلمية" مشيرا الى تظاهرات لا عنفية في التاريخ دعا اليها أشخاص أمثال غاندي ومارتن لوثر كينغ.

الأمم المتحدة


وفي نيويورك (من علي بردى) حضت الأمم المتحدة السلطات المصرية على احترام حرية التعبير والتجمع، مطالبة باجراء تحقيقات في الإستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين في القاهرة والمدن الأخرى. ودعت كل زعماء المنطقة الى اغتنام الفرصة للتحاور مع شعوبهم من دون استخدام العنف.
ونقل الناطق بإسم الأمم المتحدة مارتن نيسيركي عن الأمين العام للمنظمة الدولية بان كي - مون أنه "يتعين على كل الناس والزعماء المعنيين" في مصر أن "يضمنوا ألا يؤدي الوضع الى المزيد من العنف". وشدد على أن "حرية التعبير والتجمع ينبغي أن تحترم تماماً".


وسئل عن وضع داعية الإصلاح المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي في الإقامة الجبرية، فكرر أن "على السلطات أن تحترم الحريات"، وأن ذلك "ينطبق ليس فقط على مصر بل أيضاً على الدول الأخرى في المنطقة"، حيث ينبغي لزعماء الدول أن "يروا في هذا الوضع فرصة للتعامل مع هواجس الناس". وأوضح أن الأمين العام كان يشير الى مصر وتونس وبلدان أخرى "ينبغي لزعمائها أن يفهموا أن هذه فرصة للتعامل مع الهواجس المشروعة لشعوب هذه الدول". وأضاف أنه "بالحوار مع الناس يمكن الزعماء أن يفهموا تطلعات شعوبهم، وتاليا يمكنهم أن يتعاملوا بصورة أفضل مع التحديات التي يواجهونها. وهذا ينبغي أن يحصل بالحوار ومن دون عنف".
وأيد طلب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان نافي بيلاي اجراء تحقيقات في الإستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين.

كلمة مبارك


هنا النص الحرفي للكلمة التي وجهها الرئيس المصري حسني مبارك عبر التلفزيون المصري ليل امس:


الأخوة المواطنون.. أتحدث اليكم في ظرف دقيق يفرض علينا جميعا وقفة جادة وصادقة مع النفس تتوخى سلامة القصد وصالح الوطن..
لقد تابعت أولا باول التظاهرات وما نادت به ودعت اليه.. كانت تعليماتي للحكومة تشدد على اتاحة الفرصة أمامها للتعبير عن آراء المواطنين ومطالبهم .. ثم تابعت محاولات البعض لاعتلاء موجة هذه التظاهرات والمتاجرة بشعاراتها، واسفت كل الأسف لما أسفرت عنه من ضحايا أبرياء من المتظاهرين وقوات الشرطة. لقد التزمت الحكومة هذه التعليمات وكان ذلك واضحا في تعامل قوات الشرطة مع شبابنا وقد بادرت الى حمايتهم في بدايتها احتراما لحقهم في التظاهر السلمي طالما تم في إطار القانون وقبل أن تتحول هذه التظاهرات لأعمال شغب تهدد النظام العام وتعيق الحياة اليومية للمواطنين.


إن خيطا رفيعا يفصل بين الحرية والفوضى وإنني إذ أنحاز كل الانحياز لحرية المواطنين في إبداء آرائهم، أتمسك بذات القدر بالحفاظ على أمن مصر واستقرارها.. وبعد الانجراف بها وبشعبها لمنزلقات خطيرة تهدد النظام العام والسلام الاجتماعي ولا يعلم أحد مداها وتداعياتها على حاضر الوطن ومستقبله.إن مصر هي أكبر دولة في منطقتها سكانا ودورا وثقلا وتأثيرا وهي دولة مؤسسات يحكمها الدستور والقانون علينا أن نحاذر مما يحيط بنا من أمثلة عديدة إنزلقت بالشعوب إلى الفوضى والانتكاس.. فلا ديموقراطية حققت ولا استقرارا حفظت.


أيها الأخوة المواطنون، لقد جاءت هذه التظاهرات لتعبر عن تطلعات مشروعة لمزيد من الاسراع لمحاصرة البطالة وتحسين مستوى المعيشة ومكافحة الفقر والتصدي بكل حسم للفساد. إنني أعي هذه التطلعات المشروعة للشعب وأعلم جيداً قدر همومه ومعاناته.. لم انفصل عنها يوما وأعمل من أجلها كل يوم، لكن ما نواجهه من مشكلات وما نسعى اليه من أهداف لن يحققه اللجوء الى العنف ولن تصنعه الفوضى وإنما يحققه ويصنعه الحوار الوطني والعمل المخلص والجاد. إن شباب مصر هو أغلى ما لديها، وهي تتطلع اليهم كي يصنعوا مستقبلها وتربأ بهم أن يندس بينهم من يسعى الى نشر الفوضى ونهب الممتلكات العامة والخاصة واشعال الحرائق وهدم ما بنيناه.


إن اقتناعي ثابت لا يتزعزع بمواصلة الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي من أجل مجتمع مصري حر وديموقراطي يحتضن قيم العصر وينفتح على العالم.لقد انحزت وسوف أظل للفقراء من ابناء الشعب على الدوام، مقتنعا بأن الاقتصاد اكبر وأخطر من أن يترك للاقتصاديين وحدهم، وحرصت على ضبط سياسات الحكومة للاصلاح الاقتصادي كي لا تمضي بأسرع مما يحتمله أبناء الشعب أو ما يزيد من معاناتهم.


إن برنامجنا لمحاصرة البطالة واتاحة المزيد من خدمات التعليم والصحة والاسكان وغيرها للشباب والمواطنين تظل رهنا بالحفاظ على مصر مستقرة وآمنة.. وطنا لشعب متحضر وعريق.. لا يضع مكتسباته وآماله للمستقبل في مهب الريح.


إن ما حدث خلال هذه التظاهرات يتجاوز ما حدث من نهب وفوضى وحرائق لمخطط أبعد من ذلك لزعزعة الاستقرار والانقضاض على الشرعية.
إنني أهيب بشبابنا وبكل مصري ومصرية مراعاة صالح الوطن، وأن يتصدوا لحماية وطنهم ومكتسباتهم.. فليس باشعال الحرائق والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة تتحقق تطلعات مصر وابنائها، وإنما تتحقق هذه التطلعات للمستقبل الأفضل بالوعي والحوار والاجتهاد من أجل الوطن.


ايها الأخوة المواطنون،
إني لا أتحدث اليكم اليوم كرئيس للجمهورية فحسب، وإنما كمصري شاءت الأقدار أن يتحمل مسؤولية هذا الوطن وأمضى حياته من أجله حرباً وسلاماً.. لقد اجتزنا معا من قبل أوقاتا صعبة تغلبنا عليها عندما واجهناها كأمة واحدة وشعب واحد، وعندما عرفنا طريقنا ووجهتنا وحددنا ما نسعى اليه من أهداف.


إن طريق الاصلاح الذي اخترناه لا رجوع عنه أو ارتداد الى الوراء .. سنمضي عليه بخطوات جديدة تؤكد احترامنا لاستقلال القضاء وأحكامه.. خطوات جديدة نحو المزيد من الديموقراطية والمزيد من الحرية للمواطنين.. خطوات جديدة لمحاصرة البطالة ورفع مستوى المعيشة وتطوير الخدمات وخطوات جديدة للوقوف الى جانب الفقراء ومحدودي الدخل.
ان خياراتنا واهدافنا هي التي ستحدد مصائرنا ومستقبلنا وليس أمامنا من سبيل لتحقيقها سوى بالوعي والعمل والكفاح.


نحافظ على ما حققناه ونبني عليه ونرعى في عقولنا وضمائرنا مستقبل الوطن. ان أحداث اليوم والايام القليلة الماضية القت في قلوب الغالبية الكاسحة من ابناء الشعب الخوف على مصر ومستقبلها والتحسب من  الانجراف الى مزيد من العنف والفوضى والتدمير والتخريب. وانني متحملاً مسؤوليتي الاولى في الحفاظ على امن الوطن والمواطنين لن اسمح بذلك ابدا، لن اسمح لهذا الخوف أن يستحوذ على مواطنينا، ولهذا التحسب ان يلقى بظلاله على مصيرنا ومستقبلنا.


لقد طلبت من الحكومة التقدم باستقالتها اليوم، وسوف اكلف الحكومة الجديدة اعتبارا من الغد بتكليفات واضحة ومحددة للتعامل الحاسم مع اولويات المرحلة الراهنة.
وأقول من جديد انني لن اتهاون في اتخاذ اية قرارات تحفظ لكل مصري ومصرية امنهم وامانهم، وسوف ادافع عن امن مصر واستقرارها واماني شعبها، فتلك هي المسؤولية والامانة التي اقسمت يمينا امام الله والوطن بالمحافظة عليها.
حفظ الله مصر وشعبها وسدد على الطريق خطانا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(أ ش أ)