|
رام الله - من محمد هواش:
مع رحيل الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي وما يمثل، واندلاع موجة الاحتجاجات الواسعة في مصر ودول اخرى في المنطقة، فان الفلسطينيين يسألون ان كانت اوضاعهم مرشحة لاحتجاجات مشابهة ذات مدخلين سياسي واجتماعي. والسؤال تشرّعه العلاقة القوية التي تربط بين السلطة الفلسطينية وهذه الانظمة المنهارة، واحتمال ان ينعكس اي تغيير سياسي في هذه الدول على اللعبة الفلسطينية برمتها.
سياسياً، هناك التهديد الذي تمثله حركة المقاومة الاسلامية " حماس" التي تستمد الزخم من التقدم الاقليمي الذي حققه الحلف السوري الايراني في لبنان، من جهة، ومن تراجع اوضاع حلفاء السلطة الفلسطينية العرب ما عدا السعودية من جهة اخرى. ويعتقد كثير من الفلسطينيين في الضفة الغربية أن نشر قناة "الجزيرة" ما قالت انه وثائق تكشف "مستور" المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية يصب في هذه الخانة، وينطلق منها، وتالياً نزع الشرعية عن المفاوض الفلسطيني كي تتوقف اي مفاوضات ممكنة في المستقبل خارج اطار خريطة طريق لهذا الحلف مع الغرب يعيد فيها ترسيم حدود و النفوذ الجيوسياسي مواقعه بينهما. ويعتقد فلسطينيون كثر ايضاً ان هذه المعركة (كشف المستور) لا جديد فيها قد يؤدي الى نتائج سياسية مع أنها هزت وتهز مكانة المفاوض الفلسطيني، لكنها لا تملك إمكان إسقاط منظمة التحرير بشكلها الحالي ممثلاً للشعب الفلسطيني. ومن دون تأسيس شرعية جديدة لمنظمة جديدة من هذا النوع فلا تغيير سياسي من هذه الجهة. فكل المواقف التي تضمنتها "الوثائق" لا تدل على تنازلات عما يسميه الفلسطينيون ثوابت، اذ غادر الفلسطينيون جميعاً تلك الثوابت، وصاروا موحدين حيال اقامة دولة فلسطينية على حدود 4 حزيران 1967 بصرف النظر عما يدعيه كل منهم. وكل كلام آخر هو كيدي. وكان لافتا خلال الايام القليلة الماضية دعوة بعض قياديي حركة "حماس" الى نزع الشرعية عن " سلطة فتح ومنظمة التحرير" وذهب بعضهم حد الدعوة الى تاليف "جبهة وطنية" بدلاً من منظمة التحرير الفلسطينية بعد " كشف مستورها". مع ان المنظمة تحاول في المفاوضات مع اسرائيل ان تجعل اقامة دولة فلسطينية على اساس حدود 4 حزيران عاصمتها القدس الشرقية محوراً وناظماً لتطور الشعب الفلسطيني بصرف النظر عن استعدادات لتنازلات في مواضيع كثيرة لتحقيق هذا الهدف لا خلافه.
المدخل الثاني لاحتجاجات فلسطينية، كما يحدث في تونس ومصر وغيرهما، تأتي مما تهدد به النقابات الفلسطينية (نقابة الموظفين العموميين، نقابة المعلمين، نقابة المهن الطبية) على خلفية اجتماعية – اقتصادية، وعدم قدرة الاقتصاد الفلسطيني تحت الاحتلال على تحفيز نمو نوعي غير قابل للانتكاس تحت ضربات الحصار الاسرائيلي وتقييد اسرائيل حرية الافراد والبضائع من فلسطين واليها، وهو ما يضعف ايجاد فرص عمل امام جيوش الخريجين ( التعليم الجامعي في فلسطين غير مجاني)، وعدم قدرة الادارة الفلسطينية للمال العام وقف انفجار اسعار السلع الأساسية، خصوصاً الطاقة واللحوم والخبز والسجائر، او التدخل لحماية المستهلك من طريق دعم بعض السلع الاساسية.
وهناك مؤشرات اقتصادية مدعاة للتأمل، اذ ان مؤشر البطالة في فلسطين لا يزال مرتفعاً على رغم تناقصه بصورة ضئيلة من 25 في المئة الى 24 في المئة، ويوجد اليوم 218 ألف عاطل من العمل (106 آلاف في الضفة و112 ألف في غزة) مقابل 150 الف موظف لدى السلطة الفلسطينية من اصل مليون هو عدد افراد قوة العمل الفلسطينية.
وهناك زيادة تراكمية في مقياس غلاء الاسعار مقدارها 55 في المئة من سنة 2001 حتى سنة 2010. وانخفض مؤشر الفقر بنسبة 33 في المئة بين 2007 و2009. وهي معدلات تغيير مهمة مع انها لا ترضي السلطة الفلسطينية. كما ان ميزان الهجرة من فلسطين بلغ سنة 2009 صفراً، اي صارت فلسطين بيئة غير طاردة للفلسطينيين.
وهناك 60 الف عائلة فلسطينية تتلقى دعماً مالياً مباشراً يصل الى 200 دولار شهرياً في اطار توفير شبكة امان للفئات المهمشة ممولة من الاتحاد الاوروبي. وثمة قرار حكومي برفع عدد الأسر المستفيدة من شبكة الأمان الى 90 الف عائلة. وكل ذلك لا يؤدي الى خروج الفلسطينيين عن خطي فقر هما : العادي بمعدل 2635 شيقل (نحو 750 دولاراً) لاسرة من ابوين و4 اولاد. والمدقع 1200 شيقل (نحو 350 دولاراً) للاسرة ذاتها. وغالبية الفلسطينيين ذوي الدخل المحدود يندرجون تحت خط الفقر العادي بقليل وفوق خط الفقر المدقع. ولا يوجد جوع او بؤس في فلسطين، كما هو الحال في دول مجاورة. وهو ما يقلل التوقعات بانفجار فلسطيني اليوم على خلفية اجتماعية من دون استبعاد احتجاجات واسعة.
|