التاريخ: شباط ٧, ٢٠١٦
المصدر: جريدة الحياة
عواصف الثورة وإخفاقات الإعلام في مصر - صلاح سالم
بهبوب عاصفة 25 يناير، حدثت طفرة هائلة في الدور السياسي للإعلام، إذ نسبت الثورة إلى حركات شبابية أجادت توظيف وسائل الاتصال الاجتماعي وحولتها إلى بؤر ثورية تحول معها المدونون على فايسبوك وتويتر إلى ما يشبه قادة طليعيين، وكأنهم الانتلجنسيا الجديدة المبشرة بثورات عصر ما بعد الحداثة، حيث ساعد على إبراز دورهم ذبول النخبة السياسية التي طالما أمعنت فى خدمتها النظامَ السابق، وفي تفاعلها الزبائني مع أعمدته.

دفع في الاتجاه ذاته أن الكثيرين من رموز الإعلام، خصوصاً المرئي، حاولوا شيطنة ما تبقى صالحاً أو قابلاً للإصلاح من أطراف هذه النخبة، داعين إلى إبعادهم عن الثورة حتى لا يقوموا بسرقتها، مع استحسان مقولة إن الثورة بلا قائد، وما ترتب على ذلك من هجاء لكل محاولة اقتراب منها من قبل الشخصيات الكبيرة أو الأحزاب القائمة، وكأن هؤلاء جميعاً أتوا من عالم شيطاني، أو أن القيادة أمر معيب، أو أن السياسة رجس من عمل الشيطان، وأن التحام السياسة بالثورة سوف يدنس طهرانيتها. وهو أمر دل على نقص في المعرفة حيناً، وعلى نفاق شخصي حيال الحدث الثوري حيناً آخر، وعلى رغبة واعية في تحييد أشخاص بعينهم حيناً ثالثاً.

فإذا ما تراجعت هذه القوى، الحائزة لخبرة القيادة، أمام شبان الثورة الذين قادهم الجموح الشديد، مع نقص الخبرة، إلى توريطهم والتيار المدني فى صراعات عبثية مع الجيش بلغت أحياناً حداً دموياً، فمن الذي يتقدم؟. لقد تقدمت «الجماعة» ونجحت في السيطرة على عقل المجتمع وإقناع الغرب ومراوغة الجيش وصولاً إلى الحكم، فكانت أكثر سنوات الحياة المصرية اضطراباً وبؤساً وعدواناً على القيم المدنية للدولة الحديثة، وصولاً إلى عاصفة 30 يونيو.

في الفترة الممتدة بين العاصفتين الثوريتين كانت ثمة عملية ترويج لفوضى سياسية أربكت المشهد الإعلامي المصري الذي غاب عنه السياسي الوطني والمثقف النزيه والناقد الحقيقي، لمصلحة مثقف جديد (فضائي) يضبط إيقاعات صوته وحدود رؤاه على مقاس الشاشات الفضية الملونة، يعرف توجهات برامجها ومقدميها فيصب جام لعناته على من تكره، ويكيل قصائد مديحه على من تحب، وفى المقابل يمنحه مقدم البرنامج اللقب الذي يتناسب مع مستوى شاعريته، فهو الخبير الإستراتيجي حيناً، والكاتب البارز حيناً، والناشط السياسي أحياناً. والمهم دائماً أن يحدث ذلك في عجلة تتناسب والزمن التليفزيوني الضيق، حيث الفاصل الإعلاني وشيك والإجابة عن سؤال فكري معقد أو سياسي مربك لا يجب أن تزيد عن ثوان عدة أو على الأكثر دقائق معدودة، حتى لا يتأخر القول إلى ما بعد الفاصل.

في هذا السياق وقعت عمليات ترويج شديدة لبعض المغمورين الذين صاروا نجوماً كباراً تم فرضهم على الجماهير بلا منطق أو استحقاق، فصار كل ناشط أو عضو ائتلاف ثوري بمثابة حكيم سياسي في الفضاء التليفزيوني، يتسلط على مُشاهد يفتقد للوعي النقدي ولا يملك سوى التلقي. بل سرعان ما تلبس المذيعون ومقدمو برامج «التوك شو» الحالة نفسها ليصيروا زعماء سياسيين يفرضون رؤيتهم على المسؤولين، ويعلنون مواقفهم من مرشحين انتخابيين، ويصدرون أحكاماً قطعية على رجال كبار من رموز المجتمع وأعضاء النخبة السياسية، مانحين هذا صك الوطنية وذاك صك الخيانة، إلى درجة بلغت مداها بإسقاط رئيس وزراء قوي في برنامج تليفزيوني، وكذلك اختيار وزراء عديدين بفعل كثافة حضورهم على الشاشات الفضية وليس على المسارح السياسية.

مع عاصفة يونيو بدأت مرحلة عكسية سادتها عملية حرق الرموز الكبيرة التي على منوال محمد البرادعي الذي حاولت أبواق عدة تصويره باعتباره خائناً، فيما كان الرجل فقط صادقاً مع تكوينه كرجل ديبلوماسية ربما كان من طراز رفيع، وليس رجل دولة من ذلك الطراز القادر على مواجهة استحقاقات لحظات تأسيسية صعبة ومراحل انتقالية معقدة، أو على منوال حمدين صباحي الذي يسعى بعضهم إلى شيطنته لمجرد توجيه النصح إلى الدولة من أرضية وطنية صرفة، على رغم دوره الإيجابي فى إنقاذ الانتخابات الرئاسية الماضية من خطر التحول إلى استفتاء، بترشحه أمام الرئيس السيسي، وهو ما اعتبره بعض أبواق الإعلام السلطوي خطيئة كبرى لا يزال الرجل يدفع ثمنها.

وما بين الرجلين الكبيرين وقعت عمليات اغتيال معنوي لمعظم رموز 25 يناير، خصوصاً الشبان منهم، من قبل إعلاميين تم اصطناعهم على عجل، تخصصوا في طعن حرمة الحياة الخاصة للكثيرين بسيوفهم المسمومة، في ظل صمت أجهزة الدولة الرسمية، حتى نالت تلك الطعنات مؤخراً من أحد المؤيدين الكبار للثلاثين من يونيو، والمفارقة أنه برلماني واعد، وفنان كبير لعله أكثر المخرجين المعاصرين جرأة وإبداعاً، بل هو من قام بتصوير جموع المصريين فى الميادين الكبرى من داخل طائرة عسكرية، صانعاً لوحة جميلة وشهيرة طالما اعتبرت الوثيقة الأبرز لذلك الحدث في مواجهة منتقديه. وهو الأمر الذى مثل رسالة بالغة السلبية عن مدى التجريح الإعلامي الذي يمكن أن ينال من أي شخص مهما كانت وطنيته فيما لو أبدى مقداراً وإن ضئيلاً من الافتراق عن التيار السائد.

هكذا يبدو أن الإعلام المصري فشل في إحداث ثورة تواكب السياسة وتضمن تحرره، بقدر ما فشلت الثورة فى صوغ إعلام يدافع عنها ويحمل قيمها، فاستمرت التيارات الانتهازية داخله في محاولة اختطافها خصوصاً عبر إحداث القطيعة وإثارة التناقض بين موجتيها، وبالذات من قبل أولئك الذين اعتبروا 30 يونيو إنجازهم الخاص الذي استعاد الدولة من براثن الأشقياء والخونة الذين أثاروا الفوضى في 25 يناير، وهي محاولة متغطرسة لنفي حدث تاريخي ألهم جموع المصريين، ولا تعكس سوى رغبة أنانية في سرقة الذاكرة الوطنية والرقص على أجساد صانعيها.