التاريخ: شباط ١٨, ٢٠١٦
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الدروس المستخلصة من حراك الشباب في لبنان - خيرية قدوح
بداية ؛ ومع تفهمي لكل ما قيل وما كتب في مديح ما حصل من "حراك"، سواء كان ذلك من باب التشجيع أو التأييد أوحتى التحريض... إلاّ أنني أجد من الضروري بالنسبة لكلّ من يهتم بمستقبل الشباب في لبنان- وأولاً بالنسبة لشباب هذه المجموعات الناشطة والمتحمّسة نفسها- إجراء وقفة تأملية أوعمليّة تقويم مرحليّة لما حدث خلال الفترة السابقة.

ذلك بالطبع، في ضوء ما هو لازم أو مطلوب لكل مواطن – وليس فقط للشباب – من مشاركة فعليّة وإيجابيّة في كل عمليات صنع القرار، سواء منها تلك المتعلقة بحياتهم ومستقبلهم، أم تلك المتعلّقة بحياة وطنهم ومستقبله.

أولاً: في السمات العامة لهذا الحراك
1 - بصراحة؛ كان أول ما استوقفني هو سِمة الغضب الشديد التي وسمت سلوك شابّات وشباب هذا الحراك، بصرف النظر عن تنوّع مجموعاتهم او تفاوت مستوياتهم الإجتماعيّة (الإقتصادية والتعليميّة)، ما جعلني أطرح سؤالا حول "فضيحة النفايات " التي "شكّلت لهؤلاء المعترضين الشباب" مناسبة لتفريغ غضب أقصى ما فيه إحراجه للتركيبة السياسية..." على حد قول الصديق العزيز جهاد الزين (جريدة "النهار" بتاريخ 29 آب )، أو على حد قول الكاتب حسان الزين بأن ما يقوم به المتظاهرون الذين هزوا الأسلاك الشائكة خصوصاً، ليس أكثر من تعبير عن رفض عدم إنصات السلطة لهم ولمطالبهم..."( ص 21 من كتاب "وما أدراك ما الحراك" الصادر عن دار الريس في كانون الثاني 2016). وبالتالي، ربما من الضروري البحث أو التوقف عند مطالب واحتياجات الشباب الآنية منها و/أو المزمنة، والتي من أهمّها حاجتهم الى الخروج من حالة الإقصاء او التهميش الإجتماعي التي يعيشونها على كلّ المستويات ؟

2 - في اللغة المستخدمة؛ بدءاً من تسمية المجموعات (طلعت ريحتكم – بدنا نحاسب – سكّرالدكانة-عالشارع – هتافات ساخرة ومهينة – شتائم متنوعة في الساحات وعلى وسائل إعلاميّة...) وصولاًالى توصيف ما قاموا به هم أنفسهم من أفعال من مثل ( حملات – اقتحامات – احتلالات- هجمات – مواجهة السارقين – تنفيذ كمين – نفّذ عدد من "فدائيي "بدنا نحاسب...)، والسؤال هو: هل يمكن أن تكون هذه المفردات اللغوية هي أفضل ما يعلنه هؤلاء الشباب - كأطار نظري لتحركهم، لا سيما وانهم كـ "مجموعات قليلة أو نخبوية بمواصفات حداثية لا تقل عن كتل شباب الحركات الطليعيّة في "وول ستريت" و"ساحة "تقسيم" و"ميدان التحرير" و"ساوباولو" و"سيول"... (جهاد الزين – جريدة "النهار" -29 آب -2015 )، من المفترض ان يكونوا أكثر المتمكّنين من المهارات اللغوية اللازمة او المساعدة للتواصل والحوار والتفاوض؟... وصولاً الى ما هو لازم من حلول ؛ وبالتالي، ربما من الضروري البحث أو التوقف عند نوعيّة وجودة عمليات التربية المدرسية التي تقدّمها المؤسسات المدرسية في لبنان.

3 - في العنف الذي تجاوز القول الى الفعل ؛ السؤال : هل هذا ما كانت تسعى اليه هذه "النخبة من القيادات الشبابية "؟ وهل ما تريده فعلياً، هو المشاركة في البحث عن حلول للمشكلات المزمنة والطارئة التي يعاني منها لبنان واللبنانيون، أم أن المطلوب هو البحث عن المزيد منها أو تأزيمها؟ وبالتالي، ربما من المهم البحث أو التوقف عند " ثقافة العنف" (بكل انواعها ومستوياتها )، التي ما زالت "تعشعش" وتتكاثر، داخل المؤسسات الإجتماعية في لبنان وخارجها، من الأسرة الى المدرسة ومن الإعلام الى الأحزاب... وصولاً الى أعتى المؤسسات الديموقراطية (البرلمان مثلاً).

4 - في غياب التنسيق ؛ يقول الأستاذ حسان الزين (وهو شاهد من أهله) "إستفردت حملة "طلعت ريحتكم بقرارإلغاء تظاهرة... فرد تحالف "نحو جمهورية جديدة " بتنظيم وقفة أمام قصر العدل..." و"هكذا دائماً عناد وسجالات قاسية وإختلافات وخلافات مرهقة...". والسؤال : هل هذا "الطين من هذا العجين " ؟ وبالتالي، ربما من المهم البحث أو التوقف عند هذه المسألة المعبّرة جداً عن مدى تأثير المؤسسات الإجتماعيّة في ترسيخ الأنماط السلوكيّة اللازمة و/أو المطلوبة للتغيير و/أو العكس؟

5 - في غياب الملفات العلميّة ؛ قدّمت المجموعات الشبابية تحرّكها على أنه حراك مدني سلمي يهدف الى "محاربة" كل ما هو قائم من فساد ومفسدين...، بدءاً من إزاحة كل الطاقم السياسي الحاكم (كلّن يعني كلّن )... وصولاً الى دولة القانون والمؤسسات...، لكن الواقع على الأرض يبيّن بوضوح – وللأسف – عن مدى عفويتهم واستهانتهم بما يتطلبه مثل هذا النضال من مستلزمات مساعدة على التقدّم أو النجاح. علماً أن وراء هذا الحراك عددا من الأحزاب والجهات السياسيّة التي تدّعي عراقتها في هذا المجال!

6 - في السلبية أو في رفض الحوار والتفاوض كلياً؛ ربما كنتيجة لما سبق، لم تجد هذه المجموعات أمامها سوى اللجوء الى السلبيّة الكاملة او المطلقة، وسواء في تعاملها مع سُلطة القوانين والمؤسسات...(وهو الشعار الأهم الذي رفعته منذ البداية ) أم في رفضها المطلق للحوار مع المسؤولين (أوحتى ما بينها كمجموعات للبحث عن حلول ممكنة أو مقترحة )، وعلى الأقل بالنسبة لملف النفايات الذي كان السبب المباشر "لإنتفاضتهم "والسؤال هو: هل هذه السمة الأخيرة للحراك هي الأكثر تعبيراُ عن ما يعانيه شباب وشابات لبنان من إقصاء او تهميش إجتماعي، هو حكماُ يتجاوز أعمارهم بما يفوق الكثير الكثير من السنوات؟ وبالتالي، ربما من الضروري البحث أو التوقف عند بعض الأسباب او المسببات.

ثانياً: الدروس المستفادة
دلّت معطيات التقرير الوطني حول مدى "إستجابة الجمهورية اللبنانيّة لبرنامج العمل العالمي للشباب"؛ الذي قمت بإنجازه بتكليف من مكتب "الاسكوا "في لبنان سنة 2009 وبالتعاون مع ممثلة الحكومة اللبنانية في حينه السيدة مريانا خياط ؛ على ما يلي :
1 - ان لبنان بلد ملتزم ببرنامج العمل العالمي للشباب منذ إطلاقه عام 1995 وحتى الآن.

2 - أن لبنان يعتمد للشباب الفئة العمرية (15-24 ) المعتمدة من قبل الأمم المتحدة، وهم يشكلون حاليا ما يقارب 20 بالمئة من السكان بحسب الإسقاطات السكانية للأعوام 2016 -2021، وهو بذلك (اي لبنان)، يشكّل حالة إستثنائية يتشارك فيها فقط مع تونس من بين كل الدول العربية، ما يعني ان امام صانعي القرارات فرصة عامة للتنمية أو ما سمّي بـ "النافذة الديموغرافيّة " في حال ترافقها مع التخطيط لسياسات مناسبة تستهدف الفئات العمرية الشابة والسكان في عمر العمل...، وفي المقابل، في حال قصور الحكومات عن تلبية إحتياجات الشباب... فإن ذلك سيدفعهم الى إفتعال المشاكل والعنف، لا سيما ضمن سياق من الحرمان وعدم الإنصاف الإجتماعي والإقتصادي... والسؤال هو:هل كل ما حصل مع الشباب خلال الفترة السابقة هو أولاً بسبب قصور أو – بالأحرى - تقصير الحكومات السابقة والمتعاقبة في تلبية إحتياجات الشباب وغيرهم، ولا سيما في السنوات الأخيرة؟

3 - إن هذا البرنامج العالمي يتضمن إطاراً لسياسة عامة يتم بموجبها تحديد مجموعة من الأولويات،التي تهدف الى ضمان ان جميع الشابات والشبان قد نالوا من الفرص ما يكفي للوصول الى الإستخدام الأمثل لإمكاناتهم، سواء كأفراد أو كشركاء نشطاء في عمليّة التنميّة... وهو ما سيقلل حكماً من حالة الإقصاء أو التهميش الإجتماعي لهذه الفئة من طريق إستيعاب ديناميكية الشباب بشكل إيجابي...، والسؤال هو : لماذا، ومن بعد مرور ما يزيد على العشرين سنة من إلتزام الدولة اللبنانيّة هذه المسألة، لم تحاول أيّ من الحكومات المتعاقبة وضع سياسة متكاملة وملائمة لكل قضايا الشباب اللبناني ؟

4 - يتضمن هذا البرنامج أيضاً مجموعة متماسكة من المؤشرات (15 مؤشّرا) تقيس وتقيّم التقدّم المحرز نحو تحقيق الأهداف المتعلّقة برصد تقدم الشباب في مجالات :"الجوع والفقر – التعليم – العمل - اوقات الفراغ – المشاركة في صنع القرار – تكنولوجيا المعلومات والإتصالات – العلاقات بين الأجيال- الصحة- جنوح الأحداث – المخدرات - الإيدز او السيدا- الصراعات المسلّحة "...، والسؤال هو : لماذا – وعلى الأقل كبداية يمكن الإنطلاق منها – لا يتّم الطلب رسمياً من الوزارات ( وكلها معنية بمثل هذه المسألة ) القيام بجمع المعطيات اللازمة للتعاون في تحقيق ما هو مطلوب بالنسبة لهذه المعضلة؟

5 - أخيراً، ما يهمّني قوله ليس فقط ان لبنان – كغيره من بلدان المنطقة – لم يتمكن كحكومات – وربما لم يحاول – وضع أية سياسة علميّة، للشباب أو لغيرهم من الفئات الإجتماعيّة، وإنما أيضاً – وهو الأهم بالنسبة لي – يطرح السؤال على المنظمات الشبابيّة والمدنيّة، المهتمّة بالشباب وبقضاياهم وبما يعانون من مشكلات قائمة ومتفاقمة على كلّ المستويات، على الأقل للبدء بوضع ملفات علميّة حول إحتياجات الشباب في كل المجالات المطروحة كمؤشرات، وصولاً للعمل على تجاوزها بطرق قانونيّة وسلميّة وبمشاركة الشباب انفسهم في كل الخطوات ؟!

استاذة جامعيّة
(اقسام من مقالة طويلة)