|
قبل ثلاثة أشهر من تاريخه، كانَ الحديثُ عن استثناء ديموقراطيّ لبناني ولو محدود قياساً على النظم السلطوية العربية، هو حديثًا مُجازًا مروره دون عراقيل نقدية تُذكَر، وخصوصاً أنّ "الاستثناء الآخر"، أي المخاض الديموقراطيّ العراقيّ، نشأ في ظلّ احتلال أجنبيّ وحرب أهليّة وإرهابية، وما زال يجاهد كي تحلّ الصورة الواعدة للعراق الديموقراطيّ الإتحاديّ مكان الصور البشعة لعراق الاستبداد والاحتلال والفتنة.
إلاّ أنّ الأحداث الجارية على قدم وساق منذ ثلاثة أشهر، جعلت الاستثناء الديموقراطيّ اللبنانيّ يقف حائراً وسط الزلزال الديموقراطيّ العربيّ الكبير. فمن جهة، يكتشف النموذج اللبنانيّ أنّ ديموقراطيّته الطائفية الرثّة هي سجن يفصله عن حراك الشباب الثائر من المحيط إلى الخليج، كما أنّ نظام الإشرافات الإقليميّة المتعدّدة يفرض على اللبنانيين الحديث بلغة ملتبسة ومزدوجة، هذا على أقلّ تقدير.
إلا أنّه، ومن جهة أخرى، يكتشف النموذج اللبنانيّ أنّ الشروط الطائفيّة التي تؤمّن له شكلاً من الديموقراطيّة وتحكم على هذا الشكل في الوقت نفسه بنمط معيّن من التطوّر السياسيّ والثقافيّ والإجتماعيّ، هي شروط متقدّمة على كل ما يُطرح في أي مجتمع عربيّ آخر في اليوم التالي مباشرة للتغيير المنشود على رأس الهرم، بل حتى قبل ذلك. فالزلزال الديموقراطيّ الكبير يهوي بالتفرّد والتسلّط والحكم المديد ومشاريع التوريث الجمهوريّة، لكنّه أيضاً يعرّي المجتمعات العربية ويعيد تظهيرها على حقيقتها، بل أنّ المكابرة على هذه الحقيقة تُسهم بدورها في إعادة هذه المجتمعات إلى بناها الإثنية - العصبية الأولى، سواء كان الحديث هنا عن عصبيات قبلية أو طائفية أو مذهبية أو مناطقية أو عرقية أو لغوية.
وتلك هي المفارقة الآن: الديموقراطية اللبنانية الطائفية محدودة ورثّة، ومتأكّلة فوق ذلك بفعل التداول العنيف للمشاريع الهيمنية بين الطوائف، وهي معرّضة بشكل مركّز منذ ما بعد حرب تمّوز للمشروع الهيمنيّ الفئويّ الأكثر خطورة. وكل هذا يجعلها تخرج بمظهر رجعيّ تماماً قياساً على المدى الذي وصلته الإنتفاضات العربية. إلا أنّه، وفي الوقت نفسه، يبقى الاستثناء الديموقراطيّ اللبنانيّ قادراً على الإجابة عن أسئلة كثيرة يطرحها الزلزال الديموقراطيّ في البلدان العربية الأخرى، وتتصل بطريقة التدبير في ظلّ مجتمع محكوم بعصبيات مختلفة وبالشكل الذي يجعل حسابات الأكثرية والأقلية محكومة بهذه العصبيات، خلافاً لأساسات الديموقراطية السياسية.
فالحال أنّ جزءاً أساسياً من الشقاء العربيّ يكمن في اعتماد الترسيمة "اليعقوبية" المستوحاة من صقور الثورة الفرنسية الكبرى، وهي ترسيمة تعطي الأولوية لتحقيق المجانسة القومية واللغوية، ولا تفقه نموذجاً للدولة غير تلك المركزية أي "البوتقة الإنصهارية". وبما أنّ الدولة المركزية كانت فوق طاقة معظم المجتمعات العربية، ولا تنسجم مع الفسيفساء الإثنية والدينية فكان من الطبيعي أنّ يؤدي اعتمادها لنموذج الدولة المركزية إلى قيام التسلّط العسكريّ أو المخابراتيّ في "مركز" الدولة المعنية، وإلى انتهاج سياسات تراوح بين "فرّق تسد" وبين "رهن الإنماء بالرضوخ" في "أطراف" هذه الدولة.
من هنا، فإن أخطر ما من شأنه إجهاض الإمكانات الديموقراطية اليوم هو إعادة تكرار الخطأ التاريخيّ نفسه في العالم العربيّ، أي خطأ تطبيق النموذج اليعقوبيّ الجمهوريّ المركزيّ. وأهمّ ما في النموذج اللبنانيّ الإعراض عن هذا النموذج اليعقوبيّ الجمهوريّ المركزيّ، لمصلحة ديموقراطية محدودة بفعل التقييد الطائفيّ، لكنّها أقل رياء من النظم الأخرى في مقاربتها لواقع مجتمعها، المنقسم على أساس عصبيات، وليس على أساس أيديولوجيات وأمزجة سياسية ومصالح اقتصادية بالمعنى الحديث، الطبقيّ، للكلمة.
فهل يكون الزلزال الديموقراطيّ العربيّ مناسبة لإعادة التعرّف الى الخصوصيات المحدّدة للنموذج اللبنانيّ للانطلاق منها نحو وضع تصوّر إصلاحيّ حقيقيّ؟ أم يكون هذا الزلزال مناسبة للمكابرة على القيد الطائفيّ لديموقراطيتنا، فتكون نتيجته طائفية غير مقيّدة بالديموقراطية، أي طائفية تعمل على محرّك واحد، هو محرّك الغلبة، فيما تعمل الديموقراطية الطائفية على محرّكين، هما منازغ الغلبة من ناحية، ومنازع التوازن من ناحية أخرى.
بكل أسف، لم يجد هذا النقاش بعد فضاء سانحاً لاستقباله، لا في الطبقة السياسية ولا في الإنتلجنسيا ولا في المجتمع المدنيّ. كلّ ما هناك هو انشطار الأمزجة بين من يدعو إلى الحفاظ على النموذج الذي بين أيدينا كي لا نخسره، وعدم المخاطرة في أي تصوّر إصلاحيّ له، وبين من لا تصوّر إصلاحيّاً لديه إلا التعريض بواقعية هذا النموذج اللبناني في تعامله مع الواقع التعدّدي الطائفيّ والمناطقيّ. من هنا كان الرياء الداعي الى "إسقاط النظام الطائفي" مؤخّراً. وهو في الواقع رياء مضاعف: أوّلاً لأنّه يدرك تماماً أنّ دعوته تقضي بإحلال غلبة فئوية، وبقوة السلاح، أي نظام فصل عنصريّ شامل. وثانياً، لأنّه يستهدف الجوانب الإيجابية في النظام اللبنانيّ، ويحمي الجوانب السلبية. ذلك أنّه عندما تستهدف المناصفة الإسلامية المسيحية يُستهدف الجامع المشترك بين اللبنانيين. في ظلّ المناصفة، هناك كثير من القواسم المشتركة وهناك الكثير منها على الطريق كلما قويت المناصفة. أما إذا فرط عقد المناصفة، فإن العكس تماماً سيحدث، ولن يعود يجمعنا جامع.
أمّا الجانب السلبيّ من النظام اللبنانيّ أي المحاصصة، فهو جانب لا ذكر له لا في ميثاق ولا في دستور ولا في قانون، و"إلغاء النظام الطائفي" كونه يحصر إشكاليته في الإغداق علينا بتشريعات جديدة فليس بمستطاعه معالجة المحاصصة والزبائنية التي تفرض نفسها فوق كومة التشريعات. إلا أنّ غوغائية الدعوة إلى "إسقاط النظام" اللبنانيّ ينبغي ألا تفقد التغييريين الحقيقيين البوصلة: لقد آن الأوان للتفكير في فصل جذريّ للمناصفة الإسلامية - المسيحية عن المحاصصة والزبائنية، وإعادة تأسيس المناصفة على اللامركزيتين الإدارية والثقافية. وهنا التحدي الكبير للبنان في القرن الحادي والعشرين: ترحيل المحاصصة إلى الهامش، وإرجاع المناصفة إلى موقع المتن في بنية هذا النظام.
|