|
"أنتم مجانين"، قال رفيق الحريري لمحدثيه الذين فاتحوه برغبتهم في تشكيل تجمع سياسي حمل لاحقاً تسمية "لقاء قرنة شهوان". واضاف: "اليوم تريدون إطلاق معارضة لسوريا بعدما تسلّم رئاستها شاب إصلاحي متعلم ومنفتح؟".
كان ذلك عام 2000. يروي الراوي ان الرئيس الذي أصبح شهيداً عوّل كثيراً على الرئيس بشار الأسد لتسوية الأوضاع الشاذة في سوريا، وبالتالي لبنان الذي كان تحت وصايتها الكاملة، قبل أن يُفجع بآماله في نهج تغييري ينبثق من قصر المهاجرين ويشع على سوريا ولبنان. بعد تلك الحقبة سيهمس قريبون من الحريري الأب والإبن أن من لا يتنازل لشعبه لن يتنازل للبنانيين. وسيزيد أحدهم، وهو نائب بيروتي، لـ "النهار" أمس انه بعد خطاب الرئيس السوري لم يعد يتوقع سوى حكومة مواجهة في لبنان يشكلها مغلوباً على أمره نجيب ميقاتي.
ربما تبيّن للنائب أنه كان يغلّب التمنيات والحسابات المنطقية عندما توقّع قبل 24 ساعة أن يقدّم الأسد في خطابه رزمة إصلاحات مهمّة وملموسة إلى "جماهيره المؤلّفة" التي تظاهرت تأييداً له في دمشق والمدن السورية، وليس إلى المتمردين المطالبين بإسقاط النظام. كان النائب لاحظ ان واشنطن عبر وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون وغيرها ركزت على أنها ليست في وارد تعامل مع الأسد على غرار تعاملها مع الزعيم الليبي المحاصَر معمّر القذافي، وأن أوروبا أيضاً متساهلة في تعاطيها والأحداث في سوريا، كما ان قادة الدول العربية بدءاً من الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز لا يريدون للرئيس السوري إلا البقاء وحل الأزمات في بلاده بما يناسب. وذكّر بأن الأسد "أعطى" عرب الخليج في البحرين بعدما كان أعطاهم في اليمن حيث لم يؤيد ثورة الحوثيين، لكنه أضاف: "فلننتظر الخطاب. إذا كان ليّناً في سوريا فسيكون ليّناً في لبنان أيضاً. وعند ذلك يستطيع ميقاتي أن يسعى جدياً إلى تأليف حكومة محض تكنوقراط بغطاء سوري – عربي - لبناني كافٍ". بعد الخطاب سألت النائب نفسه: هل فهم الأسد النصائح التي تلقاها من قادة الشرق والغرب على أنها رسائل دعم له؟ "هذا تبسيط للأمور" أجاب بديبلوماسية، وأضاف: "ما لاحظته أن خطابه كان مرتبكاً، فقد فصل في المستهل بين الناس، فهناك أصحاب الحق وهناك المتآمرون. لكنه خلط بينهم في ما بعد، فهدّد المتآمرين ولم يعطِ الأبرياء شيئاً".
في شارع آخر من بيروت لم يكن سياسي 14 آذاري فاعل يتوقع غير ما قاله الأسد. وهو يعود إلى الذاكرة ليحلل أحداث اليوم والغد، فيقول: "عام 2003 جاء كولن باول إلى دمشق، كان وزيراً لخارجية بلاده الولايات المتحدة المتأهبة آنذاك لغزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين بالقوة، وأبلغ الأسد صراحة أن الدور الإقليمي لسوريا قد انتهى، وجلّ المتاح له هو إدارة شؤون سوريا الداخلية وإجراء عمليات الإصلاح والتحديث فيها. كان انعكاس ذلك على لبنان إن الجيش السوري سيخرج منه حتماً. لكن الأسد تجاهل كلام باول وأسقطه من حساباته حتى وصل إلى عام 2005 واضطر إلى اتخاذ القرار الصعب بإخراج جيشه من لبنان على عجل. والعام 2006 لا أدري ما الذي حمله على نعت القادة العرب بأشباه الرجال أو أنصافهم، لتتلقى قوى 14 آذار على الأثر دعماً عربياً لا سابق له على سبيل رد الإعتبار والرد على التحدي أيضاً بتحدّ مقابل. واليوم (أمس) بعدما تابعت الخطاب على التلفزيون كانت فكرة واحدة تلحّ في ذهني: يا لهذه القيادة التي حكمتنا عشرات السنين! كيف حكمتنا؟ رحم الله من قال إنه نظام لا يتنازل عندما يكون ضعيفاً، ولا عندما يكون قوياً".
|