التاريخ: آذار ٢٧, ٢٠١١
المصدر: جريدة المستقبل الللبنانية
 
عرب وغرب: المشهد وآفاق الحوار- السيد هاني فحص

هذه اللقاءات فرص ذهبية لتمتين الإيمان وتزيينه بالمحبة والحوار، ولا أظن أنكم تدعون أمثالي إليها لأننا متساهلون في امورنا الدينية مجاملة لكم أو نفاقاً لا تحبونه، بل لأننا مسلمون مواظبون من دون تزمت او انغلاق، ومقتنعون بأن الخطر على وجودنا وديننا، يأتي أول ما يأتي من القطيعة وإغلاق الأبواب والعقول والقلوب، وأن التواصل هو أضمن وسيلة لتنمية الإيمان وصيانته.


وهذا يدعونا، جميعاً، إلى التعاون على إدامة حضور كل منا في مجال الآخر، في حياته، وثقافته ومصلحته، لأن أي تراجع لهذا الحضور هو خسارة مشتركة ومضاعفة.. من هنا ندعو إلى تأسيس ورشة مسكونية، للحفاظ على الحضور المسيحي في الشرق وفي بلاد العرب خاصة، وعلى الحضور الإسلامي في الغرب، حتى لا نخسر معاً مقدار وقيمة حضورنا في موطننا الأم.


وعلى طريق تحقيق هذا الهدف الجليل الذي يرقى إلى مستوى العبادة لله.. ويثلج قلب محمد والمسيح، لا بد لنا كمسلمين ان نحفظ حضورنا في مشرقنا وفي المغرب، لأنه من دون هذا الحضور يرتبك دورنا ورغبتنا في حفظ الحضور المسيحي، ولا نستطيع أن نرشّد الوجود الإسلامي في الغرب إلا من خلال تنشيط رغبة المسلمين في الانسجام مع محيطهم وإغناء المجال المشترك بخصوصياتهم، ولا أدري كيف نحقق ذلك إذا بقي المتطرفون في صفوفنا يتناغمون مع المتطرفين في صفوفكم؟ وبقيت عنصرية الجماعات المتطرفة حجة وذريعة للعنصرية المضادة لدى كل منا؟


تعالوا إذن نتفق على مزيد من الإصغاء والتواصل مع الحالة الشعبية المتعاظمة في كل البلاد العربية، والتي تقول لنا: ان قرناً وربع القرن، أي من احتلال مصر 1889 إلى فشل التدخل في العراق في تأسيس البديل لسلطة الاستبداد والتخلف... إن قرناً وربع قرن، من تدمير الذات العربية والإسلامية، بأدوات داخلية وإرادة مشتركة مع الخارج... يكفي.. ومع احترامنا لكثير من التصريحات الغربية المتعاطفة مع حركات الاحتجاج والتغيير المنتظر ان تمتد إلى مزيد من الدول.. فإننا نرجو ان تتحول هذه العاطفة إلى شعور بالمسؤولية المشتركة عن مساوئ الماضي، وعن الرغبة في المشاركة في التصحيح الضروري، من أجل ايماننا المشترك، وانساننا المشترك وحياتنا المشتركة، وعلاقاتنا التي يجب أن نستكشف جذورها في مكوناتنا الدينية، عسى أن يساعدنا ذلك على تجديد الشراكة الحضارية الكونية، على إيقاع العولمة ومعاييرها العلمية، التي تحتاج إلى ضماناتنا الأخلاقية حتى لا تكون جائرة على الشعوب الضعيفة... على أن نراعي في ذلك ضرورة وحدة المعايير والتكافؤ في انتاج أطروحة ثقافية علمية وروحية جامعة ومرنة، ومن دون خطأ التقليل من أهمية الاختلاف والتعدد وحيويته وضرورته للتكامل والإبداع، بشرط حسن إدارته كي لا يتحول إلى خلاف وصراع، وحروب دينية، تأكل الأديان، في ما هي تقتل الإنسان.


إن التجارة البينية، بيننا وبينكم، سواء كانت من موقع قوتكم وضعفنا أو العكس، ومن دون ثقافة بينية ننتجها معاً وهو الممكن والمطلوب، او تنتجونها انتم إن امكن مع الحفاظ على وجودنا فيها، او ننتجها نحن إن أمكن مع الحفاظ على حضوركم فيها.. تلك التجارة إلى كونها ضرورة لحياتنا وحياتكم، تنفعنا وقد تضر بنا أكثر وهي إن لم تضر بكم في المدى البعيد، فلن تنفعكم دائماً.


ولأنها، أي التجارة غير المسنودة بثقافة ملائمة، محكومة بأن تكون ذريعة، أي مفتقرة إلى الروح والمعنى، اللذين لم تحفل بهما كثيراً اتفاقية (الغات) ولا (معاهدة التجارة الدولية) ولم تطبق الأمم المتحدة ما ألزمت به نفسها تاريخياً بهذا الشأن إلا في حدود قليلة الجدوى.. فسوف تكون، تلك التجارة، كما كانت دائماً، سبباً لإختلال المعايير، معايير العدالة والمحبة، في توزيع ثرواتكم وتداولها، وفي دورة انتاجكم الاقتصادي والاجتماعي، ومجلبة للفساد لنا ولكم، وتهريب الثروات وخلخلة السياقات التنموية واختراق استدامتها وشموليتها، ومدعاة لمراكمة الفوارق الطبيعية الفاحشة في اجتماعكم واجتماعنا المفترض أن يكونا متضامنين... وهما يتضامنان قطعاً عندما ينكشف ان الخطر على استقرارهما يأتي من مصدر واحد.. من نقص الحريات وحقوق الإنسان، وإن كنتم من طرفكم قد تقدمتم كثيراً على هذا الطريق، إلا أن ادارتكم الرسمية لم تساعدنا كثيراً على التقدم في هذا المجال... بل شجعتنا لفظياً وساعدت طبقاتنا الحاكمة عملياً على قمعنا وإعاقتنا... إلى أن ثار اجتماعنا على حكوماتنا فاستبشرنا كثيراً ولكن خوفنا من المسقبل لا يزال حاضراً.. ونخاف أن لا تكون الإدارات الغربية جادة في هذه المرة أيضاً في حرصها على تحررنا ونهوضنا.
ما قد يؤدي إلى اعادة او تجديد انتاج التطرف ضدنا وضدكم، بعدما استطاعت ما قد يؤدي إلى اعادة أو تجديد انتاج التطرف ضدنا وضدكم، بعدما استطاعت الجرعة الوطنية والمدنية في الاحتجاج الشعبي العربي والاسلامي أن تشير إلى رجحان الاعتدال والوسطية في المستقبل القريب.


في الإنجيل كلام كثير وعميق وشفاف عن الأمم وعن الانسانية وعن الخراف والرعاة وعن ملح الحياة، أي الدين والعلم، وعن خطورة فساد هذا الملح بالعصبية والانغلاق ومنع التبادل... وعن المحبة، حتى محبة الأعداء وعن معادلة السبت والإنسان وأولوية الإنسان على السبت... وفي القرآن ربط صريح ومحكم لوجوب طاعة الرسول في دعوته على أساس ما تدعو اليه من حياة وإحياء، وكلام عن الوسطية كمؤهل للرؤية والشهادة وعن الوحدة الانسانية كمعادل لتوحيد الله وللعبادة والتقوى، وفيه أن التعدد دليل الحكمة الإلهية والوحدانية، وغايته التبادل الذي من دونه يبقى التدين ناقصاَ ويبقى العلم ناقصاً او من دون جدوى... أو لا يكون.. ويقيم ذلك على معيار التقوى أي تجنب الأضرار بالناس، مع تحقيق النفع للناس، كل الناس، لأنهم عيال الله، يجمعهم خلق الله لهم إن لم يجمعهم الدين، والآية الأشد دلالة على هذه المعاني هي: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم".


وعندما يقرأ الأديب القرآني (الراغب الأصفهاني) هذه الآية يعمل على تسييلها كالتالي: "في العربية تقول شعِبْت إذا فرقت وإذا جمعت". فكأن القرآن بناء على ذلك يريد أن يرينا التعدد في الواحد والواحد في التعدد وكأن كلاً منهما ضرورة للآخر...
يقول الأصفهاني ما مضمونه انه كأنك من تعدد الناس في أديانهم وألوانهم والسنتهم، أمام طريق ينشعب إلى طريقين، أي يفترق، أو طريقين يتشعبان أي يجتمعان في طريق واحد، فإذا أتيت من جهة الاجتماع رأيت واحداً يتعدد، وإذا اتيت من جهة التعدد رأيت اثنين يتحدان.


هذا كلام عن الثقافة التعددية الجامعة، والتي يكون التعدد شرطها وهي تصبح شرطاً له، كي لا يتحول التعدد إلى فصال وتبادل للإلغاء والإقصاء، ولا تتحول الوحدة إلى نمطية قاتلة ومصادرة ومعطلة.
هذه الثقافة البينية هي العلاج والوقاية، ونحن وإياكم، من أجلنا ومن أجلكم، مضطرون ومطالبون وقادرون على إنتاجها، وتطوير تجربتنا الناقصة في مجالها، طبقاً للشروط المعاصرة، أي من دون أن تكون المعرفة بالآخر مدخلاً أو ذريعة للاستحواذ عليه، أو للرد على الاستحواذ بالبغضاء والارهاب. والجهل والتجهيل واستغلال الدين ضد الدين... وعليه فقد يكون من المستحسن أن تتعاظم معرفتكم بنا وبثقافتنا وأوجاعنا وأحلامنا بسلام يعمنا جميعاً، يمر بالقدس ويقيم فيها، ولعله من الواجب أن يعاد النظر في طريقة استخدام ما تحصل لديكم في الماضي من معرفة بنا.


هذا في حين ان أجيالنا السابقة واللاحقة، لم تدفعها العلاقة المتوترة بيننا وبينكم، إلى في حدود، إلى القطيعة مع منجزاتكم الثقافية، وبقي المعتدلون والنسبيون منا، ولا يزالون، مصرين على التوازن والعناية بالثقافة الغربية كضرورة حياة، لقطع الطريق على من يعادون الغرب وكل أمر غربي لأنه غربي، خلاف الثقافة الإسلامية ومقاصدها العامة، أو الذين يريدون لكل الشرق وكل أمر شرقي أن يكون غربياً، خلافاً للثقافة الغربية والعربية.


من البداية في تونس إلى هذه اللحظة، نلاحظ تراجع الحضور او الغياب شبه الكامل للقاعدة وتفريعاتها وشقيقاتها ولابن لادن وأمثاله، عن السمع والمشهد. ولعلها بشرى، لأنها تعني أن شعوبنا إذا ما تركت لتعبر عن نفسها كما هي، لا تقصر في التمسك بدينها، ولكنها لا تخلط بشكل فوضوي بين الدين والدولة او السياسة، وهذا يلزم الجميع بأن يدعوا هذه الشعوب تبني دولها المدنية وديموقراطيتها وعمرانها وانتاجها تحت سقف القانون، بذاتها، وأن يساعدها عندما تحتاج إلى المساعدة وبالطريقة التي تحددها، وتعود منفعتها على الجميع. ولطالما كانت شعوبنا التي استبد بها الداخل والخارج او هما معاً، تريد وتقدر على انتاج وبناء عمارتها الإدارية والرعائية الحاضنة والحديثة والحرة والتقدمية والتداولية... ولكن التدخلات الخارجية كانت عاملاًَ مساعداً أو قوياً أو حاسماً أحياناً في منعها من ذلك، ما انتج لنا سلطات لا تمثلنا. ولعلنا الآن أكثر من أي وقت مضى، وعلى ايقاع المتحولات العلمية، ومع انكشاف كثير من المفاهيم والتعميمات والشموليات غير العلمية في المجال السياسي والفكري والاجتاعي، لعلنا، ذاهبون بقوة وبأثمان نرجو أن لا تكون كبيرة في أرواحنا وممتلكاتنا وثرواتنا المهربة أو المبددة، إلى القانون والمواطنة والديموقراطية، ونرجو أن لا يساعدنا أحد على استبداد آخر يدعي العلمانية بديلاً للاستبداد الديني، والذي نحن كفيلون بصده... أو الاستبداد الطبقي أو العسكري أو الاثني، علماً بأن التجربة قد اثبتت أن الاشد تخلفاً وفتكاً من حكامنا كانوا هم الذين يتظاهرون بالعلمانية ويتحدثون بلغات ثقافية غربية لم يدركوا دلالاتها... فأسهموا في افراغ العلمانية من محتواها أو مبررها المدني والديموقراطي وحولوها إلى عقائدية متحجرة وقاتلة.


من ديننا الذي يدعو إلى التحضر ويعد نفسه باستمرار لحراسة المدنية، ومن مدننا التي تجمع الكوسموبوليتية إلى الوطنية والمحلية، نقدم طلب انتسابنا إلى الورشة الحضارية القائمة على تحرير المشتركات الروحية ومساحات الثقافة البينية. ولنعمل معاً على وضع النظام الداخلي لهذه الورشة وبرنامج عملها... ولنبحث عن حجر الزاوية الذي أهملناه طويلاًَ لنضعه في مكانه من عمارتنا الحضارية، أي الثقة.


استرعي انتباهكم إلى ان الشراكة الشعبية المصرية في همّ الخبز والحرية والتغيير من أجلهما دفع بالانقسام الاسلامي المسيحي في مصر إلى ما وراء الصورة. كما ان بيان المرجع السيد علي السيستاني يوم الأحد 20/2/2011 حول حق التظاهر المدني السلمي ضد فساد الدولة وقصورها وتقصيرها في العراق، يعدنا بنصاب اجتماع عراقي على الحرية والنهوض والوحدة والشراكة، ويؤشر على بداية ممكنة في حماية الحضور المسيحي في العراق كشرط لنهوض العراق وسلامته لأن اولوية العراقيين أصبحت واحدة وضيقت الفرص على الذين يخوضون في وحول الطائفية ودماء أبناء الطوائف والأديان.


إن المشترك الإيماني بين المسلمين من كل المذاهب وبينهم وبين عموم الموحدين أو المؤمنين والنصارى خاصة اوسع وأعمق وأوضح بكثير مما راكمنا عليه من تبانيات وصراعات ودماء، نستطيع التبرؤ منها والعزم على عدم السماح بمثلها، ولعلنا ملزمون بذلك.. والأساس في منظورنا هو ان القرآن لا يحصر الخلاص في أي جماعة دينية، بل الخلاص في القرآن فردي، والجماعة لا تخلص لأن ذلك خلاف عدل الله وخلاف المحبة. التي هي شرط العدل تأسيساً ودواماً.

 

[ ورقة تليت في اللقاء الحواري الذي عقد بدعوة من جمعية "سانت ايجيديو" في روما في 23/2/2011