التاريخ: نيسان ٢, ٢٠١١
المصدر: nowlebanon.com
 
سوريّا "السوريّة" - نصير الأسعد

أتى خطاب الرئيس بشار الأسد الأربعاء الماضي يثبّت – تحت عنوان "المؤامرة" – مأزقاً يعيشه نظام الحكم في سوريّا.

يعتبرُ الأسد أنّ "الممانعة" تشكّل مصدر شرعيّة نظامه في الداخل السوريّ من جهة وخارج سوريّا (في المنطقة) من جهة أخرى. ويعتبر تالياً أنّ أيّ مراجعة لتلك "الممانعة" في مضامينها وأدواتها ومراميها تهدّده وجودياً وتهدّد بسقوطه.

 

وفي الوقت نفسه، يعتبر أنّ أيّ إصلاح عميق في الداخل نحو الديموقراطية الفعليّة من شأنه أن يطيح النظام في مدى زمنيّ منظور أو على المدى الأبعد نسبياً.
ولذلك بدا واضحاً أنّ الأسد في خطابه يرفضُ تقديم أيّ تنازل في الإتجاهين، لا في السياسة السوريّة العامّة ولا في مجال الإصلاح السياسيّ.

 

واقعُ الحال هنا أنّ الرئيس الأسد لا يخطئ في أنّ نظامه، الذي ورثه عن والده الرئيس الراحل حافظ الأسد، يقوم على هذا الإرتباط بين السياستين الخارجيّة (إذا جاز التعبير) والداخليّة، بل أنّ والده أخضع الوضع الداخليّ السوريّ بـ"حجّة" السياسة الخارجيّة ("الممانعة"). غير أنّ الرئيس (بشار) يخطئ في المقابل، في قراءة ما تغيّر منذ أكثر من أربعين عاماً، إذ كانت "الممانعة" وبقيت مرادفاً للديكتاتوريّة، وحبساً لأنفاس السوريين حبساً تاماً.

 

وفي هذا الإطار، ينبغي ليس فقط تذكير الرئيس السوريّ بأنّ شعبه كان لـ"يأكل ممانعة" لو أنّ الجمع بين "الممانعة" والديموقراطية ممكن.. في سوريّا تحديداً، بل أنّ الشعب السوري لم يعد "يأكل ممانعة" تترجمُ ديكتاتوريّة خالصة. (وعلى ايّ حال فإن الجدل التاريخي في المنطقة قام على فكرة أنّ الصراع مع إسرائيل يفترض الديموقراطيّة).

وبالعودة الى الوراء، إلى حقبة حافظ الأسد، ينبغي القول إنّ رأس النظام في ذلك الزمان إستطاع أن يركّب معادلة معيّنة.

قامت هذه المعادلة على "تسوية" في الداخل تقضي بأن تكون "السياسة" حكماً وأمناً من نصيب طائفة بعينها بصرف النظر عن حجمها، وبأن يكون "الإقتصاد" تجارةً وأعمالاً من نصيب طائفة أخرى بغضّ النظر عن حجمها أيضاً، وكان الأسد الأب يراجعُ بين فترة وأخرى الإختلالات في تلك "التسوية".

 

على أنّ هذه المعادلة قامت في جانبها الآخر على العمل على جعل سوريّا دولة إقليميّة. وبهذا المعنى، فإنّ "الممانعة" على زمن الأسد الأب، كانت - خاصةً بعد حرب تشرين 1973 آخر حروب النظام السوريّ ومجمل النظام العربيّ مع إسرائيل - عملية تحويل لسوريّا إلى موقع إقليمي يخوض المواجهة مع إسرائيل بشكل غير مباشر بل بـ"الواسطة". وكان إفتراض حافظ الأسد أنّ "سوريّا الإقليميّة" تشكّل حمايةً لـ"التسوية الداخليّة" التي ينهض عليها النظام. وكانت معادلةُ حافظ الأسد تنطوي على قدر من الحنكة السياسيّة.

 

فقد حرص الأسد الأب كلّ الحرص على البقاء ضمن النظام العربي بل على الإلتصاق به، مركّزاً على "سيبة" ثلاثية سوريّا – مصر – المملكة العربيّة السعوديّة، حتى وهو يتحالف مع إيران الإسلامية. ونجح الأسد الأب في جعل "سوريّا الإقليميّة" تمنحه "أوراقاً" يفاوض بها ويبيع منها.. ودائماً لحماية نظامه، وفي إعتماد ثنائية الخصومة – التفاوض مع أميركا وحتّى التحالف مع واشنطن في أكثر من مرّة (الدخول إلى لبنان في 1976 وحرب تحرير الكويت في 1991 ثمّ العودة إلى لبنان بعد الطائف في السنة نفسها).

 

بإختصار، إنّ المعادلة التي إعتمدها حافظ الأسد في إطارها الإجمالّي إحتمت بـ"عقيدة" تحويل سوريّا إلى موقع إقليميّ ذي "أوراق"، بغرض حماية النظام السوريّ نفسه. وإذا كان من نافل القول إنّ تلك المعادلة تعرضّت غير مرّة لإهتزازات إنعكست على الداخل السوريّ فعالجها الأسد الأب بمزيج من القمع المفرط في الداخل و"الديبلوماسيّة السريّة" مع الخارج، فإنّ تلك المعادلة أسسّت في الوقت نفسه لإشكاليّة كبرى. ذلك أنّ المعادلة التي أريد منها أن يشكّل الإمتداد الإقليميّ حماية للنظام في الداخل، جعلت وضع النظام مرتبطاً بما يحصل له مع إحدى "أوراقه". وهل ينسى أحدٌ المرّات التي واجه فيها لبنان تشنجات ومواجهات سوريّة تحت عنوان أنّ هذا الموقف اللبنانيّ أو ذاك يتعارض ومصالح النظام السوريّ لأنّ لبنان أضحى شريان حياة لهذا النظام؟ وهل ينسى أحدٌ أنّ النظام السوري تعاطى مع مسألة إنسحابه من لبنان على انّها تمسّ أمنه وإحدى أهمّ ركائز حمايته، وأنّ إنسحابه من لبنان في العام 2005 شكّل أزمة مصيريّة لم يُشفَ منها بعد، وأنّ الرئيس بشار لا يزال يقرأ في 2005 كابوساً بكلّ معنى الكلمة؟. هذا مع العلم – ختاماً – أنّ معادلة حافظ الأسد لـ"سوريّا إقليميّة" دفعت إلى الواجهة مشكلة معاناة "سوريّا السوريّة"، وهذا ما يمثل الوجه الآخر للإشكاليّة المنوه عنها.

على أيّ حال، ورث بشّار الأسد نظام أبيه. وقيل الكثير في بداية عهده عن "نواياه" الإصلاحيّة. غير أنّ الأمور سلكت في المنحى السابق نفسه على وجه الإجمال.
وهو عندما يقول في خطابه قبل أيام إنّ الإصلاح كان موضوعاً على نار حامية منذ سنوات لكنه تأخّر إذ فرضت الضغوط الخارجيّة أولويّة مواجهة تلك الضغوط بدلاً من المباشرة في الإصلاح، فإنه – أي الرئيس السوري – إنّما يهربُ إلى الأمام من المشكلة.

 

فالأولويّة لدى السوريين هي الداخل، هي لحريّتهم وكرامتهم، هي للديموقراطيّة، هي للنّمو والمسألة الإجتماعيّة، لسوريّا الداخلة في العصر، و"الممانعة" لا تطعمهم بل هي – في وضعهم – تؤدي إلى مشاكلهم بالنتيجة. وهذا مع العلم أنّ "الممانعة" المترجمة على يد بشار الأسد محوراً مع إيران وإنسلاخاً عن المحور العربيّ، ومخاوف لدى تركيّا.. ومواجهة مع المجتمع الدولي، تعتبر لدى السوريين مصائب عليهم وإخلالاً بهويّة سوريّا ومصالح شعبها.

 

إن الرئيس السوريّ لم يدرك أنّ الحديث عن "مؤامرة" لا يغيّر في الواقع شيئاً، بل هو لم يدرك أنّ "سوريا حافظ الأسد" إنتهت أي إنّ "سوريا الإقليمية"، يجب أن تخلي مكانها لـ"سوريّا السوريّة". وإعطاؤه الأولوية لـ"سوريّا السوريّة" لا يعني سقوطه "حتماً" بل إصلاح النظام السياسيّ. صحيحٌ أنّ إصلاح النظام السياسيّ في العمق وإقامة الديموقراطيّة يطلقان ديناميّات سوريّة بإتجاه الحريّة وتداول السلطة، لكن هل كان الرئيس الأسد ليظنّ أصلاً أنّه يستطيع أن يبقى رئيساً إلى الأبد وأنّه يستطيع أن يبقى حاكماً بالأمن أم الأصح له أن يكون رئيساً ينقل سوريّا إلى عصر آخر؟.

إنّ النهاية – التاريخية والموضوعيّة – لـ"سوريّا حافظ الأسد" تعني نهاية معادلة الأسد الأب، وتفترض تغيير "التسويّة" الداخليّة التي نهض عليها النظام طيلة أربعة عقود ونيف وإقامة "عقد إجتماعي جديد".

 

أولويّة "سوريّا السوريّة" تعني إصلاحاً عميقاً في الداخل وصوغ سياسة خارجيّة تغلّب أولويّة مصالح سوريّا - الدولة، سياسة تحدّد لسوريّا دوراً "مع" النظام العربيّ المتغيّر لا عزفاً منفرداً.

إنّ سوريّا الجديدة، مهما كان مخاض ولادتها عسيراً، لا بدّ أن تكون من ضمن الإتجاهات السالفة الذكر.