التاريخ: تشرين الأول ٢٨, ٢٠١٥
المصدر: nowlebanon.com
"الحراك" وتناقضه الحاكم - حازم صاغية
واجه "الحراك" المدنيّ والشبابيّ، ولا يزال يواجه، تناقضاً ليس حلّه سهلاً، وإنْ كان يسلّط المزيد من الأضواء على محنة العمل السياسيّ غير الطائفي في ظلّ هيمنة الطائفيّة على صعيدي العلاقات والوعي.
 
فـ"الحراك"، لوهلةٍ أُولى، نشاطٌ مطلبيّ بحت يُفترَض أن يُفضي إلى مكاسب مُحدّدة في مجالات جمع القمامة وتأمين الكهرباء وسواهما. وهذا ما يستدعي بالضرورة عقد أوسع التحالفات مع الجمهور الواسع جدّاً ممّن يدفع أكلاف ضمور الوظيفة الخدميّة في جهاز الدولة، علماً بأنّ هؤلاء المتضرّرين يتوزّعون على الطوائف المتناحرة وعلى الاتّجاهات المتخاصمة جميعاً، بل قد يحتلّ بعضهم مواقع متقدّمة في الصفّين الثاني أو الثالث لقيادات طوائفهم وجماعاتهم الأهليّة.
 
هذا التعريف الأوّل يُرتِّب بالتالي تحاشياً للتناقضات السياسيّة – الطائفيّة ولإثارة الحساسيّات التي تستفزّ جمهرة متضرّرة من النظام إنّما متحمّسة، بسبب الوعي الزائف، لطائفيّته. فالمطلوب، هنا، تأسيس هامش أو رصيف للشارع السياسيّ العريض، رصيف لا يتعارض مع ذاك الشارع ولا يتقاطع سلباً، وقد يتقاطع إيجاباً. وفي هذه الحدود يكون لشعار كـ "كلّن يعني كلّن" مردود عكسيّ لما هو مطلوب، إذ يوسّع دائرة الأعداء بدل توسيعه دائرة الأصدقاء الذين يشاركون أهل "الحراك" معاناتهم المطلبيّة، ولهم مصلحة كمصلحة أهل "الحراك" في تذليل تلك المعاناة.
  
إلاّ أنّ "الحراك"، في تعريف ثانٍ، أقرب إلى صرخة جيل كبتته الثنائيّة القامعة لـ 8 و14 آذار، ومنعته على مدى عشر سنوات من أن يقول قوله، لا بالنسبة إلى السياسة والتمثيل السياسيّ فحسب، بل أيضاً، وأساساً، بالنسبة إلى قضايا الاجتماع والثقافة والقيم والتعليم والتربية والجنس وسواها. وما المسألة المطلبيّة التي ظهر عجز السلطة وتفاهتها حيالها إلاّ الفرصة أو الذريعة لإطلاق هذه الهبّة الشبابيّة المتمرّدة.

 
وتبعاً لتعريف واسع كهذا، فإنّ شعار "كلّن يعني كلّن" يغدو أقلّ من المطلوب، لأنّ "الأب" الكريه لا يعود يقتصر، في الحالة هذه، على الأقطاب السياسيّين والطائفيّين، بل يمتدّ ليشمل "آباء" لا حصر لهم في عدادهم الأب البيولوجيّ نفسه.
 
لكنّ هذا التعريف، على عكس التعريف الأوّل، لا يؤدّي إلاّ إلى الإمعان في الفرز الذاتيّ، ومن ثمّ توسيع دائرة الأعداء والخصوم في مقابل تضييق دائرة الأصدقاء وتنفيرهم على نحو تصاعديّ.
 
غنيّ عن القول إنّ التوفيق بين هذين التعريفين المتضاربين يكاد يرقى إلى استحالة هي الاستحالة اللبنانيّة – الطائفيّة نفسها. لكنّ الأمر يحتمل مناقشة التناقض هذا في موقعه من عموم المسألة الطائفيّة اللبنانيّة. ذاك أنّ الأخيرة تركت لنا النقاش الذي... لا نناقشه!