التاريخ: كانون ثاني ٢٩, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
قطع غير مسبوق للإنترنت والاتصالات
"أم الدنيا" عزلت نفسها عن العالم

بعد يومين من التشويش المتقطع على خدمات الانترنت من "تويتر" و"فايسبوك"  وتضييق الخناق على الاتصالات الخليوية، ذهبت السلطات المصرية الى ما لم يسبقها اليه أي نظام حتى الان، ونفذت ما  كان خبراء تكنولوجيا يعتقدون أنه مستحيل في بلاد ذات  اقتصاد يعتمد على الانترنت، وقطعت نفسها عن العالم بوقف كل خدمات الشبكة العنكبوتية، في خطوة تعكس القلق الكبير من "أيام الغضب" ضد نظام الرئيس حسني مبارك والتي بدأت في 25 كانون الثاني في القاهرة، قبل أن تمتد الى السويس ومحافظات أخرى، في تحد هو الاكبر للنظام المصري في عقود يستلهم "ثورة الياسمين" التونسية التي صارت الاولى تطيح زعيماً عربياً.


والى الانترنت، طلبت السلطات المصرية من شركات الهاتف المحمول كلها وقف خدماتها في مناطق محددة من البلاد، وقالت إنها ستوضح موقفها لاحقاً.


لا شك في أن "فايسبوك" و"تويتر" والرسائل النصية القصيرة "أس أم أس" اضطلعت بدور مهم في التظاهرات التي خرجت هذا الاسبوع، واثبتت قدرة غير عادية على حشد أعداد كبيرة من الناس ومساعدتهم على اكتساب مهارات مراوغة السلطات. ولكن بعد منتصف ليل الخميس - الجمعة بنصف ساعة تقريباً، وبينما كان المصريون يستعدون للخروج في يوم جديد من الاحتجاج ، لم تعمد السلطات المصرية الى حجب موقعي التواصل الاجتماعي "المتآمرين" فحسب، ولا قيدت بعض خدمات الهاتف المحمول، وانما عمدت أم "الدنيا" الى عزل نفسها عن العالم، محاولة قطع التواصل بين أبناء جيلها الثائر، وبينه وبين الخارج، لوقف الانتشار السريع للمعارضة ضد مبارك.


فعلى نحو متزامن، أوقفت الشركات الاربع الكبرى التي تزود مصر الانترنت، وهي "لينك ايجبت" و"فودافون - رايا" و"تليكوم ايجبت" و"اتصالات مصر" نقل المعلومات من مصر واليها الساعة 12:34، استناداً الى شركة "أربور نتوورك" التي تراقب حركة الانترنت. وصباح أمس، لم تكن الا شركة "نور" تزود خدمة الانترنت. وبذلك، صار متزودو الخدمة من الشركات والمصارف ومقاهي الانترنت والمدارس والسفارات والمصالح الحكومية الذين يعتمدون على الشركات الاربع الكبرى، أي ما يعادل 88 في المئة من الشبكة، معزولين عن العالم.


ولم يستثن الحظر الا خدمات البورصة، فيما احتفظ  بعض المؤسسات الكبرى ذات الاتصال المستقل بالانترنت بصلتها بالشبكة العنكبوتية.


كذلك، قطعت خدمات الرسائل القصيرة عبر الهاتف الخليوي، كما قطعت خدمات "بلاكبيري" ولم تعد الى العمل الا على نحو متقطع ، في خطوة اضافية ترمي الى اعاقة تنظيم التظاهرات.
ما حصل في مصر أمس شكل سابقة، اذ لم يحصل ان لجأ أي نظام الى حظر تام للانترنت رداً على تظاهرات واحتجاجات.


فعام 2009، أعاقت ايران خدمات الانترنت خلال "الثورة الخضراء" في محاولة لتقويض الاحتجاجات ضد اعادة انتخاب محمود احمدي نجاد.وقبل ذلك بسنتين، شلت الانترنت في ميانمار عندما اتخذ النظام العسكري خطوة جذرية لقطع شرايين الاتصالات في كبرى المدن، وهو ما أحبطه ناشطون يستخدمون هواتف خليوية وقنوات اتصال عبر الاقمار الاصطناعية.ولكن في كلا الحالين، لم يصل الامر الى حد تعتيم تام للشبكة العنكبوتية.


وقال خبراء إن ما يجعل الخطوة المصرية استثنائية هو أن البلاد كلها قطعت عن الشبكة في ما بدا جهداً منسقاً، وأن كل انواع الاجهزة تأثرت بها، من الهواتف الخليوية الى أجهزة الكومبيوتر المحمول.
واستناداً الى مراقبين أن "الفارق بين الحالة المصرية وحالات أخرى مشابهة هو أن كبرى مزودي خدمة الانترنت باتت خارج الخدمة ، بينما في حالات أخرى، حظرت مواقع التواصل الاجتماعي مثل فايسبوك وتويتر".


عموماً، لا ود كبيراً بين مصر والانترنت، وإن يكن 23 مليون مصري، أي ما يعادل ربع عدد السكان، يتمتعون بهذه الخدمة على نحو دوري أو متقطع.وتعتبر منظمة "صحافيين بلا حدود" القاهرة من أعداء الانترنت، بعدما دأبت السلطات القضائية والشرطة في السنوات الاخيرة على تضييق الخناق على المدونين ومستخدمي الانترنت الذين ينددون بالفساد وسياسة نظام مبارك. ولكن خلافاً لتونس، لم تنشئ مصر أنظمة لفلترة المواقع أو خدمات الانترنت، بيد أن هذه السياسة تغيرت مع بدء الاحتجاجات الكبيرة في كانون الثاني، وبدأت السلطات تمنع بين الحين والاخر خدمات مثل "تويتر" و"فايسبوك".


والخميس، قطعت مدينة السويس التي تشهد تظاهرات عنيفة ، تماماً عن العالم مع اضطرابات كبيرة في شبكة الانترنت، ولكن أيضاً في شبكات الاتصالات الثابتة والمتنقلة.
باختصار، تظهر الخطوة التي اتخذتها السلطات المصرية لعزل البلاد على نحو شبه كامل عن شبكة الانترنت، السهولة التي يمكن بها دولة ان تعزل شعبها عندما يكون مقدمو خدمات الاتصالات قليلي العدد ومذعنين، غير عابئة بالاثار الجانبية  لخطوة كهذه.
موناليزا فريحة